كريم راهي

المقامة النفعيّة في الكدية الشعريّة

المقامة النفعية في الكدية ال     2017/08/14 11:48 عدد القراءات: 2388




كريم راهي

في العقد الذي تلى (عاصفة الصحراء)، كان كلّ شيء يسير نحو الهاوية، وكان الحصار الإقتصاديّ ينخر البنية التحتيّة للبلاد.. أعداد العاطلين عن العمل كانت مرعبة، وراتب الموظف صار لا يسدّ رمقهُ لأيّام، فيما راحت بعض الأسر تتخلّى عن الكثير من كماليات حياتِها من أجل البقاء. حتّى صار الإحتفاظ بزوجٍ من الكلى عند البعض، ترفاً.

تذهبُ لمركز زرع الكلى فتجد طوابير من البشر تعرض بضاعتها للبيع على مرأى ومسمع من العالم. صار للكلى سوق وبات لها سماسرةٌ يجيدون دراسة العرض والطلب وحسابات الجدوى، تجّار لهم مكاتبُ ووسطاء وزبائن وشبكة معلومات سريّة ووكلاء مجنّدون مهمّتهم توفير المتبرّعين وتهيئة معلومات فحوصاتهم الطبية ونتائج تحاليل الدم وغيرها. كنتُ أيّامها بالمقارنة، في شبه بحبوحةٍ من العيش سببها أنّي كنتُ أعمل وسيطاً تجاريّاً بين أصحاب معامل تصنيع المنتجات البلاستيكيّة، وتجّار اللدائن الذين كانت عمليّات البيع والشراء بيني وبينهم غالباً ما تنحى منحى آخر.

ولمّا كنتُ واحداً ممّن يحبّون العيش في أيّ ظرف كان، ويتكيّفون له - وهذه من الحسنات التي منحني السجن إيّاها - فقد رحتُ أعلنُ بشتّى الطرق، عن محبّتي تلك للحياة، بنظم الشعر مرّة، وبالسخرية مراراً، مازجاً بينهما في كلّ ما له صلةٌ بشؤوني، الجادّة منها والهزلة، حتّى ذاع بين أهل السوق أنّ باستطاعتي التعبير عن أيّ متغيّر، مهما كانت درجة تأثيره، بكتابة أبوذيّة أو دارمي أو حتّى تجليبة.. وما إلى ذلك من فنون الشعر العاميّ التي كنتُ أراها أسهل من امتطاء حمار.

يسألني (رحيم) دلاّل أصباغ البلاستك نمساويّة الصنع، وعلى وزن (الهوسة العگيليّة)، مفترضاً أنّ عرضي سيكون متساهلاً باعتباري ضعيفاً أمام الشعر المُرتجل:

يكريّم بيش النمساوي؟

فأجيبه بكل تلقائيّة:

يرحيّم يا لون تريده؟

أمّا في حالة وجود ضيف تتطلّب ضيافته استكاناً من الشاي، فإنّ الأمر سيأخذ منّي بعض الوقت لتدبيج الطلب على شكل قصيدة من القريض.. يمرق من أمامي مُسرعا صبيّ (قدّوري الچايچي) فأستوقفه لأطلب منه، وعلى غير عادة الجميع في الطلب، شاياً بالهيل، وبسُكّرٍ مضاعف:

يا بائع الشاي، مهلاً يابن قدّوري                        هلاّ صببتَ لنا شاياً من القوري

وحبّذا الشاي إنّ الإستكان به                يكون حلواً، وإنّ (القاب) فرفوري

لا خيرَ في الشاي دون الهيل نشربُهُ        وإن تعذّر، فاجلب نكهة الجوري

ولم أكن طبعاً ذا اكتراثٍ لما أدبّجه من فرائد شعريّة، لكنّ جاراً لي في السوق، هو السيد أديب، أبو حكيم، الذي سأكسبهُ لقب (راوية شعري) في مابعد، هو الإذن اللاقطة لكّل ذاك، والموثّقة لما سيُمليه عليّ من شطحات شعريّة منسوبة لي، وسيستوقفني في كلّ يوم جمعة أمرّ به على كشكه في شارع المتنبّي، لألقي عليه التحيّة، قائلاً:

إسمع هذي أبو زيد.. مرّة انته كتبت أبوذيّة على أبو سامر تگول:

المنَع عنّي المجلّة والجريدة     بجهنّم كون يِنْوَجّ وجّ أريده

آنه أجمع الخشبة والجريدة      وأحرگنّه حرگ بثنين اديّه

وأبو سامر هذا، علاوة على كونه بعثيّ مطرود، كان يشتري كلّ الصحف اليوميّة ويعرضها للقراءة في محلّه المجاور لي، مشترطاً على مستعيريها عدم تمريرها إليّ، كعدوّ آيديولوجيّ.

كان (الحاج عبّود) واحداً ممن يأتمنونني على أسرار السوق ومتغيراتِه بغرض تفويت الفرص على منافسيه في ترويج بضائعهم وتلافي حالات الكساد التي أوقعت الكثيرين ممن لا يتقنون التجارة في مهالك. وكان خارج هذه المعمعة كثيراً ما يستشيرني في أمور لا تمت للتجارة بصلة، لأنّه كان يدركُ أنني مختلف عن الآخرين ممن يعملون في السوق، لانغماري في عالمي الأدب والمعرفة اللذين كنتُ أوفق بين اهتمامي بهما، وعملي الذي أكسب منه قوتي اليوميّ، مازجاً بين المهمّتين، وخارجاً منهما بخصوصيّة ميّزت (كريم الكوفي) المهندس والشاعر الذي يعمل في هذا المضمار.

مرّة سألني الحاج إن كنتُ أستطيع كتابة رد على بضعة أبيات كانت مكتوبة على رواية  أتذكّر أن عنوانها كان (وازن الأرواح) للأديب الفرنسي مالارميه، وكان قد استعاره من صاحب له يُدعى (عبد القادر زينل) الذي كتب على صفحته الداخلية الأولى أبياتاً من الشعر تحاكي مقولة (أحمق كلّ من أعار كتاباً، ومن أعاده فهو أحمق منه) أتذكّرُ منها هذه الأربعة:

قال سلّفني كتاباً قلتُ أهدي لك فاقبل

قال كلاّ بل أعرني قلتُ أعطيك تفضّل

غافلٌ من سلّم الكتْب ومن أرجع أغفل

فاحترس أن تصبح الثاني، فقد أصبحتُ أوّل

ولمّا كنتُ أتحيّن الفرص لكي أفوز بمكانة خاصّة في نفس هذا الرجل، لكيّ يخصّني بمنزلة تُتيح لي الحصول على تسهيلات سعريّة أكبر عند التسوّق من بضاعته، فقد جهدتُ في أن يكون الردّ منظوماً على نفس السليقة:

يا معيري (وازن الأرواح) شكراً يابن زينل

فلقد قضّيتُ منهُ وطراً كان يؤمّل

إن لي من حكمة الرحمن في السِفر المنزّل

أن أرى ردّ الأمانات سواها ليس يُقبل

ثمّ أبيات ملحوقة بالطبع، تملّقاً للحاج صاحب الورع والتقوى، بآيات قرآنية وأحاديث نبويّة وتمثّلات من سيرة آل البيت صيغت على نفس الوزن والقافية، لا أتذكر منها الآن شيئاً، إلا إنّني أتذكر بيتي ختام القصيدة – الرد وهما:

فاضلٌ من سلّم الكتْب ومن يُرجعُ أفضل

فعساني أصبح الثاني كما أصبحتَ أوّل

صبيحة اليوم التالي أرسل الحاج عبّود في طلبي.. قطعتُ الزقاق الخلفي الذي يقع فيهُ محلّ عملي، جنوباً حيث العمارة التي يقع فيها مكتب الحاج التجاري، تسلّقت السلالم حيث الطابق الأوّل، طرقت الباب، دخلتُ فحيّيتهُ بأدب، فردّ التحيّة وطلب منّي الجلوس قربه، وأمر عامله بغلق الباب وعدم استقبال أحد لغاية انتهاء اجتماعه معي، ثمّ قال:

وصلت مخزني بالأمس مائة طن من البولي أثيلين رقم 208، سعرها في السوق 610 دولاراً للطن الواحد، عرّج على المخزن واحجز ما تشاء بسعر خاص بك هو 590 دولاراً للطنّ، على أن تبيعها بسعر السوق لا أقلّ.

صمت قليلاً ثمّ أردف:

زينل يبعث إليك بتحيّاته ويقول أن شاعرك متمكّن من الحرفة، هو يتمنّى اللقاء بك على مائدة عشاء يدعوك إليها يوما ما في منزله.

بعد أيّام قلائل كان جيبي قد انتفخ بتأثير رزمة أوراق ماليّة من فئة المئة دولار، كانت حصيلتي من بيع البضاعة إيّاها، فيما كان صاحبي، راوية أشعاري، قد أضاف إلي رصيده منها، أبوذيّة خالدة أخرى سمعني أخاطب بها حمامة ورقاء كانت ترتقي عمود الكهرباء المجاور:

مثل ما صعدت اعله التيل ورقه            لصعد وارتفع بالروح وارقه

حصتي من الشعر عشرين ورقه            وحصتي من التجارة فرد ميّة

Top