المحرر:hr
كريم راهي

المقامة البيروتيّة -3-

المقامة البيروتية 3     2017/08/11 18:51 عدد القراءات: 2200




لطالما كنتُ أتوق للكتابة في مجال أدب الأطفال، ومن يمتلك نسخة من كتاب الحكايات يمكن له الرجوع إلى حكاية (في بيتنا رجل مطر) لكي يوفّر عليّ عناء سرد الأسباب، أما من أراد المختصر فأقول: كنت قد كتبتُ بتأثيرٍ ما، مجموعتين شعريّتين للأطفال، صارتا الآن سبعاً، قُدّر لثلاث منها أن تُطبع في سفرة بيروت الأخيرة التي قابلتُ فيها من أصحاب دور النشر ما لم يقابله إنسانٌ قطّ في حياته كلّها. فمن رافقني من بغداد وإليها كان (أحمد الراضي) ناشري، صاحب (دار الفراشات) للأطفال، ومن التحق بنا من البصرة وعاد إليها ناشران هما (فارس الكامل) صاحب (دار المعقّدين) للنشر و(دار شكيب) للأطفال التي وُلدت فكرتها في بيروت، والدكتور (لؤي حمزة عبّاس) صاحب دار (ورّاقون) البصريّة للنشر. أما من كرّمنا بدعوة على مائدة عشاء، وهم كثرُ، فلم يكن من بينهم من لا يملك داراً أو أكثر للنشر، من (محمّد هادي) صاحب (الرافدين) إلى (آل رحّولي) الطرابلسيين أصحاب (دار الشمال) العملاقة. مروراً بـ(وسم الزين) صاحب (دار زين الحقوقيّة) وسواهم من الكتبيين الللبنانيين الذين اضطرتّني مرافقة (أحمد الراضي) في جولته المكّوكيّة بين الدور والمطابع إلى التعرف إليهم عن كثب، وكسب بعضهم كأصدقاء حقيقيّين سيرافقونني ما تبقّى من مسيرة حياتي بالتأكيد.

أعود إلى شعر الأطفال فأقول أنّ مخطوطتي التي انتظرت لعشر سنين من سيتعهّد بإعداد رسومها وطبعها، أثمر صبرها عن رسّامة عراقيّة تقيم في الإمارات واسمها (سُرى غزوان)، اختارها الراضي لتنفّذ رسمات الكتاب إيّاه، وصرنا في كلّ ليلة من ليالي رمضان الفائت نناقش ما ستكون عليه رسمة القصيدة المقبلة، حتّى تمّ تنفيذ أربعة عشر رسماً منها لأربع عشرة قصيدة شعريّة ونهاية الشهر. تمّت رسوم الكتاب إذن وتمّ الإتّفاق على شكل غلافه، ولم يبق إلاّ أن تُملأ الصفحات الثلاثة؛ الغلاف الأخير وصفحة المقدّمة والخاتمة اللائي بقين بيضاً بسبب كون عدد القصائد كان أربعة عشر يقابلها مثلها من الرسوم. عليّ إذن أن أكتب ثلاثة نصوص شعريّة على الفور لكي يدفع الكتاب للطبع.

نصّا المقدمة والخاتمة الشعريين كانا على قدر من الظرافة لا يقلّ عن ظرافة المحتوى، وباعتراف من قرأهما، وكنتُ راضياً عنهما تمام الرضا. بقي إذن نصّ الغلاف الخارجي.. الخلاصة كما يسمّيها الكتبيّين.

نسيت أن أقول أنّ اسم الكتاب الشعريّ هو (أجملُ الأشعار في جُحا والحِمار) وهو يتناول الطرف التي كانت تُنسب لشخصيّة (الملاّ نصر الدين) المعروف بجُحا، والتي صيغت بشكل شعريّ معدّ خصّيصاً للفتيان.

باشرتُ وعلى الفور بكتابة نص الغلاف الأخير، وفي خلال دقائق أصبح النصّ جاهزاً!

كنتُ كلّما فتحت ديوان الشاعر الفكه (حسين قسّام) المعنون (قيطان الكلام) انتابتني موجة ضحك لا تنتهي إلاّ وأغلاقي دفّتيه وركوني إلى فكرة الكيفيّة التي يستطيع فيها هذا الكائن القادم من كوكب آخر من التمكّن مني بل والتأثير علي لأن أحدو حدوه في ما فعله منذ أكثر من ثلاثة أرباع القرن. والحكاية تتعلّق بكتابه المذكور الذي حصلت عليه بشقّ الأنفس (والذي أهديته فيما بعد لآل مروّة)، والقصيدة الهدف هي مقدمّة هذا الديوان العجيب، والتي أشبع بها هذا الكتاب العجيب كتابه الأوّل (سنجاف الكلام) شتماً وحطّاً من الوضع في سبيل ترويج الأخير، فهو يبدأ هكذا:

قيطان الكلام اليشتري منّه                  طيف يشوف چنّه برضة الجنّة

ثمّ تبدأ فصول السورياليّة التي خُصّ بها هذا الشاعر العبقري، كما يصفهُ المفكّر الراحل حسين مروّة في تقديمه للكتاب، مديح ما بعده مديح للكتاب الجديد، تقابلها سيول من الشتائم على الأوّل من قبيل:

السنجاف منّك خل يروح ابعيد..

أو: السنجاف يتمزّگ يروح اضياع..

أو: السنجاف صار اعتيگ يا أخوان..

وهكذا يستمرّ بتفضيل هذا على ذاك في أربع صفحات من السخرية المبتكرة التي لا أظنّ أحداً غير هذا القسّام يجيد نظمها. نصل الآن إلى بيت القصيد.. المقطع الذي لا أملّ من تأمّل كميّة الظرف الموجودة فيه، إذ يعمد الشاعر هنا بحثّ القاريء على شراء هذا الكتاب، فيقول:

شيّبني لمن نظّمت آياته                      فكري احتار من وصفه ومعناته

والما يشتري هذا الونس فاته                يتندّم ومنّه يگطع الظنّة

الناشر يلحّ عليّ ويستعجلني في كتابة نصّ الغلاف الأخير، والرسامة في دبي أكملت تصميم الغلاف وتنتظر مثل القصيدة الختاميّة، وأنا منشغلٌ بتقليب القيطان والنهل من فنونه... وفجأة تطرأ الفكرة:

لماذا لا يكون نصّ الغلاف الأخير نصّاً ترويجياً للكتاب على غرار ما فعله حسين قسّام؟؟!!

ثم أشرع بالكتابة، وعلى لسان الحمار السعيد الذي زيّنت صورته مبتسماً، صفحة الغلاف الأخير:

هذا كتابٌ لطيف                  فيهِ كلامٌ ظريف

ضمّنتُهُ متاعبي                   في رِفقتي وصاحبي

بصيغةٍ شِعريّة                    كي يُشترى هديّة

وصلت إلى الفكرة إذن بأقصر الطرق، عليّ إذن أن أسترسل وأحثّ قاريء الغلاف على الشراء:

فمُدَّ في الجيبِ يدا                            ويلٌ لِمن تردّدا

ولتفعلِ الصحيحا                               ولا تكُنْ شحيحا     

بلْ كُن من النوع السخي                     قبلَ نفادِ النُسخِ

فكونيَ الكديشا                                 أكتبُ كي أعيشا

يتوجّبُ عليّ إذن، واحتراماً لصبرهما الطويل، أن أشكرهما؛ سُرى، الرسامّة التي أبدعت في إنجاز رسوم الكتاب، والناشر، الصديق أحمد الراضي، فأسترضيهما ببيت الختام:

شكراً كريماً وسُرى              وقارئي والناشرا

Top