سياسة / ملفات خاصة 27-01-2026, 11:05 | --
+A -A

معطيات أم تمنيات؟


لماذا تروج المعارضة لـ"مرحلة انتقالية" في العراق؟ وهل يملك سافايا صلاحيات "البيان رقم واحد"؟

بغداد اليوم – بغداد

منذ أن برز اسم مارك سافايا بوصفه ممثلًا خاصًا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العراق، انقسم المشهد السياسي والإعلامي في بغداد بين سرديتين متباينتين تمامًا.

الأولى، تتبنّاها أوساط معارضة لواشنطن وقريبة من الفصائل، ترى أنّ الرجل يُحضَّر في واشنطن لقيادة مرحلة انتقالية بعد حرب محتملة مع إيران تمتدّ إلى الداخل العراقي، وأنّ مهمته الحقيقية هي إعادة هندسة السلطة والمال في بغداد، ليصبح "بريمر جديدًا" لكن بأدوات ناعمة.

والثانية، يعبّر عنها سياسيون مثل النائب السابق فوزي أكرم، تؤكّد أنّ العراق اليوم ليس ساحة مفتوحة لحاكم مدني أجنبي، وأنّ زمن البيان رقم واحد انتهى، وأنّ أي مبعوث أمريكي يبقى في حدود ممثل لدولة لها مصالحها، في ظل نظام ديمقراطي قائم على "الثورة البنفسجية" وصناديق الاقتراع.

بين هذه وتلك، تتشكّل قراءة معقّدة لدور سافايا، تتداخل فيها ملفات الصراع مع إيران، وتصعيد الفصائل، والمخاوف من العقوبات، والتساؤلات حول مستقبل العملية السياسية في بغداد.


سردية المعارضة: "بريمر مالي – سياسي" لمرحلة ما بعد الحرب مع إيران

في رواية معارضي واشنطن، لا يُنظر إلى سافايا كمبعوث عادي، بل كجزء من مشروع أكبر بدأ يُخاطَب العراقيون بخلفيته عبر تسريبات وتقارير وتحركات ميدانية.
هذه السردية تقوم على مجموعة عناصر مترابطة:

أوّلًا، الحديث المتزايد في أوساط أمريكية وإسرائيلية عن أنّ العراق تحوّل إلى "الشريان المالي الأهم" لإيران، عبر عائدات الغاز والكهرباء والتجارة والتحويلات والواجهات الاقتصادية، وأنّ جزءًا من هذه الموارد يُستخدم، بحسب تلك الرؤية، في تمويل نشاطات عسكرية يمكن أن تستهدف المصالح الأمريكية حتى خارج الشرق الأوسط.

ثانيًا، ربط هذه الصورة بالتقارير التي تتحدّث عن حرب محتملة بين واشنطن وطهران، لا تقتصر على ضرب منشآت نووية داخل إيران، بل تمتدّ إلى تحجيم الأذرع الإقليمية، وفي مقدمتها الفصائل العراقية التي تنظر إليها التقارير الغربية كجزء من شبكة عابرة للحدود.

ثالثًا، افتراض أن العراق لن يُترَك خارج معادلة العقاب؛ بل سيكون جزءًا من ساحة الضغط المالي والسياسي والأمني معًا، عبر عقوبات على مصارف وشركات، وضغوط على القوى السياسية لمنع الفصائل من الدخول إلى الحكومة المقبلة، وربط أي دعم أمريكي بشكل الحكومة وتركيبتها.

من هذه الزاوية، يظهر سافايا – في عين المعارضة – مديرًا لمرحلة انتقالية "ناعمة": لا يحتاج إلى دبابات ولا إلى حلّ الجيش، بل إلى أدوات ثلاث: الفيتو السياسي، الخنق المالي، والغطاء الدولي تحت عنوان مكافحة الإرهاب وتجفيف مصادره. وهذا ما يجعل وصف "بريمر الجديد" أكثر من مجرّد شعار إعلامي داخل هذا المعسكر.


تصعيد الفصائل وتجميد مسار "السلاح مقابل الدولة"

تزامن حضور اسم سافايا في بغداد مع تحوّل واضح في سلوك وطريقة خطاب كثير من الفصائل العراقية. فبعد أشهر من الحديث عن "حوار منظم لنزع السلاح" و"حصر السلاح بيد الدولة" و"تنظيم العلاقة بين الفصائل ومؤسسات الحكم"، شهدت المرحلة الأخيرة:

-تجميدًا فعليًا لمسار تسليم السلاح أو التفاوض الجدي حوله، بانتظار ما ستؤول إليه التطورات الإقليمية، وخصوصًا الملف الإيراني – الأمريكي.

-تصعيدًا لافتًا في بيانات فصائل بارزة، من بينها كتائب حزب الله، ومواقف من قيادات في بدر، وخطاب مرتفع السقف من شخصيات مثل أبو جعفر الحسيني، يتحدث عن "النفير الشامل" إذا تعرّضت إيران لضربة، وعن احتمال شنّ "عمليات استشهادية" ضد الوجود الأمريكي، بل والحديث عن إخراج الولايات المتحدة من المنطقة بأسرها وليس من العراق فقط.

في منظور رواية المعارضة، هذا التصعيد ليس منفصلًا عن تحركات سافايا ورسائله؛ بل هو ردّ مباشر على ما يُنقل عن المبعوث الأمريكي من رفض واضح لمشاركة قيادات مرتبطة بالفصائل في الحكومة المقبلة، وعلى تلويح بفيتو أمريكي على بعض المناصب الحساسة، وفي مقدمتها رئاسة الوزراء والمواقع التنفيذية العليا.

بهذا المعنى، يبدو أن دخول الفصائل إلى البرلمان لم يُلغِ منطق "المواجهة مع واشنطن"، بل أضاف إليه غطاءً سياسيًا؛ إذ تجد القوى ذاتها نفسها تتفاوض على الوزارات واللجان في النهار، وترفع خطاب التحدي ضد الوجود الأمريكي في الليل، في معادلة متوترة تجعل أي نقاش حول نزع السلاح مؤجّلًا حتى تتضح صورة الحرب أو التسوية مع إيران.


سردية "الثورة البنفسجية": حدٌّ لما يمكن أن يفعله أي مبعوث

في مقابل هذه القراءة القلقة، تأتي سردية أخرى من داخل الوسط السياسي العراقي تحاول إعادة الأمور إلى حجمها الطبيعي، والتأكيد على أن بنية النظام الحالي تضع سقفًا لأي دور يمكن أن يلعبه مبعوث أجنبي، مهما كان تأثيره.

النائب السابق فوزي أكرم يلخّص هذا الموقف في حديثه لـ"بغداد اليوم"، حين يشدّد على أنّ ممثل الرئيس الأمريكي الجديد "لن يكون بريمر في العراق"، وأنّ زمن البيان رقم واحد واقتحام القصور انتهى.

يذكّر أكرم بأنّ العراق اليوم "بلد ذو سيادة ومستقل، يمتلك عملية سياسية واضحة المعالم تقوم على التداول السلمي للسلطة من خلال ما يسميه الثورة البنفسجية"، أي عبر صناديق الاقتراع التي تُجرى تحت إشراف ومراقبة أممية ودولية، وبشفافية عالية نسبيًا، وهي التي تحدد شكل الحكومات كل أربع سنوات، لا قرارات حاكم مدني معيَّن من الخارج.

كما يشير إلى أن البلاد تمتلك "قضاءً عادلًا، وقوى سياسية فاعلة، وحرية تعبير مكفولة"، ويرى أن الحديث عن إمكان تحوّل سافايا إلى "بريمر جديد" أمر غير وارد في ظل هذه المعادلة، لأنّ العراق ليس بلدًا محتلًا بل دولة مستقلة، وعودة مناخ البيان رقم واحد "مستحيلة" في ظل النظام الديمقراطي الحالي، مهما كانت شوائبه.

وفي هذه السردية، يُوضَع سافايا في إطار أكثر ضيقًا: هو "ممثل لدولة لديها أجنداتها ومصالحها"، والحكومة العراقية هي من تحدد مسار وآلية التعامل معه. نعم، للولايات المتحدة تأثير وضغوط، لكنّ أكرم يشدّد على أنّه "لا يمكن القبول بأي تدخل يمسّ السيادة والاستقلال بشكل مباشر"، وأنّ الشعب العراقي ما زال متمسكًا بأن تكون صناديق الاقتراع هي البوصلة الوحيدة لتحديد مسار الحكم، لا الاجتماعات المغلقة في السفارات أو المكاتب الأجنبية.


بين السرديتين: سيناريو الحرب ومساحة المناورة العراقية

يبقى السؤال الأثقل: أيّ السرديتين ستكون أقرب إلى الواقع إذا اندلع سيناريو الحرب الكبرى فعلًا بين واشنطن وطهران؟

إذا صحّت رواية المعارضة، فإنّ العراق سيكون أمام مرحلة ضغط متعدد الجبهات: عقوبات مالية على مصارف وشركات وشبكات يشتبه بارتباطها بطهران، فيتوات على مشاركة الفصائل في الحكم، ومحاولة إنتاج حكومة "مطواعة" تُسَوَّق داخليًا كخيار إنقاذ من العقوبات والانهيار، وخارجيًا كـ"شريك جديد" في استراتيجية مواجهة إيران. في هذا السيناريو، يبدو سافايا أقرب إلى مدير ملف شامل، يوازن بين العصى المالية والجزرة السياسية.

أمّا إذا ثبتت رواية فوزي أكرم ومن يلتقي معه، فإنّ العراق، رغم هشاشته، يمتلك اليوم أدوات تمنع انزلاقه إلى نموذج "الحاكم المدني"؛ من دستور قائم، إلى قضاء ومؤسسات وانتخابات، وصولًا إلى ذاكرة مريرة مع تجربة 2003 تجعل أي محاولة لإعادة إنتاج وصاية أجنبية، حتى بصيغة مبعوث خاص، تواجه رفضًا واسعًا من الشارع وقوى أساسية في المنظومة نفسها.

في كل الأحوال، الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها هي أنّ اسم مارك سافايا تحوّل، قبل أن يستقرّ كرسيه في مكتبه، إلى رمز لصراع سرديات في العراق: بين من يرى فيه "بريمر جديدًا" لمرحلة انتقالية تُدار بأدوات العقوبات والفيتوات، ومن يراه مبعوثًا عاديًا لا يستطيع، مهما علا منسوب التهديدات، أن يتجاوز سقف نظام يقوم – نظريًا على الأقل – على "الثورة البنفسجية" لا على بيانات تُقرأ من وراء الدبابات.

وحتى تتضح صورة الحرب أو التسوية مع إيران، سيبقى سافايا في قلب هذا الجدل؛ وجهًا يُحمَّل أكثر مما يحتمل، في بلدٍ تعلّم، بثمن باهظ، أن أي فراغ في تعريف "من يحكم؟ وكيف؟ وبأي أدوات؟" سرعان ما يملؤه القادمون من وراء الحدود، سواء حملوا لقب "حاكم مدني" أو مجرد صفة "مبعوث خاص".

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

الموارد المائية تعلن إيقاف الإمدادات المائية 10 ساعات كإجراء احترازي

بغداد اليوم - بغداد أعلنت وزارة الموارد المائية، اليوم الجمعة ( 3 نيسان 2026 )، إيقاف الامدادات المائية 10 ساعات كإجراء احترازي بعد السيطرة على البقعة النفطية في نهر دجلة. وقالت الوزارة في بيان تلقته "بغداد اليوم"، إن " ملاكاتها تمكنت

اليوم, 15:48