سياسة 15-01-2026, 22:30 | --
+A -A


تهديدات أمريكية أم حرب نفسية؟ قراءة شاملة في رسائل واشنطن وطهران المتبادلة

بغداد اليوم – بغداد

في خضمّ التوتّر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، يتزايد الجدل حول ما إذا كانت التهديدات الأمريكيّة الأخيرة تمهيداً لمواجهة عسكرية جديدة، أم جزءاً من لعبة ضغط سياسي وإعلامي تستهدف تغيير السلوك من دون الذهاب إلى الحرب.

في هذا السياق يؤكّد الخبير في الشؤون الاستراتيجية رياض الوحيلي، اليوم الخميس، أنّ "التهديدات الأمريكية المتصاعدة تجاه إيران في الآونة الأخيرة قد تندرج ضمن إطار الحرب النفسية والضغط الإعلامي، أكثر من كونها مؤشر مباشر على نية حقيقية للانخراط في عمل عسكري واسع"، في إشارة إلى أنّ سقف الخطاب لا يعني بالضرورة اقتراب ساعة الصفر.

خطاب أمريكي تصعيدي.. أداة تفاوض قبل أن يكون مقدمة حرب

يشرح الوحيلي في حديثه لـ"بغداد اليوم" أنّ "الخطاب السياسي الأمريكي تقليدي يعتمد على التصعيد اللفظي كوسيلة تفاوض غير مباشرة، خاصة في الملفات المعقدة مثل الملف النووي الإيراني والنفوذ الإقليمي لطهران"، مبيناً أنّ "استخدام لغة التهديد يهدف غالباً إلى رفع كلفة التحدي على الطرف المقابل دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة".

هذا النمط ليس جديداً؛ فإدارة الرئيس دونالد ترامب في ولايته الثانية لجأت أكثر من مرة إلى التلويح بـ"الخيار العسكري" ضد إيران، سواء خلال الضغوط على برنامجها النووي أو بعد الضربة المشتركة الأمريكية – الإسرائيلية التي استهدفت ثلاثة مواقع نووية إيرانية في منتصف 2025، قبل أن تعلن واشنطن أنّ الضربات "أضرّت بشدة" بقدرات طهران النووية وتحقّق ما سمّته "استعادة الردع".

تحليلات عدّة تشير إلى أنّ التهديدات الأكثر حدّة في خطاب ترامب تُستخدم أحياناً كـ"رسائل سياسية" أكثر من كونها مقدّمة حتمية لعمل عسكري، خصوصاً عندما يكون الطرف المقابل دولة كبيرة عسكرياً ولديها قدرة على الردّ، كما هي حال إيران الآن.

على الأرض: إعادة انتشار وقرع طبول بلا قرار واضح بالحرب

مع ذلك، لا تقتصر الصورة على الكلام. فخلال الأيام الأخيرة، بدأت الولايات المتحدة بسحب جزء من طواقمها من قاعدة العديد في قطر، في خطوة وصفت بأنها "احترازية" وسط مخاوف من احتمال استهداف القواعد الأمريكية إذا وقع أي هجوم جديد على إيران.

بالتوازي، أعادت وزارة الدفاع الأمريكية توجيه مجموعة حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" إلى الشرق الأوسط لتعزيز الردع في ظلّ التوتر بين إيران وإسرائيل، ما يعكس رغبة واشنطن في إظهار القوة من دون الذهاب فوراً إلى عمل عسكري مباشر.

على الجانب الإيراني، أقدمت طهران على إغلاق أجوائها أمام معظم الرحلات لفترة محدودة، قبل أن تعيد فتحها لاحقاً، بالتزامن مع تسريبات عن نقاشات أمريكية داخلية حول خيارات عسكرية محتملة. تزامن ذلك مع إعلان ترامب أنّه تلقّى "تطمينات" بوقف الإعدامات بحقّ المحتجّين، وأنّ وتيرة القمع "تراجعت"، في إشارة إلى رغبة معلنة في التهدئة بعد موجة تصعيد كلامي سابقة.

هذه الإشارات المتضادّة – تعزيز عسكري من جهة، وتلويح بفرملة التصعيد من جهة أخرى – تدعم قراءة الوحيلي بأنّ ما يجري حتى الآن أقرب إلى "إدارة أزمة عالية السقف" منه إلى قرار مُبرَم بالحرب.

تحفّظات إقليمية وهاجس الطاقة.. كوابح أمام الانفجار الكبير

الوحيلي يلفت إلى أنّ "المؤشرات الميدانية لا تدعم حتى الآن سيناريو الحرب، وأي تحرّك عسكري فعلي يتطلّب استعدادات لوجستية وتحالفات إقليمية واضحة، وهي عناصر لم تظهر بشكل كافٍ على الأرض"، موضحاً أنّ "الولايات المتحدة تدرك حجم التداعيات الاقتصادية والأمنية لأي مواجهة مباشرة مع إيران، سواء على أسواق الطاقة أو على استقرار المنطقة".

هذا التقدير يتقاطع مع مواقف عدد من العواصم الإقليمية؛ فتركيا أعلنت بوضوح معارضتها لأي تدخل عسكري في إيران، مؤكدة أنّ أولويتها "منع زعزعة الاستقرار" في الجارة الشرقية، في وقت حذّرت فيه أنقرة من أنّ أي تصعيد سيُغرق المنطقة في موجة اضطراب جديدة.

مصادر قريبة من حكومات عربية تحدّثت أيضاً عن أنّ التوتّر بين واشنطن وطهران شهد "تهدئة نسبية" بعد سلسلة مساعٍ دبلوماسية من دول مثل السعودية وقطر وعُمان ومصر، ضغطت باتجاه تجنّب ضربة أمريكية جديدة، خشية انفجار أسعار النفط والغاز وانهيار خطوط الملاحة في الخليج.

بالنسبة لصنّاع القرار في واشنطن، فإنّ أي حرب واسعة مع إيران لن تكون مجرّد مواجهة عسكرية محدودة، بل حدثاً إقليمياً يطال مضيق هرمز، وأمن القواعد، واستقرار حلفاء رئيسيين، في لحظة دولية مشحونة بالتنافس مع روسيا والصين.


رسائل متبادلة: ضغط أمريكي وحذر إيراني وخطاب تحدٍ محسوب

الوحيلي يوضّح أنّ "الإدارة الأمريكية تستخدم التهديد الإعلامي كرسالة متعددة الاتجاهات، فهي من جهة تضغط على إيران للعودة إلى طاولة التفاوض بشروط أقل، ومن جهة أخرى تطمئن حلفاءها الإقليميين بأنها ما زالت حاضرة وقادرة على الردع، دون أن تتحمّل كلفة الحرب".

في المقابل، "إيران بدورها تتعامل مع هذا النوع من التهديدات بحذر محسوب، حيث تسعى إلى تفادي إعطاء ذريعة لتصعيد عسكري، مع الاستمرار في خطاب التحدي السياسي الذي يخدمها داخلياً وإقليمياً"، كما يقول الخبير.

هذه السياسة الإيرانية ظهرت في رسائل مباشرة إلى دول الجوار، تحذّر من أنّ أي هجوم أمريكي سينقل الردّ إلى القواعد الموجودة في أراضي تلك الدول، في محاولة لرفع كلفة السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها في أي عملية عسكرية جديدة.

في الوقت نفسه، لا تُخفي طهران رغبتها في استثمار خطاب "الصمود في وجه الضغوط" لتعزيز تماسك قاعدتها الداخلية، خاصة بعد الاحتجاجات الواسعة وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وما رافقه من انتقادات دولية حادّة.

صراع إرادات لا حرب شاملة.. ما لم يطرأ "الاستثناء الكبير"

يختم الوحيلي قراءته بالقول إنّ "المرحلة الحالية يمكن توصيفها بأنها صراع إرادات ورسائل سياسية متبادلة، تُستخدم فيها الأدوات الإعلامية والنفسية بشكل مكثف، واحتمالات التصعيد العسكري ستبقى محدودة ما لم يحدث تطور مفاجئ يغيّر قواعد الاشتباك القائمة".

عملياً، يعني ذلك أنّ المنطقة تقف أمام مشهد معقّد:

-رئيس أمريكي يلوّح بالقوة العسكرية ويستخدم خطاباً عالي النبرة، لكنّه يوازن ذلك بحسابات اقتصادية وتحفّظات حلفاء.
-قيادة إيرانية تحاول تجنّب ضربة جديدة بعد تجربة 2025، مع الحفاظ على صورة "عدم الخضوع" أمام الشارع وأنصارها في الإقليم.
-دول إقليمية عالقة بين الخشية من تمدّد النفوذ الإيراني، والخوف من أنّ أي حرب شاملة ستصيب استقرارها واقتصاداتها في الصميم.

في ضوء هذه المعطيات، يظلّ "الاحتمال الأرجح" في المدى القريب، وفق قراءة الوحيلي، هو استمرار حرب الأعصاب والتلويح بالقوة، مع إبقاء باب التفاوض موارباً، بينما يُترك المجال مفتوحاً أمام سيناريو مختلف تماماً إذا وقع حادث مفاجئ، أو خطأ تقدير، ينقل المنطقة من ضجيج التهديدات إلى وقع الصواريخ فعلاً.

المصدر: بغداد اليوم+ وكالات

أهم الاخبار

إيران تُربك حسابات ترامب وتفرض تراجعاً أمريكياً عن ضربات حاسمة

بغداد اليوم - متابعة كشف تقرير نشرته ميدل إيست نيوز، اليوم الاربعاء ( 25 آذار 2026 )، أن التوقف المفاجئ للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تنفيذ ضربات عسكرية واسعة ضد إيران جاء بعد تحذيرات مباشرة من دول الخليج، التي أكدت أن الحرب تتجه نحو مرحلة أشد خطورة،

اليوم, 11:12