أمن 21-02-2026, 13:22 | --
+A -A


ديالى.. حرب الثمانينات تواصل قتل الرعاة والأطفال بعد أربعة عقود

بغداد اليوم – ديالى

على طول الشريط الحدودي بين العراق وإيران شرق ديالى، من أطراف مندلي وقزانية وصولا إلى مشارف خانقين، يمتد حزام غير مرئي من الموت. نحو مليون لغم وذخائر غير منفجرة، بحسب تقديرات حكومية، ما زالت مدفونة تحت تربة توصف رسميا بأنها "أراضٍ خصبة"، لكنها تحولت في وعي السكان إلى حقول تحصد الأرواح كل عام.

في حديث لـ"بغداد اليوم"، أكّد مصدر حكومي أنّ تسع مناطق متقاربة على الحدود الشرقية للمحافظة يُتوقّع أن تضم قرابة مليون لغم ومقذوف غير منفجر يعود أغلبها إلى حرب الثمانينات، لافتا إلى أنّ مخاطبات أُجريت مع بغداد بشأن مصير هذه الألغام انتهت إلى خيار "التريث" بانتظار جهد هندسي مركزي وإمكانيات كبيرة لم تتوفر حتى الآن. وبينما تتريث المؤسسات، تستمر الحصيلة البشرية في الصعود بصمت.


خرائط الخطر.. قرى محاصرة بحقول غير مرئية

يبدأ حزام الخطر من تخوم مندلي، حيث تمتد مناطق حدودية واسعة كانت في زمن الحرب خطوط تماس ونقاط تقدم وتراجع، قبل أن تتحول اليوم إلى فضاء زراعي ورعوي يعتمد عليه آلاف السكان. في هذه المساحة، تشير إفادات مسؤولين محليين إلى أنّ عشرات الكيلومترات على طول الحدود ملوّثة بدرجات متفاوتة، بعضها مصنّف كمناطق "حمراء" لا يُسمح بالدخول إليها، وأخرى تتحرك فيها الحياة اليومية فوق تربة مجهولة.

في قاطع قزانية، تُحاصر القرى بحقول ملغّمة على شكل قوس يمتد بمحاذاة الحدود، حيث يضطر الرعاة والمزارعون إلى الاقتراب منها كل موسم، بحثا عن الكلأ أو توسيع المساحات المزروعة. التداخل بين "الآمن" و"المحظور" ليس واضحا دائما؛ فحدود الخطر لا تُرى بالعين المجرّدة، والخرائط القديمة فقدت دقتها بفعل السيول والتغيّرات الطبيعية، ما جعل خطوط التماس القديمة تتحرك مع الماء والطين نحو عمق القرى.

أطراف خانقين ليست أفضل حالا. هناك، يتحدث أهالٍ عن أكثر من حلقة خطر: مناطق قريبة من الشريط الحدودي، سفوح وتلال كانت مواقع عسكرية سابقة، وأودية موسمية تمرّ فيها السيول حاملة معها كل ما تجرفه من بقايا الحديد والمتفجرات. في بعض النواحي، يكاد القرويون يحفظون مسارات معيّنة يعتبرونها "آمنة" بالتجربة المتراكمة، في مقابل بقع مجهولة يتجنّبونها لكنّهم لا يملكون دائما رفاهية الابتعاد عنها، لأنّ أرزاقهم معلّقة بهذه الأرض.

بهذا المعنى، لا تبدو الألغام مجرد نقاط متناثرة في صحراء مهجورة، بل هي طبقة ثانية من الجغرافيا، موازية للقرى والحقول، تفرض على الناس طريقة عيش وحركة وتخوّف دائم، وتحوّل أي خطوة خارج المسار المعتاد إلى مغامرة غير محسوبة.


حكايات من القرى الملوّثة.. حين تتحوّل الأرض إلى فخ

وراء لغة الأرقام الجافة، تظهر حكايات العوائل التي اصطدمت مباشرة بهذا الحزام الملغّم. في إحدى قرى أطراف مندلي، خرج شاب في السابعة عشرة من عمره مع قطيع الأغنام إلى أرض لطالما اعتبرتها عائلته "آمنة"، بحكم أنّ سنين طويلة مرّت دون حوادث في تلك البقعة. دقائق بعد الظهر، سُمع دوي انفجار واحد، ثم صمت ثقيل. عندما وصل الأهالي، كانت الجثّة ملقاة قرب حفرة صغيرة، وقطعان الأغنام مبعثرة، وبعضها مصاب بشظايا.

تقول والدة الشاب، وهي تروي ما جرى لـ"بغداد اليوم"، إنّ ابنها "لم يكن على جبهة حرب، بل في أرض العائلة"، وتصف شعورها بأنّ الحرب "عادت" إلى بيتها بعد عقود من انتهائها على الورق. لم تجد العائلة جوابا شافيا وهي تسأل عن سبب وجود لغم في أرض كانت تُزرع لسنوات، ولا عن الجهة المسؤولة عن تعويضها أو حمايتها.

في حادثة أخرى على أطراف وادٍ حدودي شرق ديالى، كانت مجموعة من الأطفال ترافق راعي أغنام من أهل القرية. انفجار واحد كان كافيا ليحوّل النزهة اليومية إلى مشهد إسعاف عاجل. أصيب الراعي وطفلان بجروح متفاوتة، ونُقلوا بسيارة مدنية إلى المستشفى، لأنّ أقرب سيارة إسعاف كانت على بعد عشرات الكيلومترات. لم تكن هناك دلائل ظاهرة على وجود حقل ألغام، سوى ذاكرة كبار السن وتحذيرات شفهية تنتقل بين الأهالي.

الضحايا العسكريون جزء من المشهد كذلك. منتسب في حرس الحدود استشهد متأثرا بجروح خطرة بعد أن وطئت قدمه لغمًا خلال جولة روتينية في محيط الشريط الحدودي قرب خانقين. زملاؤه يؤكدون أنّ القطاع يُعد من أكثر المناطق تشديدا وتمشيطا، لكنّ "لغم واحد نجا من كل عمليات التطهير السابقة" كان كافيا لفتح ثغرة جديدة في جدار الأمان المتخيّل.

في أطراف أخرى من مندلي، أصيب عناصر من فصائل أمنية محلية، بينهم مقاتلون في الحشد الشعبي، خلال تحركات اعتيادية في مناطق يصفونها بـ"المختلطة"، أي التي لم تُعلن رسميا كحقول ملغّمة، لكنها لم تُمسح بالكامل أيضا. هذه الحوادث تسجّل في تقارير مختصرة، ثم تُطوى بسرعة تحت عنوان "مخلفات حرب"، فيما تظل العائلات تتعامل مع آثار دائمة: إعاقة، بطالة قسرية، وتكاليف علاج لا تنتهي.


فراغ قانوني وتعويضي.. ضحايا بين أكثر من جهة

في كل حادثة انفجار لغم أو ذخيرة غير منفجرة شرق ديالى، يبرز السؤال نفسه: من المسؤول عن تعويض الضحايا؟ القانون العراقي يتضمن أبوابا لتعويض "ضحايا الأعمال الحربية والأخطاء العسكرية والعمليات الإرهابية"، لكنّ التطبيق على الأرض يتعثّر عند تفاصيل كثيرة، بدءا من إثبات السبب المباشر للإصابة، مرورا بتحديد الجهة التي يجب أن تستقبل الطلب، وصولا إلى طول فترة الإجراءات وعدم شمول جميع الحالات بالامتيازات نفسها.

عائلات الضحايا في القرى الحدودية تصطدم غالبا بعدة حقائق قاسية:

-لا توجد قاعدة بيانات موحّدة ومعلنة للضحايا المدنيين جرّاء الألغام في ديالى، ما يصعّب متابعة الملفات بصورة جماعية.

-التداخل في الصلاحيات بين وزارات الدفاع والداخلية والصحة والعمل والشؤون الاجتماعية يجعل مسار التعويض أشبه برحلة بين المؤسّسات، يتحمّلها ذوو الضحايا وهم في أضعف حالاتهم.

-تركّز الاهتمام الرسمي والإعلامي على ضحايا التفجيرات "الجديدة" أو العمليات العسكرية بعد 2003، بينما يُدفع ضحايا ألغام الثمانينات إلى الهامش، كأنّ إصاباتهم "قديمة" لا تستحق أولوية.

هذا الفراغ لا يقتصر على جانب التعويض المالي. هناك أيضا غياب واضح لبرامج تأهيل متكاملة لضحايا الألغام في المناطق الحدودية. كثير من المصابين يعيشون بإعاقات دائمة، من دون أطراف صناعية مناسبة أو برامج دعم نفسي أو فرص عمل بديلة، فيتحوّل الضرر من إصابة فردية إلى دائرة فقر مزمن تضرب العائلة بأكملها.

حتى اليوم، لا توجد في شرق ديالى مراكز متخصصة دائمة لإعادة تأهيل ضحايا الألغام بحجم يوازي حجم التلوث. تُقدَّم مبادرات متناثرة من منظمات محلية أو دولية، لكنّها لا تتحول إلى سياسة عامة أو برنامج وطني واضح، ما يجعل مصير الدعم مرهونا بكل مشروع مؤقت أو تمويل مرحلي.


المطالبات المحلية بخطة تطهير شاملة.. من يحوّل الحزام الملغّم إلى أرض للحياة؟

أمام هذا الواقع، تتصاعد دعوات من مسؤولين محليين ووجهاء وشيوخ عشائر ونشطاء مدنيين في ديالى لوضع خطة تطهير شاملة للشريط الحدودي، تتعامل مع الحزام الملغّم بمنطق "ملف وطني" لا "هامش حدودي". جوهر هذه المطالبات يقوم على ثلاثة محاور رئيسية:

أولا، الاعتراف الرسمي بحجم التلوث في شرق ديالى، وتحديث الخرائط الميدانية بالتعاون بين وزارتي الدفاع والبيئة والجهات المحلية، مع إشراك المجتمع في معرفة الحدود الفعلية للمناطق الخطرة، بدلا من ترك الأهالي يكتشفونها بالتجربة المريرة.

ثانيا، تخصيص موازنات سنوية ثابتة لبرنامج تطهير طويل الأمد، وعدم الاكتفاء بحملات موسمية قصيرة، بحيث تُستقدم فرق هندسية متخصصة وتجهيزات حديثة لكشف الألغام، مع الاستفادة من خبرات دول خاضت تجارب مشابهة في إزالة الألغام المزروعة منذ عقود.

ثالثا، إنشاء مسار تعويض واضح وسريع لضحايا الألغام وذويهم، يشمل التعويض المالي، والرعاية الصحية المستمرة، وفرص إعادة التأهيل والدمج في سوق العمل، بما يحوّل التعامل مع الضحايا من منطق "المساعدة" إلى منطق "الحق".

في الأوساط المحلية، تُطرح أيضا فكرة تحويل بعض الأراضي التي تُطهَّر من الألغام إلى مشاريع تنموية وزراعية منظّمة، تذهب نسب من عوائدها إلى صندوق خاص لدعم ضحايا الألغام وأسرهم، في محاولة لربط عملية "إزالة الخطر" بإنتاج فرص جديدة للحياة.

إلى جانب هذه المطالبات، يتزايد الحديث عن ضرورة إشراك المجتمع في برامج توعية منهجية، تبدأ من المدارس وتمتد إلى المساجد والحواضر الاجتماعية، لتثبيت ثقافة الحذر من الأجسام الغريبة ومناطق الاشتباه، وتشجيع الأهالي على التبليغ عن أي مخلفات حربية بدل محاولة التعامل معها بطرق بدائية، بحثا عن خردة معدنية أو موارد بسيطة.

ما بين قرار مركزي يدعو إلى التريث بانتظار جهد هندسي متكامل، وقصص عوائل تفقد أبناءها في الحقول والوديان، يظل شرق ديالى عنوانا لزمنين متداخلين: حرب انتهت سياسيّا وعسكريّا، لكنها لم تغادر التربة بعد، وقرى تريد أن تعيش حياة طبيعية فوق أرض لا تفاجئها كل فترة بانفجار جديد.

السؤال الذي يتردّد اليوم في مندلي وقزانية وخانقين ليس تقنيا فقط عن عدد الألغام وطرق رفعها، بل هو سؤال عدالة أيضا: إلى متى يبقى الحزام الملغّم جزءا من يوميات هؤلاء الناس، ومن يعيد تعريف هذه الحدود، من "خط تماس" قديم إلى شريط حياة يمكن أن يُزرع من جديد بلا خوف؟

المصدر: بغداد اليوم+ وكالات

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14