مقالات الكتاب اليوم, 13:41 | --
+A -A


هل نجح إقليم كردستان في تجاوز أزماته؟ قراءة في حصيلة التنمية

كتب: مهند محمود شوقي

ليست التنمية في الإقليم، أو في أي مكان آخر، مجرد تراكم لمشاريع إسمنتية أو أرقام تُسجّل في تقارير رسمية. إنها في جوهرها اختبار لقدرة الدولة على الاستمرار في العمل وسط أزمات سياسية واقتصادية متشابكة، وعلى تحويل الضغوط إلى مسارات إنتاج بدل الانكماش.

منذ عام 2019، واجه إقليم كردستان واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخه الحديث: أزمة مالية حادة، توقفات في صادرات النفط، جائحة عالمية، وتوترات مستمرة مع الحكومة الاتحادية في بغداد حول الملفات المالية والإدارية. ورغم هذا السياق غير المستقر، استمرت الحكومة التاسعة في دفع مشاريع البنية التحتية والخدمات العامة بوتيرة متفاوتة حتى عام 2026، وفق بيانات رسمية صادرة عن دائرة الإعلام والمعلومات في حكومة الإقليم.

في قطاع الطرق والجسور، تشير البيانات إلى تنفيذ 810 مشروعاً خلال هذه الفترة، بكلفة تتجاوز 1.057 تريليون دينار عراقي، شملت إنشاء وتأهيل نحو 3,055 كيلومتراً من الطرق. وإلى جانب ذلك، لا تزال 227 مشروعاً استراتيجياً قيد التنفيذ بطول إضافي يقارب 2,239 كيلومتراً وبكلفة تُقدّر بنحو 4.179 تريليون دينار. هذا التوسع يعكس تحولاً تدريجياً في البنية المكانية للإقليم، حيث باتت شبكات الربط بين المدن أكثر كثافة مقارنة بما كانت عليه قبل 2019.

لكن البنية التحتية لم تقتصر على الطرق. فقد شملت المشاريع البلدية والخدمية أكثر من 2,300 مشروع بلدي، ونحو 2,956 مشروع مياه ومجاري، إضافة إلى أكثر من 2,100 مشروع داخل المدن، ما يشير إلى محاولة معالجة تراكمات عمرانية وخدمية طويلة الأمد، حتى وإن كانت النتائج متفاوتة من منطقة إلى أخرى.

في ملف الطاقة، ارتفعت القدرة الإنتاجية للكهرباء إلى حوالي 4,200 ميغاواط بعد إضافة 1,840 ميغاواط جديدة، بالتوازي مع أكثر من 3,500 مشروع توزيع و61 مشروع نقل للطاقة. إلا أن التحول الأبرز يبقى في مشروع “روناكي”، الذي يستهدف إعادة هيكلة قطاع الكهرباء نحو نظام أكثر استقراراً وتقليل الاعتماد على المولدات الخاصة، وهو أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة اليومية بين المواطن والدولة.

أما ملف المياه، فيعكس بدوره ضغطاً بيئياً متزايداً. فقد تم إنشاء 9 سدود بسعة إجمالية تبلغ 252.8 مليون متر مكعب، إلى جانب 23 بحيرة مائية منجزة و58 أخرى قيد التنفيذ. كما يُعد مشروع ماء أربيل، بطاقة تصل إلى 480 ألف متر مكعب يومياً, أحد المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي تهدف إلى تأمين احتياجات المدن الرئيسية من المياه في ظل تحديات مناخية متصاعدة.

في قطاع التعليم، تشير البيانات إلى بناء 214 مدرسة جديدة، وتأهيل أكثر من 2,114 مدرسة، وإضافة 629 صفاً دراسياً، إلى جانب إعادة أكثر من 33 ألف طفل إلى النظام التعليمي. ورغم أن هذه الأرقام تعكس توسعاً كمياً واضحاً، فإن التحدي الأساسي لا يزال مرتبطاً بجودة التعليم وتوزيع الخدمات بشكل متوازن بين المدن والأطراف.

في القطاع الصحي، يضم الإقليم اليوم 67 مستشفى و31 مركزاً تخصصياً و8 مراكز لعلاج السرطان، مع تسجيل أكثر من 56 مليون فحص طبي وتشخيصي خلال السنوات الماضية، ما يعكس توسعاً تدريجياً في البنية الصحية مقابل ضغط سكاني متزايد واحتياجات متغيرة.

اقتصادياً، تمكن الإقليم من استقطاب ما يقارب 24 مليار دولار من الاستثمارات عبر 596 مشروعاً استثمارياً في قطاعات متعددة. وأسهم هذا النشاط في خلق نحو 140 ألف فرصة عمل، إلى جانب 18 ألف وظيفة صناعية، وتسجيل أكثر من 116 ألف عامل في نظام الضمان الاجتماعي. ومع ذلك، يبقى السؤال المفتوح هو مدى استدامة هذا النمو في ظل الاعتماد الكبير على بيئة سياسية واقتصادية غير مستقرة.

في الزراعة، ارتفعت نسبة الاستثمار من 1.8% إلى 10%، مع إنشاء 30 ألف بيت بلاستيكي و319 مخزناً مبرداً، وتوسيع عدد الشركات الزراعية إلى أكثر من 11 ألف شركة، في محاولة لتقليل الفجوة بين الاستهلاك المحلي والإنتاج الداخلي.

ورغم هذا التوسع في المشاريع والقطاعات المختلفة، فإن الصورة العامة لا تزال مركبة. فالتنمية هنا ليست خطاً مستقيماً، بل مسار متعرج يتقاطع فيه الإنجاز مع التحديات البنيوية، والسياسة مع الاقتصاد، والاحتياج مع الإمكانات.

ما يظهر في نهاية المطاف هو أن كردستان خلال الفترة 2019–2026 لم تتوقف عن العمل، لكنها أيضاً لم تصل بعد إلى نموذج تنموي مستقر بالكامل. إنها تجربة ما زالت قيد التشكل، تُقاس فيها النتائج بقدر ما تُقاس فيها القدرة على الاستمرار تحت الضغط.

وفي هذا السياق، تبقى الأرقام الرسمية مهمة، لكنها ليست القصة كلها. فخلف كل رقم هناك سؤال أكبر: ليس فقط ماذا تم إنجازه، بل كيف يمكن تحويل هذا الإنجاز إلى نظام مستدام لا يعتمد على الظروف بقدر ما يعتمد على المؤسسات.

أهم الاخبار

التقاعد تعلن المباشرة بصرف رواتب المتقاعدين لشهر تموز

بغداد اليوم - بغداد أعلنت هيئة التقاعد العامة، اليوم الاربعاء ( 1 تموز 2026 )، عن المباشرة بصرف رواتب المتقاعدين لشهر تموز . وقال معاون رئيس هيئة التقاعد الوطنية حسام عبد الستار تلقته "بغداد اليوم"، إنه "بالتنسيق مع دائرة المحاسبة تعلن

اليوم, 14:36