بغداد اليوم – بغداد
تتصاعد حدّة المواجهة الكلامية بين واشنطن وطهران بالتوازي مع استمرار أعنف موجة احتجاجات تشهدها إيران منذ عقود، في وقت تؤكّد فيه مصادر حقوقية أنّ حصيلة الضحايا تجاوزت 500 قتيل خلال أسابيع من التظاهرات، وسط صور قاسية من الشوارع والمشارح تتداولها وسائل الإعلام الغربية بكثافة، بينما تصرّ السلطات الإيرانية على أنّها تواجه "أعمال شغب" تقف وراءها قوى خارجية.
حصيلة ثقيلة وصور صادمة
وفق منظمات وناشطين يتابعون ما يجري داخل إيران، تجاوز عدد القتلى حاجز الـ500 شخص، بينهم مدنيون وعناصر أمن، مع آلاف المعتقلين في مختلف المحافظات، في ظلّ انقطاع متكرّر للإنترنت وصعوبة التحقق الميداني من الأرقام. الاحتجاجات التي انطلقت على خلفية الانهيار الاقتصادي وتدهور الأوضاع المعيشية، تحوّلت سريعاً إلى شعارات سياسية مباشرة ضدّ النظام الحاكم، في مشهد يوصف بأنّه أوسع تحدٍّ للسلطة الدينية منذ عام 1979.
على الجانب الآخر، تتحدّث طهران عن "مؤامرة خارجية" وتحمّل الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية "تأجيج الشارع"، وتلوّح بمحاسبة من تصفهم بـ"مثيري الشغب" أمام القضاء بعقوبات قاسية، مع تأكيد استمرار القبضة الأمنية لعدم السماح بـ"تكرار سيناريو دول أخرى في المنطقة".
ترامب يرفع السقف: خيارات "قوية للغاية"
في واشنطن، استغلّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مشاهد الاحتجاجات ليصعّد لهجته تجاه إيران. فحين سألته مراسلة من CNN عمّا إذا كانت طهران تأخذ تهديداته على محمل الجد، ردّ بسخرية قائلاً: "يا له من سؤال، ألا تعتقدين أنّهم ربما يفعلون ذلك في هذه المرحلة، بعد أن مرّوا بذلك لسنوات معي؟ قمتُ بالقضاء على سليماني، البغدادي، التهديد النووي الإيراني تمّ القضاء عليه، يا له من سؤال غبي".
ترامب أضاف أنّ إيران "بدأت تتجاوز الخطّ الأحمر" الذي وضعه، واتّهمها بقتل الأبرياء، مؤكّداً أنّه ينظر إلى الوضع "بجدّية بالغة" وأنّ الجيش يدرس "خيارات قوية للغاية" بشأن إيران، وأنّه يتلقّى "تحديثات كل ساعة" حول ما يجري في الشارع الإيراني، مع تعهّد بأنّه "سيتّخذ قراراً ما قريباً".
وفي رسالة أكثر مباشرة، قال ترامب إنّ "قادة إيران اتصلوا" وإنّهم "يريدون التفاوض"، مضيفاً: "أعتقد أنّهم سئموا من تعرّضهم للضرب من قبل الولايات المتحدة. قد نلتقي بهم. يتمّ ترتيب اجتماع، لكن قد نضطرّ إلى التصرف بسبب ما يحدث قبل الاجتماع"، في إشارة إلى حجم العنف المستخدم ضدّ المحتجين.
ليندسي غراهام: "كابوسكم سينتهي قريباً"
من داخل الكونغرس، رفع السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام منسوب الخطاب بدوره، قائلاً إنّ "الليلة قد تكون الليلة المنشودة، إنّها فقط مسألة وقت الآن"، مضيفاً في رسالة إلى الإيرانيين: "الرئيس ترامب ليس أوباما. الحرية الآن، والحرية إلى الأبد للشعب الإيراني الذي عانى طويلاً. أعتقد أنّ كابوس أمتكم سينتهي قريباً. لنجعل إيران عظيمة مرّة أخرى".
هذا الخطاب يرى فيه مراقبون محاولة لدعم روح التمرّد داخل الشارع الإيراني، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى استعداد واشنطن للذهاب إلى مواجهة مباشرة مع طهران، أو الاكتفاء بتصعيد الضغوط السياسية والاقتصادية والإعلامية.
تظاهرات مؤيدة للنظام وضغوط أوروبية متصاعدة
بالمقابل، حرص الإعلام الرسمي الإيراني على بثّ مشاهد تظاهرات مؤيدة للنظام في طهران ومدن أخرى، شارك فيها الرئيس مسعود بزشكيان وعناصر من "البَسِيج" وموظفون وطلاب، رُفعت خلالها صور المرشد وشعارات مناهضة للولايات المتحدة، في محاولة لإظهار أنّ الشارع منقسم، وأنّ للنظام حاضنة شعبية قادرة على النزول إلى الميدان أيضاً.
في الوقت نفسه، تنشر وسائل إعلام أمريكية وأوروبية تقارير موسّعة عن حجم العنف، مصحوبة بصور من المستشفيات والمشارح وشهادات لعوائل الضحايا، ما ضاعف من حدّة الانتقادات الغربية لطهران. الاتحاد الأوروبي لوّح من جهته برفع مستوى العقوبات، وتحدّث مسؤولون أوروبيون عن "استخدام مفرط للقوّة" وعن ضرورة محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
مشهد مفتوح على كلّ الخيارات
بهذا المشهد المركّب، تبدو الاحتجاجات في إيران وقد تجاوزت إطارها الداخلي لتتحوّل إلى ملف إقليمي ودولي مفتوح:
-
شارع غاضب يدفع ثمناً باهظاً بالدم والاعتقالات.
-
سلطة تتمسّك بخيار الحسم الأمني وتتهم الخارج بالتآمر.
-
إدارة أمريكية تلوّح بـ"خيارات قوية للغاية" وتراقب تطوّر التظاهرات ساعة بساعة.
-
واتحاد أوروبي يلوّح بعقوبات أشدّ.
حتى الآن، لا مؤشرات حاسمة على تسوية قريبة. ما يجري في الشارع هو الذي يفرض إيقاعه، وعدّاد الضحايا مستمرّ في الارتفاع، بينما يتصاعد التوتر بين طهران وواشنطن. وفي ظلّ هذا التصعيد المتبادل، يبقى السؤال الأهم: هل تنتهي هذه الجولة بتنازلات سياسية داخلية في إيران، أم تنزلق إلى مواجهة أوسع تفتح فصلاً جديداً من عدم الاستقرار في المنطقة؟
تقرير: محرر قسم الشؤون الدولية في بغداد اليوم



