أمن / ملفات خاصة 20-01-2026, 12:30 | --
+A -A

باسم التأديب


أمهات يقتلن أطفالهن وآباء يغتصبون براءة بناتهم.. جردة حساب مرعبة لضحايا العنف الأُسري في العراق

بغداد اليوم – بغداد

في صباح شتوي بارد، وصلت سيارة إسعاف إلى أحد مستشفيات بغداد تحمل طفلا لا يتجاوز عمره 7 أعوام. قالت الأم، وهي تحاول ترتيب حجابها المرتبك، إن طفلها "اختنق بالخطأ" أثناء اللعب، وإنها حاولت إسعافه ولم تستطع. لكن جسد الطفل كان يقول شيئا آخر: كدمات متراكمة، علامات ضرب قديم وجديد، وملامح وجه صغير اعتاد الخوف أكثر مما اعتاد الضحك. بعد ساعات، تحولت القصة إلى خبر قصير: "وفاة طفل على يد والدته نتيجة عنف أسري". انتهى الخبر، لكن ما لم ينتهِ هو السؤال الأهم: ماذا يحدث داخل البيوت حتى تصل أم إلى لحظة تفقد فيها السيطرة وتحوّل طفلها إلى ضحية؟

في مدينة أخرى، وعلى بعد مئات الكيلومترات من بغداد، كانت فتاة في السابعة عشرة من عمرها تدخل إلى نادٍ ليلي للمرة الأولى، ليس كزبونة، بل كعاملة. تركت بيت أهلها قبل اشهر، بعدما تحوّل المنزل إلى مساحة ضيقة من الإهانات والضرب والتهديد بالقتل، لأنّها رفضت زواجا قسريا من رجل يكبرها بثلاثين عاما. "الشارع قاسٍ، والليل قاسٍ أكثر"، تقول لإحدى زميلاتها، "لكن على الأقل لا أحد يضربني هنا كل ليلة". بين الطفل الذي مات في المستشفى، والفتاة التي اختارت الهروب إلى فضاء أكثر قسوة، خيط واحد يجمع القصتين: بيت فقد وظيفته الأولى كمساحة أمان، وتحول إلى مصدر خوف دائم.

بين الطفل الذي انتهت حياته في المستشفى، والفتاة التي اختارت الهرب إلى شارع أكثر قسوة، خيط واحد يجمع القصتين: عنف أُسري يتصاعد بصمت، وغياب مظلّة قانونية ومؤسسية قادرة على التدخل قبل الوصول إلى هذه النهايات المأساوية.

مركز حقوقي: مستويات "قياسية ومقلقة" من العنف داخل البيوت

هذا الواقع لم يعد مجرد انطباعات فردية. رئيس مركز العراق لحقوق الإنسان، علي العبادي، يؤكد في حديث لـ"بغداد اليوم" أن "قراءة موضوعية لواقع العنف الأُسري في العراق، ولا سيما خلال السنوات الخمس الأخيرة، تُظهر تصاعدًا خطيرًا ومثيرًا للقلق في معدلاته، وبأرقام تطرح الكثير من علامات الاستفهام".

ويضيف أن "الأيام القليلة الماضية وحدها شهدت تسجيل حالات مروعة لإزهاق أرواح أطفال على يد أمهاتهم، كما حصل في بغداد والديوانية ومحافظات أخرى، ما يؤكد أننا أمام وضع بالغ الخطورة يتطلب التوقف عنده ومعالجته بشكل جاد".

العبادي يشير أيضًا إلى أن "مركز العراق لحقوق الإنسان ومنذ سنوات يضغط باتجاه تشريع وإقرار قانون العنف الأُسري، إلا أن بعض القوى السياسية ذات الطابع الإسلامي ما تزال ترفض المضي بهذا القانون بحجة تعارضه مع الثوابت الإسلامية، في حين أن العراق ملتزم باتفاقيات دولية معنية بحماية حقوق الطفل، ولا يمكن الاستمرار بهذا السجال في ظل تصاعد العنف"، مبينًا أن "تشريع قانون العنف الأُسري سيمنح مساحة قانونية واضحة لحماية الطفولة وبقية أفراد الأسرة، وسيضع حلولًا عملية لعدة إشكالات، بما يسهم في تقليل نسب العنف عبر سياقات قانونية محددة المعالم".

ويختم بأن "الدورة النيابية السادسة ينبغي أن تكون دورة جادة في حسم القوانين التي تمسّ المجتمع العراقي بشكل مباشر، وفي مقدمتها القوانين المتعلقة بحماية الأسرة والطفولة".

أرقام محلية تكشف حجم المشكلة خلف الجدران

خلف هذه القصص والتصريحات، توجد أرقام رسمية وأممية ترسم صورة أكثر وضوحًا لمدى انتشار العنف داخل البيوت العراقية:

-تقرير مشترك لبعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان يشير إلى أن المحاكم التحقيقية في العراق تلقت خلال عامي 2021 و2022 ما مجموعه 27,042 شكوى تتعلق بالعنف الأُسري، بواقع 12,738 شكوى في عام 2021 و14,304 شكوى في عام 2022.

-تقرير حقوقي دولي آخر يقدّر أن حالات العنف الأُسري المسجلة رسميًا في عموم العراق تجاوزت 33,000 حالة في عام 2022، مع التأكيد على أن الأرقام الحقيقية أعلى بكثير بسبب عدم الإبلاغ والخوف من الوصمة والضغوط العائلية والعشائرية.

-إحصاءات لوزارة الداخلية أفادت بتسجيل أكثر من 10,000 حالة عنف أُسري وابتزاز إلكتروني خلال عام 2023، وفقًا لمديرية العلاقات والإعلام في الوزارة.
وفي 2024، نقلت وسائل إعلام عن إحصاءات رسمية تسجيل نحو 14,000 حالة عنف أُسري، 73% من ضحاياها نساء و27% رجال، ما يعكس اتساع دائرة المتضررين وخصوصًا في الفئات الأكثر هشاشة.

-إلى جانب ذلك، تشير بيانات استندت إلى صندوق الأمم المتحدة للسكان ودراسات لوزارة التخطيط إلى أن ما بين 29% و50% من النساء العراقيات تعرضن لأحد أشكال العنف داخل الأسرة في مرحلة ما من حياتهن، مع تفاوت في النسب بين المناطق الحضرية والريفية، وبين إقليم كوردستان وبقية المحافظات.

هذه الأرقام لا تمثل "حالات فردية" كما يُقال عادة، بل تعكس نمطًا متكررًا: بيت يتحول تدريجيًا من فضاء للرعاية إلى مكان يمكن أن تُستخدم فيه الضرب والإهانة والعزل والحرمان بوصفها "أدوات تربية" أو "حق تأديب".

العراق جزء من خارطة عالمية للعنف ضد المرأة والطفل

على المستوى العالمي، لا تبدو الصورة أفضل بكثير. بيانات حديثة لمنظمة الصحة العالمية تقدّر أن ما يقرب من 840 مليون امرأة حول العالم، أي ما يقترب من امرأة واحدة من كل ثلاث نساء، تعرضن خلال حياتهن لعنف جسدي أو جنسي من شريك حميم أو لعنف جنسي من غير الشريك. وفي غضون 12 شهرًا فقط، تعرضت حوالي 316 مليون امرأة، أي 11% من النساء فوق 15 عامًا، لعنف من شريك حميم.

في ما يخص الأطفال، تشير مراجعات بحثية عالمية إلى أن التعرض للعنف الجسدي داخل الأسرة – سواء كضحايا مباشرين أو كشهود – يعد أحد أكثر أشكال العنف شيوعًا، ويرتبط لاحقًا بارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق واضطرابات السلوك وتعاطي المواد المخدرة لدى البالغين.

تقرير حديث لمنظمة الصحة العالمية حول العقاب البدني يقدّر أن حوالي 1.2 مليار طفل حول العالم يتعرضون سنويًا لأشكال من الضرب والعقاب القاسي، وأن الأطفال الذين يتعرضون لهذا النوع من العنف يكونون أقل بنحو 24% في فرصهم لتحقيق نمو وتطور سليم مقارنة بأقرانهم الذين لا يتعرضون له.

هذه المعطيات تضع العراق في سياق أوسع: العنف الأُسري ليس ظاهرة محصورة ببلد واحد، بل مشكلة عالمية، إلا أن هشاشة البنى القانونية والاجتماعية بعد الحروب والعقود الصعبة تجعل أثرها في المجتمع العراقي أعمق وأثقل.

وفضلًا عن ذلك، يُحذّر مختصون من أن انتشار تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية في بعض الأوساط أصبح عاملًا مضاعفًا للعنف داخل البيوت، إذ تسهم هذه المواد في زيادة السلوك العدواني، وفقدان السيطرة على ردود الفعل، وارتفاع وتيرة الاعتداء الجسدي والنفسي على الزوجات والأطفال، ما يجعل ملف المخدرات والعنف الأُسري متداخلين إلى حد كبير في عدد متزايد من القضايا المسجّلة.

من البيت إلى الشارع.. هروب الفتيات إلى فضاءات أكثر هشاشة

واحدة من أخطر نتائج العنف داخل الأسرة تظهر في قصص الفتيات اللواتي يهربن من بيوتهن إلى الشارع. فحين يتحول البيت إلى مصدر تهديد مستمر، يصبح الهروب – رغم مخاطره – خيارًا يبدو للبعض أقل قسوة من البقاء.

في السنوات الأخيرة، تتحدث شهادات ناشطين ومراقبين عن تزايد حالات لفتيات وجدن أنفسهن يعملن في نوادٍ ليلية أو أماكن مغلقة ذات طابع ترفيهي، بعد هروبهن من أزواج عنيفين أو من عائلات تفرض زواجًا قسريًا أو رقابة خانقة. هذا المسار لا يوفّر لهن حماية حقيقية، بل ينقلهن من دائرة عنف عائلي إلى دوائر استغلال اقتصادي واجتماعي ونفسي لا تقل خطورة.

ومع انتشار السوشيال ميديا والاعتماد الواسع على الهواتف الذكية، صار العنف يأخذ شكلًا آخر: ابتزاز إلكتروني، تهديد بنشر صور شخصية، أو استدراج عبر رسائل توهم الفتاة بفرصة عمل أو حياة "أفضل" خارج البيت. دراسات دولية جديدة حول استغلال الأطفال رقميًا تشير إلى أن مئات الملايين من الأطفال حول العالم يتعرضون سنويًا لأشكال من الإساءة والاستغلال عبر الإنترنت، ما يضيف بعدًا جديدًا لتعقيد مشهد العنف ضد الأطفال والفتيات.

قانون معطّل وتوصيات أممية لا تزال على الورق

تقرير صادر عن بعثة الأمم المتحدة في العراق ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان دعا صراحة إلى تعزيز المساءلة في قضايا العنف الأُسري، وتشديد العقوبات في الجرائم المرتبطة بقتل النساء و"جرائم الشرف"، والإسراع في إقرار تشريع خاص بحماية الأسرة.

في المقابل، يرى حقوقيون أن بقاء الخلاف السياسي والديني حول قانون العنف الأُسري في إطار السجالات العامة، من دون تقديم بديل عملي لحماية الضحايا، يعني استمرار الفراغ التشريعي. هذه الفجوة تترك النساء والأطفال أمام خيارات صعبة: إما الصمت، أو الهروب، أو الإبلاغ مع احتمال العودة إلى نفس البيئة العنيفة لغياب مراكز إيواء كافية وآليات حماية فعّالة.

بين قصة الطفل والفتاة.. أسئلة مفتوحة أمام المجتمع والدولة

قصة الطفل الذي فقد حياته نتيجة عنف منزلي، وقصة الفتاة التي اختارت الهرب إلى نوادٍ ليلية هربًا من بيتها، ليستا حوادث استثنائية، بل جزءًا من لوحة أكبر لعنف يتسرّب من خلف الأبواب إلى الفضاء العام.

أمام هذه اللوحة، تبرز مجموعة أسئلة لا يمكن تأجيلها:

-كيف يمكن لمنظومة اجتماعية وقانونية أن تقبل بأن تكون أول تجربة عنف في حياة الإنسان هي داخل بيته؟

-إلى متى يبقى العنف الأُسري "شأنًا عائليًا" حتى عندما يتحول إلى جريمة مكتملة الأركان؟

-وما الجدوى من الحديث عن "حماية الأسرة" في الخطاب السياسي والديني إذا ظلّ الطفل والمرأة بلا مظلّة قانونية واضحة تحميهما عند الخطر؟

الأرقام المحلية والعالمية، والتحذيرات التي يطلقها علي العبادي وغيره من المدافعين عن حقوق الإنسان، تحاول أن تُخرج هذه الأسئلة من دائرة الهمس إلى واجهة النقاش العام. فالعنف الأُسري، في النهاية، ليس ملفًا ثانويًا يمكن إرجاؤه إلى ما بعد أزمات السياسة والاقتصاد، بل مسألة تتعلق بشكل المجتمع نفسه، وبصورة الجيل الذي سيحمل هذا البلد بعد عقد أو عقدين، بين أن يكون جيل خوف وعنف ومخدرات، أو جيل أمان وقدرة على بناء علاقة صحية داخل البيت وخارجه.

تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14