بغداد اليوم – بغداد
بينما تمضي الأسابيع على تعطل استحقاقات اختيار رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء وانتخاب هيئات البرلمان، تبدو المدد الدستورية في العراق وكأنها "اقتراح زمني" لا أكثر، يمكن تجاوزها بالعطل الرسمية أو التوافقات السياسية المتعثرة، من دون إحساس فعلي بعقدة أنّ البلاد تُدار بحكومة تصريف أعمال محدودة الصلاحيات، واقتصاد ومؤسسات تنتظر توقيعا كامل الشرعية.
هذا التعايش البارد مع الفراغ جعل سؤال "قيمة الوقت الدستوري" يعود بقوة: هل يكفي إعلان العطلة الرسمية لتبرير تأجيل الجلسات والاستحقاقات، أم أنّ النصوص النافذة تجعل الأيام تمضي من عمر المدد مهما تغيّر لون التقويم السياسي؟
ماذا يقول الدستور والزمن القضائي؟
وثيقة صادرة عن مجلس القضاء الأعلى رسمت خارطة زمنية دقيقة لتشكيل السلطات الثلاث: انعقاد مجلس النواب خلال 15 يوما من المصادقة على النتائج، وانتخاب رئيس البرلمان ونائبيه، ثم انتخاب رئيس الجمهورية خلال 30 يوما من الجلسة الأولى، على أن يكلَّف مرشح الكتلة الأكثر عددا بتشكيل الحكومة خلال 15 يوما، ويُمنَح 30 يوما لإكمال كابينته.
هذه الجداول الزمنية تستند إلى مواد واضحة في الدستور، من بينها المادة 54 الخاصة بموعد الانعقاد، والمادتان 70 و72 بشأن انتخاب رئيس الجمهورية، والمادة 76 بشأن تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددا وتشكيل الحكومة.
ورغم وضوح النصوص، أظهرت التجارب المتكررة منذ عام 2010 أنّ المدد تحولت في الممارسة إلى "آجال مرنة" تُمدَّد سياسيا، أو تُترَك معلقة بحجة الخلافات والتوافقات، في حين تستمر الحكومات السابقة في تصريف الأعمال، وتستمر معها القرارات الحساسة والمفاوضات الاقتصادية والأمنية التي تتجاوز في الواقع حدود "اليومي" المفترض لحكومة منتهية الولاية.
رأي قانوني: العطل لا تمحو المدد ولا تسقطها
الخبير القانوني المستشار سالم حواس يضع علامة حمراء تحت واحدة من أكثر الذرائع تكرارا في الخطاب السياسي، وهي الاحتجاج بالعطل الرسمية لتبرير تمديد غير معلن للمدد الدستورية.
يقول حواس إنّ المدد الدستورية المحددة لا يجوز اقتطاعها أو الانتقاص منها بذريعة العطل الرسمية أو التمدد للأيام اللاحقة، موضحا أنّ هذا الفهم يخالف القواعد القانونية المستقرة. ويبيّن أنّ المادة 21 من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم 1 لسنة 2022 أحالت صراحة إلى تطبيق أحكام قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 المعدل وقانون الإثبات فيما لم يرد فيه نص خاص، بما يمنع أي تفسير يخالف النصوص العامة المنظمة لحساب المدد.
ويشرح أنّ المادة 24 من قانون المرافعات المدنية نصت على أنّه إذا صادف يوم المرافعة عطلة رسمية فيُعدّ يوم العمل الذي يلي العطلة هو تاريخ المرافعة، مؤكدا أنّ هذا الحكم إجرائي بحت ولا يعني إسقاط أيام العطل من أصل المدة، بل مجرد ترحيل ليوم الجلسة مع بقاء العداد الزمني مستمرا.
كما يشير إلى أنّ المادة 25 فرقت بوضوح بين انتهاء المدة وامتدادها، حيث قررت أنّ العطلة لا تسقط المدة وإنما تمدد فقط إلى أول يوم عمل لاحق إذا صادف يوم انتهائها عطلة رسمية، من دون المساس بالمدة الكلية المقررة قانونا. ومن هنا يؤكد حواس أنه لا يوجد أي نص في قانون المرافعات المدنية يعتمد ما يسمى "العطل الوسطية" لاحتسابها خارج مدة الطعن أو الاستحقاق، وأنّ العطل لا تُعد أياما ساقطة من المدد الدستورية الممنوحة لاختيار رئيس مجلس النواب أو رئيس الجمهورية أو تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددا.
وبحسب قراءته، فإنّ أي تفسير بخلاف ذلك يُعدّ خروجا على النصوص القانونية الصريحة ومساسا بمبدأ استقرار المدد الدستورية، ويحوِّل "زمن الدستور" إلى مساحة تفاوض سياسي مفتوحة بلا سقف.
حين يتحول خرق المدد إلى "عرف سياسي"
رغم تحذيرات الفقه الدستوري، تكررت حالة تجاوز المدد في أكثر من دورة: تأخر انتخاب رئيس الجمهورية لأشهر، وتعطل تكليف رئيس الوزراء، وامتداد بقاء حكومات تصريف الأعمال بلا غطاء سياسي كامل، في ظل أزمات اقتصادية وأمنية تحتاج قرارات حاسمة لا قرارات "يومية".
وفي كل مرة تكاد الحجج تتشابه: حاجة القوى إلى مزيد من الوقت للتفاهم، أو انتظار تسويات إقليمية، أو تعليق الاستحقاق على جلسة يكتمل نصابها بعد العطلة. وهنا تترسخ معادلة خطيرة: المدد الدستورية "مرجعية شكلية" لا تملك ما يكفي من أدوات الردع، مقابل توافقات سياسية تمتلك القدرة على التعطيل المفتوح.
هذا الخلل لا يبقى في فضاء القانون؛ بل ينعكس مباشرة على بنية الدولة: برلمان معطَّل، ورئاسة جمهورية تنتظر الحسم، وحكومة تصريف أعمال تواصل التوقيع والتفاوض من موقعها الانتقالي، ومجتمع يشاهد أنّ "انتهاء المدة" لا يعني بالضرورة "بدء مرحلة جديدة"، بل قد يعني استمرار الفراغ ذاته تحت مسمى آخر.
حكومة تصريف أعمال.. دولة بنصف أقدام في لحظة حرجة
في ظل هذا التعطيل، تصبح البلاد محكومة بحكومة تصريف أعمال لا تمتلك كامل الصلاحيات التشريعية والتنفيذية، لكنها تجد نفسها يوميا أمام ملفات كبرى: موازنة، وعقود نفط وغاز، والتزامات ديون، وإجراءات مرتبطة بالعقوبات والضغوط الخارجية.
هنا يبرز التناقض: الدستور افترض أنّ مرحلة تصريف الأعمال قصيرة ومحدودة، وترتبط بفترة انتقالية تنتهي ضمن المدد المضروبة لتشكيل السلطات، لكن الواقع السياسي حوّلها إلى حالة "إقامة طويلة" في قلب السلطة، بلا رقابة برلمانية فعالة، وبصلاحيات ضبابية تختلف قراءتها بين طرف وآخر.
النتيجة أنّ المواطن يدفع كلفة هذا التمديد زمنا ومعيشة: مشاريع تتوقف أو تُرحَّل، وقرارات صعبة تُؤجَّل بحجة الانتظار، واستحقاقات سيادية من اختيار رئيس الجمهورية حتى حسم شكل الحكومة المقبلة تُدار بمنطق "سنتفاهم في ما بعد"، بينما النص الدستوري يمضي إلى الأمام ويسجل خرقا جديدا في رصيده.
المدد ليست رأيا سياسيا
ما بين نصوص الدستور الواضحة، وإحالة النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية إلى قانون المرافعات في حساب المدد، وبين الممارسة السياسية التي تتعامل مع الزمن كعنصر قابل للتفاوض، تتشكل فجوة خطيرة في مفهوم الشرعية. الزمن الدستوري ليس "ديكورا" بل ضمانة لدورة السلطة وتجددها، وكل خرق متكرر له يراكم عرفا مضادا يضعف النص ويربك الدولة.
تحذير الخبراء القانونيين من إسقاط العطل الرسمية من عمر المدد ليس نقاشا تقنيا ضيقا، بل محاولة لإعادة الاعتبار إلى فكرة أنّ الاستحقاقات السيادية من رئاسة البرلمان إلى رئاسة الجمهورية وتكليف الحكومة يجب أن تُحسَم ضمن آجال ملزمة لا تُختزَل بالعطلة ولا تُرحَّل إلى مزاج التوافق.
في النهاية، يبقى سؤال الشارع مفتوحا: ما قيمة دستور لا يُحاسَب أحد على خرق مواعيده، ولا يشعر السياسيون بثقل بقاء بلد كامل تحت إدارة حكومة مؤقتة، بينما الزمن يمضي من زمن المواطنين لا من زمن الطبقة السياسية؟
تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات