اقتصاد / ملفات خاصة 3-02-2026, 13:08 | --
+A -A

تجار الأزمات


القصة الكاملة لنهب المدخرات.. الذهب والدولار: مَن يدير "ريموت كنترول" القلق في بغداد؟

بغداد اليوم – بغداد

رغم الحديث عن "انخفاض كبير" في أسعار الذهب، ورغم تراجع سعر صرف الدولار في السوق الموازي من حدود 155,000 إلى نحو 149,000 دينار لكل 100 دولار، فإنّ الواقع بالنسبة للمواطن ما زال مختلفًا تمامًا؛ فالذهب الذي لامس قبل أيام حاجز مليون و100 ألف دينار للمثقال عيار 21، لم ينخفض إلّا إلى حدود 925,000 دينار، وهو مستوى ما يزال مرتفعًا جدًا قياسًا بقدرة أغلب العوائل، فيما يبقى فارق الدولار عن السعر الرسمي بحدود 17,000 دينار، ليبدو "الانخفاض" في النهاية أقرب إلى حركة مضاربين منه إلى تحسّن حقيقي في معيشة الناس.

ماذا يقول الخبراء عن "هبوط" الذهب محليًا؟

الخبير الاقتصادي ضرغام محمد يضع ما يجري في خانة "تصحيح بعد موجة مضاربات"، موضحًا في حديثه لـ"بغداد اليوم" أنّ الارتفاعات السابقة في أسعار الذهب لم تكن منسجمة مع المعطيات الطبيعية للسوق، بل جاءت نتيجة مضاربات حادة وعمليات سحب استثنائية للمعدن الأصفر من قبل عدد من البنوك المركزية، خصوصًا في الصين والهند ودول أخرى.

وبحسب محمد، يمكن تلخيص المشهد على النحو الآتي:

-كبار المستثمرين والمؤسسات اشتروا الذهب في ذروة الموجة الصاعدة، مستفيدين من شهية البنوك المركزية العالمية للشراء، ثم شرعوا في بيعه عند مستويات مرتفعة لتحقيق أرباح سريعة ضمن ما يعرف بمرحلة "جني الأرباح".

-صغار المستثمرين الذين دخلوا السوق بدافع المضاربة اليومية والبحث عن أرباح سريعة، علقوا في قمة الأسعار؛ دفعوا مبالغ مبالغًا بها، وهم الآن الفئة الأكثر تضررًا من الهبوط المتسارع.

-كبار اللاعبين يديرون عملياتهم وفق قراءة أدق لحركة السوق، بينما وقع صغار المضاربين في فخ الارتفاعات غير المستقرة.

ويؤكد محمد أنّ الانخفاض الحالي كان متوقعًا، وأنّ "أي ارتفاع سريع وغير مبرر لا بد أن يعقبه انخفاض سريع"، مبينًا أنّ مستقبل أسعار الذهب في الأيام المقبلة سيتوقف على طبيعة التداولات وحجم المضاربات والجهات التي تدخل السوق.

الخلفية العالمية.. طلب قياسي ثم تصحيح مؤلم

الانخفاض المتسارع في أسعار الذهب محليًا ليس منفصلًا عن سياق عالمي أوسع شهد خلال الأعوام الأخيرة طلبًا قياسيًا على الذهب، خصوصًا من البنوك المركزية التي رفعت احتياطاتها من المعدن الأصفر إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل التوترات الجيوسياسية وعدم اليقين بشأن أسعار الفائدة العالمية.

هذا الطلب الكبير رفع الأسعار إلى قمم تاريخية، قبل أن تبدأ مرحلة معاكسة من التصحيح الحاد، مع لجوء المؤسسات المالية الكبرى وصناديق الاستثمار إلى بيع جزء من حيازاتها لجني الأرباح، بالتوازي مع تشديد شروط التداول ورفع متطلبات الهامش في أسواق العقود الآجلة.

النتيجة كانت مزيجًا من:

-ارتفاع طويل الأمد مدفوع بعوامل استراتيجية (مخاطر جيوسياسية، تضخم، بحث البنوك المركزية عن أصول آمنة).

-هبوط قصير الأمد وحاد مدفوع بعوامل مضاربية (بيع مكثف، تصفية مراكز، تصحيح للأسعار المبالغ بها).

هذا المزيج هو ما ينعكس اليوم في صالات بيع الذهب في العراق، حيث يتلقف السوق المحلي صدمات الأسعار العالمية بسرعة، لكن من دون أن ينعكس التصحيح على المواطن بنفس الوتيرة عندما ترتفع الأسعار.

الذهب في العراق.. انخفاض في اللوحة لا في ذاكرة الأسعار

محليًا، يظهر الانخفاض في لوحات محال الصياغة، لكن الصورة الكاملة أكثر تعقيدًا؛ فمثقال الذهب عيار 21 – وهو الأكثر تداولًا بين العوائل – ما زال يدور في حدود 951,000 دينار تقريبًا بعد أن اقترب سابقًا من حاجز المليون دينار للمثقال في ذروة الارتفاع.

هذا يعني أنّ:

-الأسعار تراجعت عن القمم الأخيرة، لكنّها ما زالت أعلى بكثير من المتوسطات التي اعتاد عليها السوق في السنوات الماضية.

-الذهب ما يزال خارج متناول شرائح واسعة من العوائل التي تفكر بالادخار أو الاستعداد لمتطلبات الزواج، رغم الحديث الإعلامي عن "هبوط كبير".

بعبارة أخرى، المواطن يرى أرقامًا أقل من الأيام الماضية، لكنّه لا يشعر فعلًا بعودة الذهب إلى "المستوى الطبيعي" الذي يمكن التعامل معه بسهولة.

الذهب والدولار.. وجهان لمضاربات واحدة

سلوك سوق الذهب في العراق يتقاطع بوضوح مع سلوك سوق الدولار. قبل أيام، قفز سعر صرف الدولار في السوق الموازي إلى حدود 155,000 دينار لكل 100 دولار، قبل أن يتراجع إلى حدود 149,000، ليُسوَّق ذلك على أنّه "انخفاض" في سعر الصرف، رغم بقاء الفارق عن السعر الرسمي بحدود 17,000 دينار لكل 100 دولار.

هذا التذبذب يعكس ثلاثة عناصر مشتركة بين السوقين:

-حلقة مضاربة نشطة

-هناك فئة من المتعاملين تتحرك بسرعة بين الذهب والدولار، مستفيدة من الأخبار العاجلة والشائعات وموجات القلق الشعبي، بحيث تتحول أي إشارة عالمية إلى قفزة محلية حادة في الأسعار.

-ضعف الثقة بالاستقرار

-غياب شعور راسخ بالاستقرار المالي والنقدي يدفع جزءًا من الجمهور إلى البحث عن ملاذات سريعة؛ مرة في الدولار، ومرة في الذهب، ما يضخّم أثر أي موجة صعود أو هبوط.

-استمرار الفجوة بين الرسمي والموازي

حتى عندما تتراجع الأسعار قليلًا في السوق الموازي، يبقى الفارق الكبير عن السعر الرسمي قائمًا، وهو فارق يلتهم أي شعور بتحسن ملموس لدى المواطن، لأنّ أسعار السلع والخدمات لا تعود إلى الوراء بنفس السرعة.
بهذا المعنى، يمكن وصف ما يجري في الذهب والدولار معًا بأنّه "جني أرباح ومضاربات مكشوفة" أكثر من كونه تحسنًا مستدامًا في القدرة الشرائية.

ماذا يعني كل ذلك للمواطن والمستثمر الصغير؟

من زاوية عملية، يخرج المشهد بعدة خلاصات أساسية:

-الذهب ليس ساحة للمضاربات اليومية

-الدخول والخروج السريع في سوق الذهب اعتمادًا على "الترند" وأحاديث منصات التواصل الاجتماعي، يضع صغار المستثمرين في مواجهة مباشرة مع كبار اللاعبين الذين يملكون القدرة على تحمّل الخسارة المؤقتة وانتظار الفرص، بينما يضطر صاحب المدخرات الصغيرة للبيع في أسوأ توقيت.

-الانخفاض الحالي تصحيح لا انهيار

ما يحدث أقرب إلى تصحيح بعد ارتفاعات مبالغ بها، وليس انهيارًا في مكانة الذهب كأصل استراتيجي. الطلب عليه من البنوك المركزية والمؤسسات الكبرى ما زال قائمًا، لكن حركة المضاربين تضيف طبقة من الضوضاء والتذبذب فوق هذا الأساس.

فجوة الصرف تبتلع الفائدة

حتى لو تراجع الذهب قليلًا، وانخفض الدولار بضعة آلاف دينار في السوق الموازي، فإن استمرار الفارق الواسع عن السعر الرسمي مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات، يجعل أثر هذه الانخفاضات محدودًا على حياة الناس اليومية.

في المحصلة، الانخفاض المتسارع لأسعار الذهب في العراق هو جزء من تصحيح عالمي بعد موجة مضاربات وعمليات جني أرباح، لكنه يجري في بيئة محلية مثقلة أصلًا بأزمة ثقة في سوق الصرف وفجوة بين السعر الرسمي والموازي. وبينما يتجادل المضاربون حول "القمة" و"القاع"، يبقى السؤال الأهم بالنسبة للمواطن: متى تتحول هذه الحركات من لعبة أرقام على الشاشات إلى استقرار حقيقي في الأسعار والدخل والقدرة الشرائية؟

تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14