اقتصاد 15-01-2026, 14:03 | --
+A -A

غلاء المهور


فاتورة الفرح "المسمومة".. كيف تلتهم "مافيا الذهب" مدخرات العراقيين لدعم سوق الدولار الموازي؟

بغداد اليوم – بغداد

خلال الأسابيع الأخيرة، صار الذهب في العراق مرآة واضحة للأزمة الاقتصادية ولسعر الصرف في آن واحد. ففي أسواق بغداد، سجّل المثقال الواحد من الذهب عيار 21 (خليجي، تركي، أوروبي) نحو 940 ألف دينار، بينما بلغ مثقال الذهب العراقي من العيار نفسه قرابة 911 ألف دينار، وفق مسح حديث لأسعار الذهب في شارع النهر.

وبلغة الغرام، يدور السعر اليوم حول 194 ألف دينار للغرام الواحد من الذهب عيار 24، مع ارتفاع يقارب 3.5% خلال أسبوع واحد فقط، في ظل تذبذب مستمر مرتبط مباشرة بسعر صرف الدولار في السوق الموازي، وبحالة التوتر في الاقتصاد العالمي.

في الخلفية، يواصل البنك المركزي سياسة تعزيز الاحتياطي الذهبي؛ فالعراق يمتلك حالياً نحو 162.7 طن من الذهب، تمثّل تقريباً 17% من إجمالي احتياطياته الأجنبية، ويحتل المرتبة 29 عالمياً والرابعة عربياً في حجم الاحتياطي، بعد زيادات متتالية خلال عامي 2024 و2025.

هذه الأرقام تعكس مفارقة لافتة: الدولة تعزّز احتياطياتها الذهبية بوصفها أداة استقرار نقدي، بينما المواطن يلهث خلف المثقال كملاذ وحيد للادخار في مواجهة تآكل الدينار وارتفاع الأسعار.

الذهب والقدرة الشرائية تحت الضغط

لم يعد الذهب في ذهن العراقي مجرّد زينة أو ادخار هادئ للمستقبل، بل تحوّل إلى اختبار يومي لقدرة دخله على الصمود. الخبير في الشؤون الاقتصادية رشيد السعدي يؤكد لـ"بغداد اليوم" أنّ "الارتفاع الكبير والمتسارع في أسعار الذهب خلال الفترة الأخيرة بات يشكّل عبئاً حقيقياً على القدرة الشرائية للأسر، ولا سيّما فئة الشباب المقبلين على الزواج، ويجب الحذر من انعكاسات اجتماعية واقتصادية تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من سوق المعادن النفيسة".

السعدي يربط بين العوامل العالمية والمحلية، موضحاً أنّ "أسعار الذهب سجّلت مستويات غير مسبوقة نتيجة عدة عوامل متداخلة، من أبرزها الاضطرابات الاقتصادية العالمية، وارتفاع معدلات التضخّم، وزيادة الطلب على الذهب كملاذ آمن في ظل تذبذب العملات والأسواق المالية، وهذه العوامل مجتمعة انعكست مباشرة على المستهلك المحلي، الذي أصبح عاجزاً عن مجاراة هذه الزيادات المتلاحقة".

بهذه الصورة، يتآكل هامش الحركة أمام الأسرة العراقية: كل قفزة في سعر الذهب تعني إعادة حساب للميزانية، وتقليصاً للنفقات الأخرى، وتراجعاً في قدرة الأسر على التعامل مع الطوارئ الصحية أو التعليمية أو السكنية، في بلد يتعرّض فيه الدخل الثابت لضربات متتالية من التضخّم وارتفاع كلفة الحياة.

الزواج تحت ضغط الذهب: من رمز للفرح إلى سبب للتأجيل

الوجه الأكثر حساسية لارتفاع الذهب يظهر في بوابة الزواج. ففي مجتمع يضع الذهب في قلب العادات المرتبطة بالخطبة والمهر و"الشبكة"، يصبح أي صعود كبير في الأسعار تهديداً مباشراً لمسار تكوين الأسرة.

السعدي يوضح أنّ "القدرة الشرائية للمواطنين تراجعت بشكل ملحوظ، حيث بات شراء الذهب، الذي يعدّ عنصراً أساسياً في العادات الاجتماعية المرتبطة بالزواج، يمثّل عبئاً مالياً يفوق إمكانيات كثير من الشباب، وما نشهده اليوم هو تحوّل الذهب من رمز للفرح والاستقرار الأسري إلى مصدر قلق وتأجيل للزواج، خاصة في ظل ثبات أو بطء نمو الدخول مقارنة بسرعة ارتفاع الأسعار".

هذا التحوّل لا يبقى في دائرة الأرقام، بل يترك أثره على البنية الاجتماعية نفسها؛ فارتفاع أسعار الذهب ساهم في زيادة تكاليف الزواج بشكل عام، الأمر الذي أدّى، بحسب السعدي، إلى "تأجيل سن الزواج لدى شريحة واسعة من الشباب، وفتح الباب أمام مشكلات اجتماعية واقتصادية، منها تزايد الأعباء النفسية والمالية، وتراجع معدلات تكوين الأسر الجديدة".

في مواجهة هذا الواقع، بدأت بعض المجتمعات تشهد تغييراً تدريجياً في النظرة إلى المهور، إذ "اتجهت بعض العائلات إلى تخفيف متطلباتها أو استبدال الذهب ببدائل أقل كلفة، في محاولة للتكيّف مع الواقع الاقتصادي الجديد"، كما يقول السعدي، معتبراً أنّ هذه التحوّلات، رغم صعوبتها، قد تمثّل فرصة "لإعادة النظر في المبالغة بتكاليف الزواج وتعزيز ثقافة التيسير"، بحيث لا يتحوّل المثقال إلى شرط تعجيزي يغلق باب الزواج في وجه جيل كامل.

أطنان تتدفّق واحتياطي يرتفع: أين يذهب كل هذا الذهب؟

وراء المشهد الاجتماعي، تتحرك أرقام ثقيلة في الخلفية. وزارة التخطيط أعلنت أنّ العراق استورد أكثر من 28.3 طن من الذهب عبر مطاري بغداد والنجف، خلال الفترة من تشرين الأول 2023 وحتى نهاية كانون الأول 2024، بإيرادات جمركية ورسوم تجاوزت 5.5 مليار دينار.

بيانات أخرى تشير إلى أنّ العراق يستورد بين 50 و75 كيلوغراماً من الذهب يومياً عبر القنوات الرسمية، مع توسّع في فتح مراكز لفحص ووسم الذهب المستورد في مطارات مثل بغداد وكركوك لتسريع الإجراءات وتحسين الرقابة الفنية.

بالتوازي، رفع البنك المركزي احتياطياته عبر شراء نحو 17 طناً إضافية خلال عام 2024 وحده، مستفيداً من موجة عالمية اتجهت فيها البنوك المركزية إلى زيادة حيازاتها من الذهب، لترتفع الاحتياطيات العالمية إلى حوالي 32 ألف طن بحلول 2024، كجزء من استراتيجية تنويع الأصول وتقليل الاعتماد على الدولار.

لكن ما يهمّ المواطن في نهاية اليوم ليس حجم الاحتياطي ولا عدد الأطنان المستوردة، بل مقدار ما ينعكس من هذه الأرقام على استقرار السعر في السوق المحلية، وعلى قدرة الشباب على شراء "شبكة" معقولة لا تحوّل مشروع الزواج إلى مشروع ديون مفتوحة.

ممرات التهريب: حين يتحوّل الذهب إلى غطاء للدولار

الذهب ليس مجرد حلي في واجهات محال الصاغة. في اقتصاد مضطرب بسعر الصرف، يمكن أن يتحوّل بسهولة إلى أداة مالية معقّدة، وإلى غطاء لعمليات تهريب الدولار.

على مستوى النظام المالي الأوسع، شهد العراق خلال العامين الماضيين حملة ضغوط أمريكية على المصارف والقنوات التي تُستخدم لتهريب العملة الصعبة إلى إيران، شملت حظر عدد من المصارف العراقية من التعامل بالدولار في 2024، ثم إضافة مصارف أخرى في 2025، بدعوى مكافحة غسل الأموال وتهريب العملة.

في هذا السياق، يبرز الذهب كجزء من الصورة الأوسع:

  • الدولة تشجّع مستوردي السلع – ومنها الذهب – على استخدام القنوات الرسمية للحصول على الدولار عبر المنصة، لتقليل الضغط على السوق الموازي.

  • في المقابل، يحذّر اقتصاديون من أنّ تضخيم فواتير استيراد الذهب أو إعادة تدوير جزء من الشحنات يمكن أن يخلق ممرّاً عملياً لإخراج الدولار إلى الخارج تحت غطاء تجارة مشروعة؛ فالفارق بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازي يغري بتحويل الذهب إلى أداة للمضاربة وليس فقط سلعة للاستهلاك أو الادخار.

بهذه الطريقة، يصبح المثقال الذي يراه المواطن في واجهة المحل جزءاً من سلسلة أطول تبدأ بفواتير استيراد وعمليات تحويل مصرفية وتوزيع داخلي، وقد تنتهي بخروج جزء من العملة الصعبة إلى خارج البلد بعيداً عن عين الرقابة.

من يتحكّم بالسوق.. ولماذا لا يُحاسَب تجّار الذهب الكبار؟

السوق اليومية يسيطر عليها مئات الصاغة ومحال الذهب الصغيرة، لكن الملف الأكبر – من حيث تأثيره على سعر الصرف وتدفقات الدولار – بيد حلقة أضيق من المستوردين الكبار والشركات المرتبطة بالمنافذ والمطارات والمصارف.

تجربة ملف الدولار خلال العامين الماضيين أظهرت أنّ جزءاً من هذه الحلقات يتحرّك تحت غطاء سياسي أو حزبي أو فصائلي، وهو ما برز في تقارير ربطت بين بنوك معيّنة وشبكات نفوذ مرتبطة بإيران، استفادت من فرق السعر بين السوق الرسمي والموازي، سواء عبر الحوالات أو بطاقات الدفع أو التصدير والاستيراد.

في ملف الذهب تحديداً، تبقى الرقابة أقلّ صرامة من القطاع المصرفي:

  • التركيز ينصبّ غالباً على فحص العيار والوزن واستيفاء الرسوم.

  • بينما تخضع حركة الأموال في البنوك لمعايير "اعرف عميلك" والإبلاغ عن العمليات المشبوهة، لا تزال تجارة الذهب، في أغلبها، خارج هذه المنظومة المتكاملة.

هذا الفراغ يسمح بما يلي:

  • إجراء صفقات كبيرة نقداً من دون أثر مصرفي واضح.

  • تدوير الذهب بين محافظات وحدود من دون تتبّع دقيق لمسار كل شحنة.

  • خلق طبقة من "التجّار الكبار" يصعب الاقتراب منها في ظلّ تداخل مصالحها مع قوى نافذة.

وحين تُطرح أسئلة عن المحاسبة، يظهر تناقض إضافي: السلطة تلاحق من يُتّهمون ببيع دولارات في الأزقّة، لكنها لا تذهب بالحدّة نفسها إلى ملفات الفواتير الضخمة والصفقات العابرة للحدود، حيث تتقاطع مصالح التجارة والمال والسياسة.

إلى أين؟ بين تعديل العادات وتشديد الرقابة

ما يعيشه العراق اليوم مع الذهب يشبه "اختبار إجهاد" لاقتصاده ومجتمعه معاً. على المستوى الاجتماعي، تبدو دعوات تبسيط المهور وتخفيف متطلبات "الشبكة" جزءاً من محاولة مجتمعية لالتقاط الأنفاس، حتى لا يتحوّل الزواج إلى مشروع استثماري خاسر لا يجرؤ عليه الشباب.

على المستوى المالي، يحتاج صانع القرار إلى التعامل مع الذهب بوصفه جزءاً من البنية المالية، لا مجرد سلعة كمالية. وذلك عبر مسارات متوازية، من بينها:

  • إدخال كبار تجّار الذهب في منظومة رقابية أقرب إلى النظام المصرفي (تسجيل العمليات الكبيرة، الإبلاغ عن الصفقات المشبوهة، توحيد قواعد البيانات بين بغداد والإقليم).

  • استكمال مراكز الفحص والترميز في كلّ المنافذ الجوية والبرية، وربطها بمنصة إلكترونية مركزية توضّح مسار كل شحنة.

  • ربط سياسات استيراد الذهب بسياسة إدارة الاحتياطيات وسعر الصرف، حتى لا تتحوّل المنصة الرسمية من أداة استقرار إلى بوابة جديدة للتسرّب.

في النهاية، الذهب في العراق لن يخرج من الحياة اليومية للناس؛ سيبقى جزءاً من الذاكرة والعادات ومراسم الفرح. لكن الفارق كبير بين ذهب يحمي مدّخرات الأسر، وذهب يتحوّل إلى بوابة صامتة لتهريب الدولار وتكريس هشاشة الدينار. الخط الفاصل بين الاثنين تحدّده اليوم قدرة الدولة على كسر الحلقة بين التهريب والاحتكار، وقدرة المجتمع على إعادة تعريف "الزواج الكريم" بعيداً عن مثقال يثقل الكتف قبل أن يزيّنه.

تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

القوات الأمريكية قد تخضع لإعادة الضبط والانسحاب الشامل من العراق ليس خيارًا

بغداد اليوم - بغداد أكد الخبير في الشؤون الاستراتيجية جاسم الغرابي، اليوم السبت ( 11 نيسان 2026 )، أن المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران عقب إعلان وقف إطلاق النار المؤقت فتحت فعليًا ملف الوجود العسكري الأمريكي وقوات التحالف الدولي في العراق،

اليوم, 16:25