اقتصاد / سياسة / ملفات خاصة 13-01-2026, 21:30 | --
+A -A

هندسة النفوذ


خارج سيطرة بغداد.. "منافذ غير رسمية" تفتح أبوابها مع ثلاث دول: ماذا عن الدستور والقانون والدولة؟- عاجل

بغداد اليوم – بغداد

إثناء استضافة رئيس هيئة المنافذ الحدودية عمر الوائلي في مجلس النواب، واتهامه الصريح لإقليم كردستان بأنّ "التهريب كلّه من هناك"، وبأنّ هنالك "منافذ غير رسمية" تُفتح مع إيران وتركيا وسوريا من دون علم بغداد، لم يكن النقاش يدور فقط حول شاحنات تمرّ من معبر معيّن أو بضائع تدخل خارج السياق، بل انفتح، بصورة غير معلنة، على سؤال أعمق يرتبط ببنية الدولة الإتحادية نفسها: من هو الطرف الذي يملك القرار الفعلي على الحدود؟ وهل تتصرّف الحكومة الإتحادية من موقع صاحب الاختصاص الحصري، أم أنّ الدستور رسم توزيعًا أدقّ للصلاحيات يجعل المشهد أكثر تعقيدًا ممّا يظهر في الخطاب السياسي والإعلامي؟

هذا السؤال، كما يوضح الخبير القانوني المستشار سالم حوّاس، لا يمكن التعامل معه بشعار من نوع "المنافذ اتحادية بالنص" من جهة، أو "الإقليم يدير منافذه" من جهة أخرى، لأنّ الوثيقة الدستورية نفسها لا تتبنّى أيًا من هذين الشعارين في صورتهما المبسّطة، بل تفرّق بين مستويات متعدّدة: رسم السياسة الكمركية، وإدارة الكمارك على الأرض، والأمن الداخلي المحيط بالمنافذ، وكلّ مستوى يرتبط بمواد مختلفة، ولا يمكن فهمه إلا في سياق قراءة متكاملة للدستور لا تتوقف عند فقرة واحدة.

ما الذي يقوله الدستور فعلًا عن المنافذ والكمارك؟

عند العودة إلى المادة (110/ثالثًا) من الدستور، يتضح أنّ الإختصاص الحصري للسلطات الإتحادية يتركّز في "رسم السياسة المالية والكمركية"، أي تحديد الإطار العام للتعرفة، والإتفاقيات الدولية، وطبيعة السياسة الموحدة التي تُنظّم علاقة العراق التجارية بالعالم، من دون أن تذكر هذه المادة شيئًا عن إدارة المنافذ أو تسيير العمل اليومي فيها.

في المقابل، تنصّ المادة (114/أولًا) على أنّ "إدارة الكمارك، بالتنسيق مع حكومات الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، تُعدّ من الإختصاصات المشتركة"، وهذه العبارة تنقلنا من مستوى "السياسة" إلى مستوى "الإدارة"، وتُخرج إدارة الكمارك من دائرة الإختصاص الإتحادي الحصري إلى دائرة الإختصاص المشترك، بشرط أن يُنظّم هذا التنسيق بقانون، وهو الشرط الذي يشير إليه حوّاس بوصفه الحلقة المفقودة بين النصّ والواقع، لأنّ قانونًا كاملاً ومفصّلًا يضبط هذه الشراكة لم يُفعّل حتى الآن بالصورة التي تُنهي الجدل.

ثم تأتي المادة (115) لتضيف طبقة أخرى، حين تقرّر أنّ كلّ ما لم يُنص عليه حصرًا للسلطات الإتحادية يكون من صلاحيات الأقاليم والمحافظات، وأنّ قانون الإقليم يُقدّم عند الخلاف في الإختصاصات المشتركة، ما يعني، في التحليل القانوني، أنّ أيّ محاولة لاعتبار إدارة المنافذ تنفيذًا حصريًا لإرادة بغداد، من دون إدخال الإقليم طرفًا أصيلًا، تتعارض مع هذه القاعدة التي تمنح الأقاليم أولوية في مجالات واسعة ما لم يُغلَق الباب صراحة بنص اتحادي حصري.

ويكتمل البناء الدستوري بالمادة (121/خامسًا)، التي تمنح الإقليم حقّ إدارة شؤونه الداخلية، بما في ذلك الأمن الداخلي، والشرطة، وحرس الإقليم، وهي قوى موجودة فعليًا على الطرق المؤدية إلى المنافذ، وفي محيطها المباشر، وتمارس دورًا واقعيًا في حماية الحدود أو تركها مفتوحة، الأمر الذي يجعل حضور الإقليم، في أيّ نموذج جادّ لإدارة المنافذ، حضورًا مؤسّسًا وليس استثناءً أو منّة من المركز.

أين يتوقّف الدستور وتبدأ السياسة؟

على مستوى النصّ، يمكن رسم خطّ واضح:

  • السياسة المالية والكمركية تُحدَّد إتحاديًا.

  • إدارة الكمارك عمل مشترك يحتاج قانونًا تنظيميًا.

  • الإقليم يمتلك، في المساحات غير الحصرية، أولوية وصلاحيات واسعة، ويملك أدوات أمن داخلي تحيط بالمنافذ.

لكنّ ما يبدو واضحًا في البنية النظرية، يتبدّل لحظة الانتقال إلى التطبيق، لأنّ ما يُفترض أن يحسمه "قانون إدارة الكمارك والمنافذ" ظلّ، إلى حدّ كبير، مساحة تفاوض مفتوحة بين بغداد وأربيل، وبين المركز والمحافظات، فجرى التعامل مع النصّ الدستوري بوصفه رصيدًا تفاوضيًا يُستحضر عند الحاجة، أكثر ممّا جرى التعامل معه بوصفه إطارًا ملزمًا تُشتقّ منه مؤسسات وآليات عمل.

على أرض الواقع، تشكّلت أنماط إدارة متعدّدة: منافذ تقع ضمن جغرافيا الإقليم تُدار عمليًا بقرار محليّ أولًا ثم تُسَوّى أرقامها لاحقًا باتفاقات مالية وسياسية مع بغداد؛ منافذ اتحادية في الجنوب والغرب تتداخل فيها صلاحيات عدّة أجهزة أمنية ومدنية من دون غرفة قرار واحدة؛ وممرات تهريب تستثمر في هذا التشظّي لتخلق مسارات بديلة بين الرسمي وغير الرسمي. في هذا المشهد، لم يعد الخلاف على تفسير المواد الدستورية مجرّد نزاع قانوني، بل تحوّل إلى جزء من "هندسة نفوذ" أشمل، تتداخل فيها الحسابات الحزبية والإقتصادية والإقليمية.

من النافذ فعليًا: المركز، الإقليم، أم شبكات موازية؟

عندما يُقال تحت قبة البرلمان إنّ "كلّ التهريب من الإقليم"، يُستدعى الدستور أحيانًا كحجّة لتشديد القبضة الإتحادية، من دون التفريق بين مسؤولية بغداد عن رسم السياسة الكمركية وضبط الإطار العام للتجارة الخارجية، ومسؤولية الإقليم عن إدارة جزء من الحدود وتأمينها، ومسؤولية الطرفين المشتركة عن إنتاج قانون واضح يضبط العلاقة؛ لكنّ القراءة الميدانية تشير إلى أنّ الطرف "النافذ" في المعابر ليس بالضرورة الجهة التي تستند إلى مادة دستورية أقوى، بل الجهة التي تمتلك شبكة أعمق على الأرض.

في حالات كثيرة، يتكوّن "النفوذ" من تحالف عملي بين عناصر من أجهزة اتحادية، وآخرين من قوى محلية أو إقليمية، وشبكات تجار وسماسرة، تستفيد من تعدّد مراكز القرار داخل المنفذ الواحد، ومن ضعف تبادل البيانات بين بغداد وأربيل، ومن غياب نظام موحّد يربط حركة البضائع من نقطة الدخول الأولى حتى وصولها إلى السوق، فتُمرَّر شحنات خارج المسار الرسمي عبر منفذ في محافظة اتحادية، كما تُمرّر شحنات أخرى عبر معبر في الإقليم، من خلال آليات مختلفة، لكن ضمن منطق واحد: وجود اقتصاد موازٍ يجد في ثغرات القانون والإدارة فرصة دائمة لتكبير أرباحه.

من هذه الزاوية، يصبح حصر المسؤولية في "منافذ الإقليم" قراءة مبتورة للمشهد، لأنّ الإشكال البنيوي لا يقتصر على موقع المنفذ، بل يشمل غياب منظومة اتحادية – إقليمية متّفق عليها لإدارة الملف، وقصورًا في التشريع، وتداخلا في الأدوار، ودرجةً من التسييس تجعل كلّ نقاش تقني حول إدارة الكمارك يتحوّل بسرعة إلى معركة إعلامية حول "من يلتزم بالدستور أكثر"، من غير أن تُحسم فعليًا الشروط التي تجعل النصّ قابلًا للتنفيذ.

ما الذي تعنيه هذه الجدلية لمستقبل إدارة المنافذ؟

القراءة الأكاديمية لجدلية "النافذ" في المنافذ لا تميل إلى تبرئة طرف واتهام آخر، بقدر ما تكشف عن خلل مزدوج:

  • من جهة أولى، هناك خطاب اتحادي يميل إلى توسيع مفهوم الإختصاص الحصري، ويقدّم إدارة المنافذ وكأنها شأن مركزي خالص، في تجاهل صريح لنصوص الإختصاص المشترك وأولوية الإقليم في بعض المساحات.

  • من جهة ثانية، هناك ممارسات محلية وإقليمية تتعامل مع المنافذ كأدوات تفاوض سياسي، أو كمصادر إيراد مستقلّة، أكثر من كونها جزءًا من شبكة مالية وكمركية وطنية موحّدة.

ما لم يُحسَم هذا التنازع عبر قانون تفصيلي واضح، وآليات تنفيذ مشتركة، ومنظومة بيانات موحّدة تربط المنافذ جميعها بالخزينة العامة، سيظلّ "النافذ" الواقعي هو من ينجح في بناء شبكة ميدانية على الأرض، سواء كان يرتدي صفة رسمية أو يتحرك في الظل، وسيتحوّل الدستور، في كلّ جولة جديدة من الجدل، إلى نصّ يُستدعى كأداة دعم موقف، لا كمرجع لإعادة بناء الإدارة.

بهذا المعنى، لا يكفي أن يُقال إنّ "المنافذ اتحادية" أو إنّ "الإقليم شريك أصيل"، ما لم تُترجم هذه العبارات إلى هندسة مؤسّسية تجعل السياسة الكمركية فعلًا موحّدة، وتجعل الإدارة مشتركة فعلًا، وتغلق المساحة الرمادية التي تتحرك فيها شبكات التهريب، لأنّ استمرار هذه المساحة هو ما يجعل سؤال "من النافذ؟" سؤالًا مفتوحًا، تُجيب عنه، في نهاية المطاف، حركة البضائع على الأرض أكثر ممّا تجيب عنه مواد الدستور على الورق.

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14