مقالات الكتاب اليوم, 17:05 | --
+A -A


سيناريوهات الصدمة التضخمية وتأثير تعطل الملاحة في الخليج على الاقتصاد العراقي

كتب: حمد سعيد العلوي - رئيس تحرير CNN الاقتصادية

في الحروب تتجه الأنظار عادة إلى الجبهات العسكرية، لكن المعركة الأعمق اليوم تدور في مكان آخر: "الاقتصاد".

ففي عالم مترابط قد تتأثر الأسواق والطاقة وسلاسل الإمداد بالحروب أكثر مما تتأثر بها الجيوش، خصوصاً عندما يندلع الصراع في منطقة تُعد من أهم مراكز الطاقة والتجارة في العالم.

هذه هي الحال في الأحداث التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط التي تعد القلب النابض للطاقة العالمية وعقدة حيوية في شبكة الاقتصاد الدولي، حيث تمر عبر مياهها وموانئها وحقولها النفطية نسبة كبيرة من الطاقة التي تغذي الاقتصاد العالمي، وأي تداعيات تلحق بها يكون تأثيرها على العالم أجمع.

من هنا، فإن أي تصعيد عسكري مرتبط بالمنطقة لا يُقرأ فقط في سياق التوازنات العسكرية، بل في سياق اقتصادي أوسع قد يمتد أثره من أسواق النفط في الخليج إلى معدلات التضخم في أوروبا وأميركا وآسيا، والتاريخ يقدم شواهد واضحة على هذه العلاقة الوثيقة بين الحروب في المنطقة وأزمات الاقتصاد العالمي، ففي عام 1973 عندما اندلعت حرب أكتوبر بين مصر وإسرائيل وما تبعها من حظر النفط العربي، قفز سعر النفط من نحو 3 دولارات للبرميل إلى أكثر من 12 دولاراً خلال أشهر قليلة، وهو ارتفاع غير مسبوق حينها أدى إلى ركود اقتصادي واسع في الاقتصادات الصناعية.

وبعد ذلك بسنوات كررت الثورة الإيرانية عام 1979 السيناريو ذاته تقريباً، إذ أدت اضطرابات الإنتاج النفطي في إيران إلى ارتفاع الأسعار مرة أخرى، ما أسهم في موجة تضخم عالمية استمرت سنوات، وفي عام 1990 عندما غزا العراق الكويت، ارتفعت أسعار النفط بنحو 80% خلال فترة قصيرة، وهو ما انعكس مباشرة على الأسواق المالية وأسعار الطاقة في العالم.

هذه السوابق التاريخية تعطي مؤشراً واضحاً لما يمكن أن يحدث إذا طال أمد أي صراع عسكري مرتبط بإيران في الوقت الراهن، فالاقتصاد العالمي اليوم أكثر اعتماداً على الطاقة مما كان عليه في السبعينيات، رغم التقدم في مصادر الطاقة البديلة والمتجددة.

وتُظهر بيانات الطاقة الدولية أن نحو 20% من استهلاك النفط العالمي يمر عبر مضيق هرمز بما في ذلك النفط الخام والغاز الطبيعي المسال من قطر والعراق والكويت والسعودية والإمارات، وهو الممر البحري الذي يربط الخليج بالعالم ويشهد حالياً تداعيات الحرب وتهديدات الإغلاق، لذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد في هذا المسار البحري الحيوي يمكن أن يؤدي إلى صدمة إمدادات قد تتجاوز في تأثيرها الأزمات السابقة.

ومخاطر إغلاق هذا المضيق تتخطى خسائرها الاستراتيجية حيث تتسبب في صدمة تضخمية عالمية وتباطؤ اقتصادي، وعرقلة نحو 4.5% - 5% من التجارة العالمية غير النفطية، وتزداد الأزمة تعقيداً في حال استهداف البنية التحتية للطاقة ما يؤدي إلى موجة تضخم وركود عالمي، تطول ليس فقط النفط، بل تجارة الحاويات والبضائع السائبة مثل الحبوب والحديد والأسمدة.

لذلك انعكاسات مثل هذه الصدمة لا تتوقف عند أسعار النفط فقط، بل تمتد إلى بنية الاقتصاد العالمي، فالنفط لا يزال يمثل العصب الأساسي للنقل والصناعة والطيران والتجارة البحرية، وفي ظل ارتفاع أسعار الطاقة ترتفع كلفة الإنتاج والنقل، وهو ما ينعكس على أسعار السلع الأساسية والغذاء.

وقد شهد العالم نموذجاً مصغراً لهذه الظاهرة بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022، عندما ارتفعت أسعار والغاز بشكل حاد، ما دفع معدلات التضخم في الولايات المتحدة وأوروبا إلى أعلى مستوياتها منذ أربعة عقود، وإذا كان ذلك الصراع قد أحدث هذه الصدمة رغم أنه بعيد جغرافياً عن الخليج، فإن حرباً تمتد في قلب منطقة الطاقة العالمية قد تكون آثارها أكثر عمقاً.

لكن التأثير الاقتصادي لأي حرب طويلة في الشرق الأوسط لن يكون متساوياً بين دول المنطقة، إذ تختلف درجة التأثر وفق بنية الاقتصاد، ومستوى الاعتماد على الطاقة، وقدرة الدول على إيجاد مسارات بديلة للتصدير، ففي حال استمر الصراع لفترة طويلة دون حسم سريع قد تكون بعض الاقتصادات الإقليمية أكثر عرضة لضغوط حادة، خصوصاً تلك التي يعتمد دخلها القوم بشكل كبير على صادرات الطاقة المارة عبر مضيق هرمز.

وتبدو قطر من بين أكثر الاقتصادات عرضة للتأثر في هذا السيناريو، خاصة بعد توقف صادراتها من الغاز الطبيعي المسال تقريباً منذ بداية الحرب وإعلانها حالة القوة القاهرة، حيث تعد الدوحة ثاني أكبر مصدر للغاز المسال في العالم بعد الولايات المتحدة، إذ توجه نحو 71% من صادراتها إلى أسواق آسيا، خصوصاً الهند والصين وتايوان وكوريا الجنوبية.

العراق بدوره يواجه تحدياً اقتصادياً لا يقل صعوبة، إذ تشير تقديرات إلى أنه يخسر نحو 6 مليارات دولار شهرياً نتيجة تعطل الإمدادات النفطية، حيث يمر عبر مضيق هرمز ما يزيد على 94% من صادرات النفط العراقية، بينما تمثل عائدات النفط نحو 90% من موارد الموازنة العامة للدولة، ما يجعل الاقتصاد العراقي شديد الحساسية لأي اضطراب في حركة الملاحة في هذا الممر البحري الحيوي.

ويبلغ إنتاج العراق النفطي نحو 4.4 مليون برميل يومياً، يصدر منها قرابة 3.3 مليون برميل عبر موانئ البصرة والعمية والمنصات العائمة الخليج، ومع محدودية قدرات التخزين الاستراتيجية اضطرت وزارة النفط العراقية إلى خفض الإنتاج تدريجياً لتجنب امتلاء الخزانات، وتشير التقديرات إلى أن إنتاج الحقول الجنوبية تراجع بنحو 70% ليصل إلى نحو 1.3 مليون برميل يومياً، وهو مستوى يخصص معظمه لتشغيل المصافي المحلية وتوفير الوقود لمحطات الكهرباء.

في المقابل تبدو بعض اقتصادات الخليج أكثر قدرة على امتصاص الصدمة نسبياً بفضل وجود مسارات تصدير بديلة، ففي الإمارات، ورغم التأثير السلبي لأي اضطراب في حركة الملاحة عبر هرمز، يوفر خط أنابيب حبشان الفجيرة منفذاً استراتيجياً لنقل ما بين 1.5 و1.8 مليون برميل يومياً مباشرة إلى ميناء الفجيرة دون المرور بالمضيق، كما تسهم موانئ الفجيرة وخورفكان في استيعاب جزء من حركة الصادرات والواردات، وإن كانت لا تستطيع تعويض كامل الطاقة اللوجستية التي يوفرها المضيق.

السعودية أيضاً تمتلك هامشاً أكبر من المرونة، إذ تستطيع تحويل نحو 5 ملايين برميل يومياً من صادراتها النفطية إلى البحر الأحمر عبر خط أنابيب شرق-غرب الممتد بين الجبيل وينبع، ما يقلل من حجم المخاطر المرتبطة بإغلاق أو اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز.

ولا تتوقف تداعيات هذه التطورات عند حدود المنطقة، بل تمتد بسرعة إلى الاقتصاد العالمي، فارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تقارب 120 دولاراً للبرميل، مع استمرار الصراع لمدة شهر واحد فقط، قد يؤدي إلى خفض النمو الاقتصادي العالمي بنحو 1%، وهو تأثير كبير بالنظر إلى هشاشة التعافي الاقتصادي العالمي بعد سلسلة الأزمات التي شهدها خلال السنوات الأخيرة.

وتختلف قدرة الاقتصادات الكبرى على تحمل هذه الصدمة، فالصين -على سبيل المثال- تمتلك مخزونات نفطية استراتيجية تتجاوز مليار برميل، ما يمنحها هامشاً زمنياً يمكن أن يصل إلى ثلاثة أشهر للتعامل مع أي اضطراب في الإمدادات، أما الهند فتبدو من بين أكثر الاقتصادات الآسيوية عرضة للتأثر، نظراً لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة، خصوصاً الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب محدودية قدراتها التخزينية مقارنة ببقية الاقتصادات الكبرى، ما يجعلها أكثر حساسية لأي اضطراب طويل في أسواق الطاقة العالمية.

ومع ذلك فإن السيناريو الاقتصادي للحرب لا يقتصر على جانب المخاطر فقط، بل يفتح أيضاً باباً لتحولات في خريطة الاستثمار العالمي، ففي الأزمات الجيوسياسية عادة ما تتجه رؤوس الأموال إلى ما يُعرف بالملاذات الآمنة، مثل الذهب أو السندات الحكومية أو بعض الاقتصادات المستقرة.

وهنا تظهر فرضية إعادة تموضع الاستثمارات، التي قد تحتوي على ثلاثة مسارات، الأول هو الخروج الكامل ورغم كونه احتمالاً قليلاً فإنه موجود، فبعض المستثمرين قصيري الأجل وصناديق التحوط قد يغادرون المنطقة نحو آسيا أو أوروبا، الثاني هو إعادة التوزيع داخل المنطقة حيث رأس المال يبقى في المنطقة لكنه يتجه للدول الأكثر استقراراً وتنويعاً اقتصادياً، مثل الإمارات بسبب استقلال بنيتها اللوجستية وقوة اقتصادها غير النفطي، أما المسار الثالث فهو تدفق استثمارات من خارج المنطقة، وتاريخياً الأزمات تجذب رؤوس أموال تبحث عن ملاذ آمن داخل المنطقة، كما حدث بعد حرب روسيا وأوكرانيا عندما تدفقت الاستثمارات إلى الإمارات.

وقد شهدت المنطقة في العقود الماضية موجات خروج لرؤوس الأموال عند تصاعد التوترات، لكن التحولات الاقتصادية التي شهدتها دول الخليج خلال العقد الأخير قد تجعل الصورة هذه المرة مختلفة، فاقتصادات مثل الإمارات والسعودية استطاعت خلال السنوات الأخيرة تعزيز احتياطاتها المالية وتنويع قطاعاتها الاقتصادية بشكل ملحوظ، وهو ما انعكس في معدلات نمو تجاوزت في بعض التقديرات 4% سنوياً.

وهنا يبرز السؤال: هل تُسرّع الأزمة مسار التنويع الاقتصادي في المنطقة؟ الإمارات لا تنتظر الأزمة لتُجيب، فهي تقف اليوم في موقع متميز لأنها أجابت على هذا السؤال منذ سنوات، حيث تهدف لزيادة نسبة السياحة إلى 17% من إجمالي الاقتصاد خلال الأعوام القادمة، كما أن الاقتصاد غير النفطي يشكل أكثر من 75% من الاقتصاد الكلي، مدعوماً بقطاعات التجارة والخدمات المالية، والتأمين، والصناعات التحويلية، والسياحة.

وسجلت التجارة الخارجية غير النفطية في الإمارات قفزة تاريخية في 2025، لتتجاوز 3.8 تريليون درهم (1.03 تريليون دولار)، بنمو 27% مقارنة بعام 2024، مدعومة بنمو قياسي في الصادرات غير النفطية وإعادة التصدير، ما يعزز مكانة الدولة كمركز تجاري عالمي ضمن رؤية "الإمارات 2031".

هذا الاستقرار النسبي قد يدفع بعض المستثمرين إلى النظر إلى الإمارات وباقي دول الخليج ليس فقط كمنطقة مخاطر، بل أيضاً كمنطقة استقرار نسبي في محيط إقليمي مضطرب، وهو ما قد ينعكس على تحول بعض المراكز المالية الخليجية إلى نقاط جذب لرؤوس الأموال الباحثة عن الاستقرار، خصوصاً في قطاعات مثل التكنولوجيا المالية والطاقة المتجددة والبنية التحتية الرقمية.

وقد حدث ذلك بالفعل خلال العقد الماضي عندما تحولت مدن مثل دبي وأبو ظبي إلى مراكز مالية إقليمية استقطبت شركات واستثمارات هربت من مناطق أكثر اضطراباً، لكن ربما يكون التحول الأعمق الذي قد تخلقه مثل هذه الحرب هو إعادة تشكيل خريطة التجارة والطاقة العالمية، فالأزمات الكبرى كثيراً ما تدفع الدول إلى البحث عن بدائل استراتيجية لتقليل الاعتماد على مناطق جغرافية بعينها، وقد بدأت هذه العملية بالفعل منذ أزمة الطاقة الأوروبية بعد الحرب في أوكرانيا، عندما سارعت أوروبا إلى تنويع مصادر الغاز بعيداً عن روسيا.

هنا يظهر تساؤل آخر، ألا وهو كيف يمكن أن تنعكس التوترات الجيوسياسية على بيئة الأعمال وريادة الأعمال في المنطقة؟ وهل قد تتباطأ الاستثمارات في الشركات الناشئة؟ الإجابة تأتي من الأرقام، فالإمارات تضم اليوم نحو 53 ألف شركة ناشئة، أنجزت مجتمعة 716 عملية استحواذ و381 طرحاً عاماً أولياً منذ انطلاق المنظومة، وجمعت تمويلاً تراكمياً تجاوز 97 مليار دولار عبر جميع جولات التمويل على مستوى الترتيب العالمي، نمت منظومة الشركات الناشئة الإماراتية 32% في عام 2025 لتحتل المرتبة الـ21 عالمياً.

تستضيف الإمارات في 2025 نحو 11-12 شركة يونيكورن (وهي الشركة الناشئة التي تتجاوز قيمتها المليار دولار) بتقييم إجمالي يبلغ 17.2 مليار دولار، تمتد عبر قطاعات الفينتك والتجارة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي وتقنية الغذاء، أبرزها Tabby بتقييم 3.3 مليار دولار، وVista Kitopi Network International Global، فيما انضمت XPANCEO في منتصف 2025 بتقييم 1.35 مليار دولار لتكون الأحدث في القائمة.

ولا ننسى التجربة الأهم لشركة "كريم" التي انطلقت من دبي ثم استحوذت عليها Uber الأمريكية بأكثر من 3 مليارات دولار، لتكون آنذاك أكبر صفقة في قطاع التكنولوجيا في الشرق الأوسط.

والهدف المعلن أكثر طموحاً "أجندة دبي D33 تستهدف تخريج 30 يونيكورن" من دبي وتنمية 400 شركة صغيرة ومتوسطة بحلول 2033، ما يعكس قدرة الإمارات على تحويل التحديات الإقليمية إلى فرص اقتصادية حقيقية، واستمرارها في جذب رؤوس الأموال حتى في أوقات عدم اليقين.

في النهاية لا يمكن قراءة الحروب الكبرى بمعزل عن آثارها الاقتصادية العميقة، فكما أعادت حرب 1973 تشكيل سوق الطاقة العالمي، وكما دفعت أزمة 2008 العالم إلى إعادة التفكير في النظام المالي، فإن أي صراع طويل مرتبط بإيران قد يصبح لحظة مفصلية في الاقتصاد الدولي.

أهم الاخبار

قصف محيط إحدى ألوية الحشد الشعبي شمال تلعفر دون إصابات بشرية

بغداد اليوم - نينوى كشف مصدر مطلع، اليوم الأربعاء ( 1 نيسان 2026 )، عن تعرض محيط إحدى مقرات ألوية الحشد الشعبي الواقعة شمال شرق قضاء تلعفر لقصف جوي، مؤكداً عدم وقوع أي إصابات بشرية. وقال المصدر في حديث لـ"بغداد اليوم"، إنه "لا يزال غير

اليوم, 18:30