بغداد اليوم - بغداد
في كل دورة نيابية يعود النقاش نفسه حول تشكيل اللجان الدائمة في مجلس النواب: من يرأس لجنة النفط؟ من يذهب إلى المالية؟ من يحصل على الأمن والدفاع؟ لكن خلف هذه الأسئلة الإجرائية، يبرز سؤال أعمق عن طبيعة النظام الذي يحكم توزيع اللجان بين المكونات، وكيف يتحول بعض رؤساء اللجان إلى ما يشبه "رئيس قطاع" لا تمرّ أي صفقة أو استضافة أو مشروع قانون يخص مجاله إلا عبره أو بموافقته الضمنية. وهنا يطرح مراقبون تساؤلا مشروعا: إذا كانت اللجان هي بوابة القوانين والرقابة، فهل تمرّ حالات الفساد من خلالها، أم أنّ المشكلة في ضعف الأداء، أم في تواطؤ جزء من هذه المنظومة؟
الشرماني يحذر من الفراغ ويطالب بحسم اللجان
عضو مجلس النواب احمد الشرماني يؤكد في حديثه لـ"بغداد اليوم" أنّ تأخير حسم هذا الملف ينعكس مباشرة على وظيفة المجلس نفسها، قائلا إنّ "اللجان البرلمانية تمثل العمود الفقري لعمل مجلس النواب، ومن دون استكمال تشكيلها لا يمكن للمجلس أن يؤدي دوره الدستوري بشكل كامل، سواء في ما يتعلق بتشريع القوانين أو ممارسة الرقابة على عمل السلطة التنفيذية".
ويشير الشرماني إلى أنّ "المرحلة الحالية تتطلب تفعيل العمل النيابي بأقصى طاقته، في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية والخدمية التي تواجه البلاد، وهو ما يستدعي وجود لجان متخصصة وفاعلة قادرة على دراسة الملفات بشكل مهني واتخاذ القرارات المناسبة بشأنها".
ويضيف أنّ "تأخير تشكيل اللجان أدى إلى تعطيل مناقشة العديد من مشاريع القوانين المهمة، فضلا عن إضعاف المتابعة البرلمانية لعمل الوزارات والمؤسسات الحكومية، الأمر الذي يحدّ من قدرة المجلس على محاسبة المقصرين ومعالجة مواطن الخلل"، داعيا رئاسة المجلس والكتل السياسية إلى "تحمّل مسؤولياتها الوطنية، وتغليب المصلحة العامة على الخلافات السياسية، والإسراع في حسم توزيع رئاسة وعضوية اللجان البرلمانية وفق معايير الكفاءة والاستحقاق، بما يضمن تحقيق التوازن ويعزز ثقة الشارع بالمؤسسة التشريعية".
توزيع اللجان على المكونات.. محاصصة بغطاء نيابي
ورغم حديث الشرماني عن "معايير الكفاءة والاستحقاق"، إلا أنّ التجربة العراقية منذ ٢٠٠٣ تظهر أنّ توزيع رئاسة اللجان وعضويتها يجري، في الغالب، وفق قاعدة غير مكتوبة تقوم على استرضاء المكونات والكتل قبل أي اعتبار آخر. كل مكوّن يسعى للحصول على لجان "سيادية" أو "خدمية ثقيلة"، وكل كتلة تفاوض على لجنة تفتح لها نافذة على قطاع محدد: النفط، المال، الإعمار، الاستثمار، الأمن والدفاع، التربية، وغيرها.
بهذا الشكل تصبح اللجنة أكثر من إطار برلماني فني؛ تتحول إلى مساحة نفوذ سياسي وحزبي، ورئيس اللجنة يصبح أشبه بمرجعية فوقية لذلك القطاع داخل البرلمان: يستقبل الوزراء، يحدد إيقاع الاستضافات، يقرر متى تُفتح ملفات ومتى تُؤجل، وتُقرأ من خلاله إشارات القبول والرفض لصفقات أو مشاريع قوانين.
هذا الواقع يدفع إلى سؤال حرج يتداوله متابعون للشأن البرلماني:
إذا كانت اللجان هي البوابة التي تعبر منها القوانين والصفقات والاستجوابات، فهل يعني ذلك أنّ كلّ حالات الفساد تمرّ حتما من خلالها؟ أم أنّ المشكلة في تواطؤ بعض اللجان دون غيرها؟ أم أنّ جزءا من الصورة يتعلق بضعف في الأداء والاحترافية، يتيح للمصالح النافذة أن تمرّ من خارج الرقابة أو من ثغراتها؟ لا توجد إجابة قاطعة، لكنّ السؤال يبقى مشروعا في ضوء حجم الملفات التي مرتّ خلال الدورات السابقة من دون مساءلة حقيقية.
رؤساء اللجان.. سلطة توقّف وتمرّر
في الممارسة العملية، لا يقتصر نفوذ رئيس اللجنة على إدارة الجلسات الداخلية. كثير من النواب والوزراء السابقين يتحدثون، في الكواليس، عن أن بعض رؤساء اللجان يتحولون إلى بوابة إلزامية لكل ما يتعلق بالقطاع الذي يشرفون عليه:
-لا تُمرّر استضافة مهمة إلا بموافقتهم.
-لا يُدفع مشروع قانون إلى جدول الأعمال إلا بعد أن يوقّعوا عليه سياسيا، لا فنيا فحسب.
-لا تتحرك أحيانا ملفات رقابية حساسة إلا إذا كانت منسجمة مع حسابات الكتلة التي ينتمي إليها رئيس اللجنة.
وبحسب تقارير صحفية وشهادات لمقاولين، فإنّ نفوذ بعض رؤساء اللجان يمتدّ إلى ملفات العقود والمناقصات، حيث يجري التدخّل في ترتيب المقاولات وتوجيه الصفقات أو تعطيلها، بما يحوّل الموقع البرلماني إلى بوابة نفوذ على المال العام، لا مجرّد موقع رقابي وتشريعي.
هذا الوضع يضعف فكرة "اللجنة كفريق عمل متكافئ" ويكرّس نمطا هرميا يجعل من رئيس اللجنة صانع إيقاع وحارس بوابة في آن واحد، بما يفتح الباب أمام تعارض محتمل بين المصلحة العامة ومصلحة الجهة السياسية التي رشّحته لرئاسة هذه اللجنة.
حصيلة اللجان السابقة.. قوانين جدلية وقوانين منسيّة
إلى جانب سؤال التوزيع والسلطة داخل اللجان، تبرز حصيلة السنوات الماضية كسجل مفتوح للمراجعة. فخلال أكثر من دورة نيابية، يلاحظ متابعون أنّ عددا من اللجان انشغل بدفع قوانين ذات طابع جدلي تمسّ بنية المجتمع وقيمه، من دون توافق سياسي أو اجتماعي كاف، في وقت بقيت قوانين أساسية معلّقة على الرفوف، مثل قوانين تتعلق بالإصلاح الاقتصادي، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، ومحاربة الفساد، وتنظيم القطاعات المنتجة، وتحديث المنظومة الإدارية.
هذا التناقض بين ما يُدفع إلى الواجهة من تشريعات خلافية، وما يُترك مؤجلا من تشريعات إصلاحية، يثير تساؤلات حول أولويات عمل اللجان: هل تعكس حقا حاجات المجتمع، أم تعكس أجندات القوى التي تدير البرلمان؟ ولماذا تمرّ بعض القوانين بسرعة رغم حساسيتها، بينما تبقى قوانين أخرى مجمّدة لسنوات من دون شرح واضح للرأي العام؟
بين الدعوة للإسراع وسؤال الجدوى
دعوة النائب احمد الشرماني للإسراع في تشكيل اللجان تعبّر عن حاجة حقيقية إلى إنهاء حالة الفراغ، لكنّها تفتح في الوقت نفسه بابا واسعا على سؤال أعمق: ما الفائدة من لجان تُشكّل بسرعة إذا أعادت إنتاج النموذج نفسه من المحاصصة والانتقائية في فتح الملفات وغلقها؟
المطلوب، بحسب ما يشير إليه عدد من المختصين، ليس فقط توزيع رئاسة اللجان على المكونات والكتل، بل إعادة تعريف وظيفة اللجنة نفسها: من حصة سياسية إلى جهاز مهني يمتلك أدوات تشريعية ورقابية حقيقية، ويخضع في عمله لمعايير شفافة يمكن للشارع مراقبتها. وإلا فإنّ دورات جديدة قد تمرّ، ولجان جديدة قد تُشكّل، من دون أن يلمس المواطن تغييرا فعليا في نوعية القوانين التي تُشرّع، ولا في جدّية الرقابة على المال العام والقطاع التنفيذي.
في هذه اللحظة، يصبح السؤال عن طريقة تشكيل اللجان وتوزيعها، وعن طبيعة ما تقدمه على أرض الواقع، جزءا من نقاش أوسع حول جدوى المؤسسة التشريعية نفسها، وحدود قدرتها على أن تكون فضاءً لصناعة السياسات، لا مجرد مرآة لتوازنات القوى التي تتقاسمها.
تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات