بغداد اليوم – بغداد
بين فترة وأخرى يُفتح ملف "رواتب الأجانب" بالعراق في "السوشيال ميديا"، يظهر حديث عن "إيرانيين ومصريين" و"جنسيات أخرى" يتقاضون رواتب من الدولة بأعداد كبيرة، من دون أرقام واضحة أو مصادر موثوقة. في المقابل، تكشف المعطيات الرسمية عن صورة مختلفة تماما: أعداد محدودة جدا في التقاعد الوظيفي، مقابل عمالة أجنبية مشمولة بالضمان الاجتماعي على أساس الاشتراك والعمل، لا على أساس الجنسية.
وحتى يكون النقاش منضبطا، يجب التفريق بين ثلاثة مسارات رئيسية للمنافع المالية في العراق:
1- التقاعد الوظيفي (موظفو الدولة):
-تديره هيئة التقاعد الوطنية.
-يخصّ العاملين في مؤسسات الدولة ومن في حكمهم.
-يرتبط بالخدمة العامة، وغالبا بالجنسية العراقية أو بفئات محددة تُعامل معاملة العراقي.
2- الضمان الاجتماعي للعمال (القطاع الخاص والمختلط)
-تديره دائرة التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال.
-قائم على مبدأ واضح: اشتراك شهري يقابله استحقاق عند توفّر الشروط.
-الأصل فيه علاقة عمل مشروعة داخل العراق، مع تسديد الاشتراكات من العامل وصاحب العمل، من دون اشتراط صريح للجنسية.
3- برامج الحماية الاجتماعية والرعاية
-مثل شبكة الحماية الاجتماعية.
-موجّهة للفئات الهشّة من المواطنين العراقيين وفق معايير الفقر والدخل.
الخلط بين هذه المسارات الثلاثة هو الذي يجعل أي رقم يُذكر عن "أجانب" يبدو مقلقًا، حتى لو كان في إطار قانوني وطبيعي.
التقاعد الوظيفي للأجانب.. أعداد صغيرة لا "ملايين"
على مستوى التقاعد الوظيفي، كانت هناك خلال السنوات الماضية تصريحات رسمية من هيئة التقاعد الوطنية ومسؤولين حكوميين تؤكّد ما يلي بشكل عام:
-وجود مجموعة صغيرة من المتقاعدين غير العراقيين، أغلبهم من المصريين الذين عملوا في مؤسسات الدولة في ثمانينيات القرن الماضي.
-أعداد هذه الفئة محصورة تقريبًا في حدود نحو 121 شخصًا، برواتب تقاعدية محدودة، استنادا إلى قوانين كانت نافذة وقت تشغيلهم.
-لا توجد قوائم رسمية أو بيانات موثوقة تشير إلى وجود آلاف أو مئات الآلاف، فضلا عن "ملايين"، من غير العراقيين يتقاضون تقاعدا وظيفيا من خزينة الدولة.
بمعنى واضح: التقاعد الوظيفي لغير العراقيين ملف موجود، لكنه ضيّق للغاية من حيث العدد، مرتبط بحالات قديمة ومحددة، وليس بالصورة المتضخّمة المتداولة في وسائل التواصل.
الضمان الاجتماعي للعمالة الأجنبية.. أين يدخل الأجانب فعلا؟
عندما ننتقل إلى الضمان الاجتماعي للعمال تتغير الصورة، لأنه نظام مرتبط بسوق العمل وليس بالتعيين الحكومي:
1- مئات الآلاف من العمال.. وعشرات الآلاف من الأجانب
وفق بيانات وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في السنوات الأخيرة:
-عدد العمال المشمولين بالضمان الاجتماعي يقترب من نحو 700 ألف عامل بين قطاع منظم وغير منظم.
-عدد العمال الأجانب المسجلين رسميا والحاصلين على إجازات عمل يقارب 47 ألف عامل أجنبي.
-هؤلاء الأجانب يخضعون – من حيث المبدأ – لنفس قواعد الاشتراك التي يخضع لها العامل العراقي:
-يدفع صاحب العمل (مع مساهمة العامل) اشتراكات لصندوق الضمان، وعندما تتحقق شروط الاستحقاق (سن، مدة خدمة، عجز، إصابة عمل...) تُصرف المنفعة، سواء كان العامل عراقيا أو غير عراقي.
2-. عمالة مخالفة خارج المنظومة
في المقابل، أعلنت وزارة العمل ودوائر شؤون الإقامة عن ترحيل عشرات الآلاف من العمال الأجانب المخالفين خلال السنوات الأخيرة، ممّن لا يملكون إجازات عمل نظامية. هؤلاء أصلا خارج منظومة الضمان، ولا تُسدد عنهم اشتراكات، وبالتالي لا يحق لهم أي منفعة من صندوق الضمان الاجتماعي. هذا يعني أن جزءا واسعا من ملف العمالة الأجنبية في العراق مرتبط باستغلالها خارج القانون، وليس بمنحها "رواتب" من المال العام.
كيف يتعامل القانون مع العامل الأجنبي؟
1- الاشتراك هو الأساس.. لا الجنسية
منطق الضمان الاجتماعي بسيط:
-من يعمل داخل العراق بصفة قانونية، وتسدد عنه اشتراكات لصندوق الضمان، يصبح مشمولا بالمنظومة.
-المنفعة التي يحصل عليها لاحقا ليست "هبة" من الدولة، بل حق ناشئ عن اشتراكات مالية تراكمت خلال فترة العمل.
هنا لا تُطرح الجنسية أساسا، بقدر ما يُطرح سؤال: هل هذه العلاقة التعاقدية نظامية؟ وهل دُفعت الاشتراكات كاملة أم لا؟
2- الفرق الجوهري بين "تقاعد الموظف" و"ضمان العامل"
من المهم التركيز على هذه النقطة لأنها لبّ سوء الفهم:
التقاعد الوظيفي:
-مرتبط بالعمل في مؤسسات الدولة.
-يمول مباشرة من الموازنة العامة.
-يرتبط بالسيادة والجنسية وبالخدمة العامة.
الضمان الاجتماعي للعمال:
-مرتبط بعقد عمل بين عامل ومشروع (خاص أو مختلط أو عام).
-يمول في الأساس من الاشتراكات، مع مساهمة محدودة من الدولة.
-يقوم على قاعدة "دفعت اشتراكًا، تستحق منفعة" بغض النظر عن الجنسية.
عندما يُخلط بين النظامين، تظهر صورة غير دقيقة توحي بأن أي عامل أجنبي مشمول بالضمان "يأخذ تقاعدا من خزينة العراق"، وهذا غير صحيح من حيث البناء القانوني والمالي.
رأي قانوني
الخبير القانوني أحمد الباوي يلخّص هذه الفكرة بوضوح في تصريحه لـ"بغداد اليوم"، إذ يقول: "إذا كان الأشخاص غير العراقيين (كالمصريين أو السوريين) عمالًا مشمولين بقانون الضمان الاجتماعي، وكان أرباب العمل قد قاموا بتسديد الاشتراكات القانونية عنهم إلى صندوق الضمان الاجتماعي، فإن صرف المنافع أو المستحقات لهم يُعد إجراءً قانونيًا ولا يشكّل مخالفة أو هدرا للمال العام.
إذ إنّ نظام الضمان الاجتماعي يقوم على مبدأ الاشتراك مقابل المنفعة، ولا يشترط الجنسية بقدر ما يشترط العمل المشروع داخل العراق وتسديد الاشتراكات وفق القانون".
ويضيف: "غير أن الخلط بين الضمان الاجتماعي والتقاعد الوظيفي يؤدي إلى استنتاجات خاطئة، لأن التقاعد الوظيفي حق حصري مرتبط بالخدمة العامة والجنسية، بخلاف الضمان الاجتماعي الذي يُبنى على علاقة العمل والاشتراك المالي".
بهذا التفريق، تبدو الصورة أكثر هدوءا: العامل الأجنبي الذي يعمل بصورة نظامية ويدفع اشتراكاته، يحصل على منفعة مستحقة، وليس على "هدية سياسية" أو "راتب مجاني".
أين الخلل الحقيقي في هذا الملف؟
من خلال الأرقام المتاحة وطبيعة النظام، يمكن تلخيص نقاط الخلل أو الاستغلال في الآتي:
-الاستغلال الشعبوي للموضوع: استخدام أرقام غير دقيقة، والحديث عن "ملايين" من الأجانب الذين يتقاضون رواتب من العراق، من دون دليل أو مرجع، يخلق احتقانًا ويضرب الثقة بالمؤسسات، من دون أن يساعد في كشف خلل حقيقي.
-العمالة الأجنبية غير النظامية: جزء كبير من الاستغلال مرتبط بعمال أجانب يعملون من دون إجازة عمل، ومن دون تأمين أو ضمان، بأجور متدنية جدا.
هنا الخاسر هو العامل الأجنبي، والعامل العراقي أيضا الذي ينافسه في سوق غير منظم.
-ضعف الشفافية وتعدد الجهات: تعدد الجهات المعنية (العمل، الداخلية، الإقامة، التقاعد، الرقابة) من دون قاعدة بيانات موحدة ومحدثة، يفتح الباب أمام فجوات معلوماتية، قد تمرّ عبرها حالات محدودة من التجاوز أو الفساد، حتى لو لم تكن الأعداد كبيرة.
-غياب نشر دوري للأرقام التفصيلية: عدم نشر أرقام واضحة عن:
-عدد المتقاعدين غير العراقيين في التقاعد الوظيفي.
-عدد العمال الأجانب المشمولين بالضمان الاجتماعي حسب الجنسية.
-يجعل أي رقم يُتداول مقبولاً في ذهن الناس، لأن الدولة لا تقدّم بديلا موثوقا له.
بالنظر إلى الصورة الكاملة، يمكن القول باختصار:
-التقاعد الوظيفي للأجانب موجود، لكن بأعداد قليلة جدا، وحالات قديمة محددة، ولا توجد مؤشرات رسمية على أعداد ضخمة أو واسعة.
-الضمان الاجتماعي للعمال يشمل عمالا أجانب إلى جانب العراقيين، على أساس الاشتراك والعمل القانوني، لا على أساس الجنسية، وهذا جزء طبيعي من أي سوق عمل منفتح.
-مساحة الخطر الحقيقية تكمن في العمالة غير النظامية، وفي ضعف الشفافية وتعدد المرجعيات، أكثر مما تكمن في "جيوش من الأجانب" على قوائم الرواتب.
السؤال الأهم ليس: "هل يوجد غير عراقي يأخذ منفعة من صندوق الضمان؟"، بل: هل تُدار هذه المنظومة بقواعد واضحة وبيانات معلنة، تمنع الفساد والتجاوز، وتطمئن المواطن إلى أنّ أمواله تذهب لمستحقّيها، عراقيين كانوا أم غير عراقيين، ضمن قانون واضح وحدود محددة؟
المصدر: بغداد اليوم+ وكالات
بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات