بغداد اليوم – بغداد
بعد أسابيع من التسريبات والحوارات المغلقة، خرج ائتلاف دولة القانون ليحسم – من جانبه على الأقل – هوية المرشح الأبرز لرئاسة الوزراء في المرحلة المقبلة، معلناً أنّ زعيمه نوري المالكي هو "المرشح الوحيد" للإطار التنسيقي لهذا المنصب، وأنّ رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني سحب ترشحه لمصلحة المالكي، في خطوة تعكس حجم إعادة التموضع الجاري داخل البيت الشيعي بعد الانتخابات الأخيرة وما رافقها من انسداد سياسي وتنافس على السلطة.
قال عضو الائتلاف زهير الجلبي، لـ"بغداد اليوم"، إنّ "المالكي هو المرشح الوحيد للإطار التنسيقي لتولي رئاسة الوزراء خلال المرحلة المقبلة، وذلك بعد إعلان رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني سحب ترشحه لصالح المالكي، في خطوة تهدف إلى توحيد الموقف السياسي داخل الإطار".
وبين الجلبي أنّ "قرار السوداني جاء نتيجة مشاورات معمقة ومسؤولة داخل الإطار التنسيقي، وبما ينسجم مع متطلبات المرحلة السياسية الحالية، والإطار يسعى إلى تقديم مرشح يحظى بإجماع واسع وقادر على إدارة المرحلة المقبلة بثبات وخبرة سياسية".
وأضاف أنّ "المالكي يتمتع بدعم سياسي كبير من داخل الإطار التنسيقي، فضلاً عن وجود تأييد واضح من قوى وشركاء سياسيين من خارج الإطار، ما يعكس الثقة بدوره وخبرته في إدارة الدولة ومواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية".
وتابع أنّ "المرحلة المقبلة تتطلب قيادة تمتلك رؤية واضحة وقدرة على إدارة التوازنات الداخلية والخارجية، والمالكي يعد من أبرز الشخصيات السياسية القادرة على تحقيق الاستقرار ودفع العملية السياسية نحو مسار أكثر تماسكاً".
تأتي هذه التطورات في سياق صراع مفتوح داخل الإطار التنسيقي حول هوية المرشح لرئاسة الوزراء بعد الانتخابات البرلمانية، والتي أسفرت عن برلمان منقسم من دون كتلة قادرة على الحسم منفردة. فرغم أنّ السوداني خاض الانتخابات الأخيرة بائتلاف سياسي يبحث عن ولاية ثانية، إلّا أنّ تيارات مؤثرة داخل الإطار أبدت تحفظات متزايدة على منحه فرصة جديدة، في ظلّ خشية من تضخم نفوذ رئاسة الوزراء على حساب مراكز القوى التقليدية داخل الإطار.
تحليلات سياسية عديدة أشارت في الشهور الماضية إلى أنّ الإطار يعيش حالة انقسام بين تيار يميل إلى تجديد الولاية للسوداني مع إدخال تعديلات على معادلة السلطة، وتيار آخر يفضّل العودة إلى شخصية ثقيلة من داخل "دولة القانون" تضمن للإطار إمساكاً أوثق بمفاصل القرار، وهو ما يفسر تصاعد حضور اسم المالكي في الكواليس، ثم انتقاله إلى العلن عبر تصريحات قيادات في ائتلافه.
حتى مع إعلان دولة القانون أنّ المالكي هو المرشح الوحيد للإطار، فإنّ الطريق إلى نيل التكليف ومن ثم الثقة البرلمانية لن يكون ممهداً؛ فتركيبة البرلمان تقوم على توازنات معقدة بين كتل الإطار والقوى السنية المتجَمّعة في أطر جديدة، وتحالفات الأحزاب الكردية، بالإضافة إلى قوى مدنية ومستقلين، في ظل غياب التيار الصدري عن المشهد البرلماني رسمياً وحضوره الشعبي والتنظيمي في الشارع.
نجاح أي مرشح لرئاسة الوزراء سيتوقف على قدرته على تقديم ضمانات حقيقية للشركاء السُنة والكرد في ملفات حساسة مثل تقاسم السلطة، والموازنة، والمناطق المتنازع عليها، ومستقبل الحشد الشعبي، والعلاقة مع واشنطن وطهران. وفي حالة المالكي تحديداً، سيكون على طاولة التفاوض أيضاً إرث السنوات الماضية، وكيفية طمأنة خصومه وشركائه في آن واحد من أنّ عودته لن تعني العودة إلى أنماط إدارة الحكم التي سبقت 2014.
إعلان ائتلاف دولة القانون أنّ المالكي هو المرشح الوحيد للإطار التنسيقي يمثل نقطة تحول في مسار مفاوضات ما بعد الانتخابات، لكنه لا يعني أنّ الصورة حُسمت بالكامل؛ فالإطار نفسه ما يزال يضم أجنحة ذات حسابات متباينة، والقوى السنية والكردية لم تقل كلمتها النهائية بعد، فيما تترقب العواصم الإقليمية والدولية مآلات هذا الخيار وتأثيره على ملفات أمنية واقتصادية حساسة في العراق والمنطقة.
بين ما يُعلَن في التصريحات، وما يدور في الغرف المغلقة من تفاوض وضغوط وضمانات متبادلة، تبدو الأيام المقبلة اختباراً لقدرة الإطار التنسيقي على فرض خياره حتى النهاية، ولقدرة نوري المالكي – إن مضى ترشيحه – على إعادة صياغة صورته وحشد كتلة برلمانية كافية لعبور بوابة رئاسة الوزراء مجدداً، في مشهد سياسي أكثر تعقيداً من ذلك الذي غادره قبل أكثر من عقد.
المصدر: بغداد اليوم+ وكالات