بقلم.. الدكتور محمد معزز الحديثي
يمرّ العراق بمرحلة دقيقة تتقاطع فيها أسئلة بناء الدولة مع تحديات الأمن والاقتصاد والعلاقات الإقليمية. وفي مثل هذه المراحل، لا تكفي مقاربة الأزمات بوصفها ملفات منفصلة أو الاكتفاء بتسجيل المواقف حيالها؛ بل تقتضي فهماً أعمق لجذورها، وقياساً لآثارها في المجتمع والمؤسسات، واستشرافاً لمسارات عملية لمعالجتها.
إن العراق الذي لا نريد هو عراقٌ تتراجع فيه الدولة أمام مراكز النفوذ، ويضعف فيه تطبيق القانون، وتتحول فيه التعددية من مصدر غنى إلى سبب لتعطيل المؤسسات وإدامة الانقسام. وهو عراقٌ يشعر فيه المواطن بأن حقوقه وفرصه في العمل والمشاركة والحماية ترتبط بانتمائه أو قدرته على الوصول إلى شبكات النفوذ، لا بالكفاءة والاستحقاق.
وتُعدّ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة من أهم مؤشرات فاعلية الحكم. وتتأسس هذه الثقة على تطبيق القانون بعدالة، وحماية الحقوق والحريات، ومكافحة الفساد، وتوفير الخدمات وفرص العمل، والاستجابة لحاجات المواطنين. كما أن تأخر معالجة المظالم وضعف آليات الإنصاف وتفاوت فرص المشاركة عوامل قد تضعف شعور الأفراد بالانتماء والمسؤولية تجاه الدولة، وتفتح المجال أمام اليأس والاحتقان.
يواجه العراق تحدياً مستمراً في إدارة تعدديته السياسية والاجتماعية. فالتوافق السياسي قد يحمي الاستقرار حين يستند إلى قواعد معلنة ومصالح وطنية مشتركة وحدود دستورية واضحة، لكنه يصبح عائقاً أمام الدولة إذا اقتصر على تفاهمات مغلقة أو تقاسم للمواقع أو تسويات تعفي المسؤولين من المساءلة. كما أن الشراكة الوطنية لا ينبغي أن تكون غطاءً لتعطيل المؤسسات أو إضعاف الكفاءة. ويتطلب تعزيزها تطوير آليات المشاركة، وترسيخ سيادة القانون، وإصلاح القواعد الانتخابية والإدارية، والتمكين من محاسبة من يتولى المسؤولية العامة.
وفي المجال الأمني، يشكل انتهاء مهمة التحالف الدولي اختباراً لقدرة الدولة على تطوير مؤسساتها، وحماية حدودها، ومواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة. ويتطلب ذلك وضوح مرجعية القرار، وحصر السلاح بيد الدولة، وصون سيادة العراق ومنع استخدام أراضيه في صراعات لا تخدم شعبه.
وتحتاج السياسة الخارجية إلى إدارة متوازنة للعلاقات مع دول الجوار والقوى الدولية، تقوم على حماية المصالح العراقية واحترام السيادة، وتستند إلى رؤية وطنية واضحة. ويظل العراق جزءاً من محيطه العربي والإسلامي، ومعنياً بالقضايا الإنسانية العادلة، وبما يقتضي مواقف مسؤولة تعبّر عن التضامن مع الشعوب المظلومة، بعيداً عن المزايدة أو التوظيف السياسي.
اجتماعياً، يواجه العراق تحديات تتصل بالفقر، وتفاوت فرص التعليم والرعاية الصحية والسكن، فضلاً عن آثار النزوح وتعاطي المخدرات والعنف الأسري. وتستدعي هذه الملفات سياسات حماية ورعاية أكثر فاعلية، تستهدف الفئات الأشد هشاشة وتحمي الأسرة والشباب.
ولا يمكن فصل السياسة عن الاقتصاد. فضعف التنويع الاقتصادي، والاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، واتساع البطالة، وتراجع الخدمات، تحديات تهدد الاستقرار وتحدّ من قدرة الدولة على تلبية حاجات المجتمع. ويتطلب الإصلاح دعم القطاعات الإنتاجية، وتحسين بيئة الاستثمار، وتطوير التعليم والتدريب المهني، وربط الإنفاق بأولويات التنمية، وتعزيز الشفافية والرقابة وربط المسؤولية بالنتائج.
وتحتاج معالجة هذه التحديات إلى معرفة دقيقة بالواقع، وحوار جاد، ودراسات تساعد على تقييم السياسات واقتراح البدائل. ومن هذا المنطلق، يعمل مركز الرأي الراشد للدراسات على تسليط الضوء على التحولات العراقية، وإعداد الدراسات والتحليلات وأوراق السياسات، وتنظيم الحوار والتدريب، بما يرفد النقاش العام برؤى تستند إلى المعرفة وتسهم في ترشيد القرار.
إن العراق الذي نطمح إليه دولةٌ تحمي تنوعها، وتكفل مشاركة عادلة، وتؤسس توازناً وطنياً وشراكة مسؤولة، وتصون سيادتها. ويُقاس التقدم نحو هذا المستقبل بقدرة مؤسساتها على تحويل هذه المبادئ إلى واقع يلمسه المواطن في العدالة والأمن والفرص والكرامة.
بقلم.. الدكتور محمد معزز الحديثي يمرّ العراق بمرحلة دقيقة تتقاطع فيها أسئلة بناء الدولة مع تحديات الأمن والاقتصاد والعلاقات الإقليمية. وفي مثل هذه المراحل، لا تكفي مقاربة الأزمات بوصفها ملفات منفصلة أو الاكتفاء بتسجيل المواقف حيالها؛ بل تقتضي فهماً أعمق