لا تتركوا (جمعة الحلفي) وحيداً

كريم راهي     2017/12/10 20:48 عدد القراءات: 11341




كانت في نيّتي الكتابة عن موضوع يقع ضمن سلسلة استذكارات أضعها هنا بين الحين والآخر، ساخراً من هذا ومؤبّناً ذاك ممّن مرّوا في حياتي فأقاموا في الذاكرة، وبالفعل فما سأكتب بصدده لازال مشروعاً قائماً، لكن ما قلب النيّة، وغيّر اتجاهها مئة وثمانين درجة، هي إطلالة الشاعر والصحفي والمناضل الشريف، جمعة الحلفي، هذا النهار في قلب شارع الحمراء ببيروت، فيما كنت أنتظرُ أحداً ما، فقمت من موضعي بحركة أثارت انتباه من كانوا حولي، لأعانق أبا زينة، وأقبّله، أنا الذي كنت محتاراً في كيفيّة الاتصال به وتحديد وقت لملاقاته والاطمئنان عليه.

قبل أيّام كتب الحلفي ما يدعو للاعتقاد أنّه يمرّ بأزمة صحيّة، وأنّه في بيروت للعلاج، ولم أدرك مدى خطورة ما يمرّ به هذا الصديق، إلاّ بعد أن جالسته هذا النهار، فبيّنه لي بالتفصيل.

وباختصار فإن الحلفي قد شُخِّص أن لديه ورمين في جسمه، غير حميدين، أحدهما في الرأس، والآخر في الرئتين، وأنّه سيمكث في بيروت لأكثر من ستّة أشهر، يتكلّف فيها علاجه وإقامته ما لا طاقة له به، فالرجل لا يملك شيئاً بالمرّة، فحياته انقضت من منفى لمنفى، ومن سكن مؤقت لآخر، وهو لا يملك سوى راتبه المتواضع بقياسات إعلاميي العراق ومدّاحيه من كُتّاب وشعراء، الذي تبرّع علناً ومن هنا ولدت الرغبة في إثارة الأخيار ممّن يملكون القدرة على إمداده بما يجعله يقاوم الشبح المخيف الذي تهيمن أفكاره على هذا الصديق.

في رجاء غير خاف، قال لي الرجل بلسانه: (ابق قريباً منّي يا كريم.. فأنا أمرّ بأزمة نفسيّة أحتاج فيها من هم مثلك من الأصدقاء). ولأنّني لست من المفرّطين بمن هم أصدقاء حقيقيّون، ويحتاجون للدعم النفسي فقط، فلا أعتقد أن طلباً مثل هذا سيكون عائقاً لي عن ملاقاته ومجالسته بما أمكنني. بالقول على الأقل، على رأي المتنبّي:

لا خيل عندك تُهديها ولا مالُ                        فليُسعد (القول) إن لم يسعدُ الحالُ

وبالفعل، فقد باشرت من ساعتي بحديث أظنّه لم يسرق منه الابتسام فقط، على طبيعته المعروفة، بل القهقهات التي لم تنتهِ، وأنا أقصّ عليه ما كنتُ أنوي الكتابة عنه من سخرية حول شخصيّة سيأتي الحديث عنها فيما بعد، كنت قد أرجأتُها ليوم آخر.

وما دمتُ لا أملك، مثله، سوى قوت يومي، فقد بادرت بالكتابة على العلن، في دعوة أظنّها ستفلح في لفت الأنظار إلى قضية الحلفي، وتنبيه النخبة من الأخيار لتبنّي جزء من الدعم المادّي والنفسي، لكي نضمن للحياة توازنها، فمثل أبي زينة، ضروري لأن يكون في ديمومة من العيش، لا أعتقد أنّ عائقاً مثل هذا، سيمنعه عنها.

شيء آخر.. الخلفي في أجازة مرضيّة من العمل كرئيس تحرير مجلّة (الشبكة) العراقيّة التي كنتُ أحد كتّابها، لكنّ هذا لم يمنعه من متابعتها من هنا، رغم مرضه.

لا تتركوا الحلفيّ وحيداً!

Top