أمن / ملفات خاصة 8-01-2026, 21:00 | --
+A -A

خارج السيطرة


"أشباح في السماء".. انسحاب التحالف من عين الأسد: هل وقعت بغداد على شهادة "استباحة الأجواء"؟

بغداد اليوم – بغداد

مع بداية عام 2026 دخل ملف الوجود الأجنبي في العراق منعطفًا جديدًا بعد إعلان قيادة العمليات المشتركة انسحاب قوات التحالف الدولي من قاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار وتسليمها بالكامل إلى القوات العراقية ضمن مسار تفاوضي سبق أن أُعلن عنه لإنهاء شكل حضور التحالف والانتقال إلى تعاون ثنائي مع واشنطن ودول أخرى بدل الصيغة الجماعية التي ارتبطت بالحرب على تنظيم داعش. هذا التطور تُقدّمه الحكومة بوصفه خطوة على طريق استعادة القرار العسكري من أي وصاية خارجية، فيما يكشف الجدل الدائر في بغداد عن صورتين مختلفتين للحدث، صورة تتعامل معه كإنجاز سيادي طال انتظاره وصورة أخرى ترى أنّ ما جرى قد يسهّل عمليًا حركة إسرائيل في الأجواء ويرفع الحرج عن الولايات المتحدة في أي تصعيد مقبل مع طهران.

انسحاب التحالف من القاعدة.. إنجاز عسكري أم إعادة ترتيب هادئة؟

في القراءة التي تتبنّاها الجهات الرسمية يُقدَّم الانسحاب من عين الأسد بوصفه إشارة إلى نضج المؤسسة العسكرية وقدرتها على إدارة أمن المناطق الحسّاسة من دون مظلّة قتالية أجنبية. المستشار العسكري اللواء صفاء الأعسم يلخّص هذه المقاربة في حديثه لـ"بغداد اليوم" حين يؤكّد أنّ قرار الانسحاب يحمل أهميّة إستراتيجية على المستويين العسكري والسياسي وأنّه ليس مجرّد إجراء لوجستي بل مؤشر على أنّ القوات العراقية باتت قادرة على حماية المنشآت الحيوية والتعامل مع التحدّيات التي شهدتها هذه المناطق في مراحل سابقة. الأعسم يربط بين الخطوة وبين تراكم خبرة القوات العراقية في إدارة الصحراء الغربية ومداخل الحدود ويرى في تسلّم القاعدة بالكامل تعزيزًا لثقة المواطن بالمؤسسات الأمنية ومقدّمة لمراجعة أوسع لدور القوات الأجنبية عمومًا بما يتيح إعادة ترتيب الأولويات الدفاعية وبناء عقيدة أكثر اعتمادًا على القدرات الذاتية بدل الركون إلى الإسناد الخارجي المفتوح.

هذه الرؤية تنسجم مع تصريحات قادة في العمليات المشتركة تحدّثوا عن أنّ الانسحاب من عين الأسد يجري وفق تفاهمات أُنجزت قبل أشهر وأنّ المرحلة المقبلة ستعتمد على مذكّرات تفاهم واتفاقات دفاعية منفصلة مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بحيث يتحوّل الحضور الغربي من قوّات مقاتلة داخل قاعدة عراقية إلى شراكات تدريب وتسليح ومعلومات الأمر الذي يسمح لبغداد بأن تقول إنّها أنهت شكل التحالف الدولي من دون أن تقطع العلاقات العسكرية مع العواصم المؤثّرة في ملف التسليح والدعم الفنّي. في هذا الإطار تبدو القاعدة حلقة أخيرة في سلسلة إعادة توزيع مواقع هذه القوات داخل العراق وخارجه بما يتيح للحكومة التحدّث عن استعادة جزء من الهيبة المفقودة في النقاش الداخلي حول السيادة وحق إدارة الملف الأمني على الأرض العراقية.

سماء العراق بين العجز التقني وضغوط الصراع الإيراني الإسرائيلي

في المقابل تبرز قراءة مخالفة تعتبر أنّ انسحاب التحالف من عين الأسد لا يعني بالضرورة انحسار الدور الأمريكي في سماء العراق بل إعادة تموضع أكثر من كونه انسحابًا فعليًا. أصحاب هذا الرأي يستحضرون سلسلة من التحذيرات الرسمية التي وجّهتها بغداد خلال العام الماضي إلى واشنطن رفضًا لاستخدام الأجواء العراقية في أي هجمات موجّهة ضد إيران ويذكّرون بأنّ هذه الرسائل السياسية لم تُترجَم إلى قدرة عملية على فرض المنع، فالعراق لا يمتلك حتى الآن منظومة متكاملة للدفاع الجوي والإنذار المبكر، والصورة التي ترسمها تقارير متعدّدة بعضها قريب من طهران تفيد بأنّ أقصى ما تستطيع الحكومة فعله عندما تشعر بخروق هو تسجيل اعتراض دبلوماسي أو إصدار بيان من دون امتلاك أدوات الردع التقني على خطوط الجوّ العليا.

في ضوء هذا العجز تصبح قاعدة عين الأسد تفصيلًا في مشهد أوسع، إذ إنّ قرار تحريك الطائرات المسيّرة أو الصواريخ البعيدة المدى لا يمرّ عبر غرفة عمليات عراقية خالصة ما دام العراق يعتمد في جزء من مراقبته العالية على شراكات خارجية وعلى بنية لم تُبنَ بالكامل بإرادة وطنية مستقلة. لذلك يبدو لدى هذا التيار أنّ خروج التحالف من القاعدة لن يُغلق السماء فعلًا أمام إسرائيل بل سيخفّف فقط من حجم المخاطر التي تتعرّض لها القوات الأمريكية داخل العراق إذا انفجر الصراع في لحظة معيّنة على نحو واسع بين واشنطن وطهران أو بين إسرائيل وإيران.

واشنطن تبتعد عن مرمى الصواريخ ولا تغادر مجال النفوذ

مع هذا الفهم يُقال إنّ واشنطن تحقّق عبر هذا الترتيب مكسبًا مزدوجًا، فهي تقلّل من فرص استهداف جنودها بصواريخ الفصائل العراقية التي ركّزت في مراحل سابقة على عين الأسد بوصفها رمزًا للوجود الأمريكي في غرب البلاد وفي الوقت نفسه تحتفظ بأدوات مراقبة وتدخّل جوّي في الإقليم عبر قواعد أخرى داخل العراق وخارجه وعبر شبكة تعاون استخباري مع حلفاء متعدّدين. أمّا بغداد فتبدو أمام جيرانها ولا سيما طهران في وضع حرج، إذ تعلن رفض تحويل أجوائها إلى منصّة لأي ضربة ضد إيران لكنّها لا تمتلك من الناحية العملية ما يكفي لتحويل هذا الإعلان إلى واقع ملزم لكل الأطراف، الأمر الذي يغذّي الخطاب القائل إنّ السماء العراقية ما تزال مفتوحة وإنّ الانسحاب من عين الأسد يرفع الجزء المباشر من الحرج عن الأمريكيين من دون أن يقدّم ضمانة حقيقية لعدم استخدام هذا المجال الجوّي في أي صراع مقبل.

هذه الصورة تجعل الجدل حول القاعدة مترابطًا مع سؤال أوسع عن طبيعة العلاقة العسكرية بين بغداد وواشنطن، فهل يسير المسار فعلًا نحو شراكة متوازنة تحكمها اتفاقات واضحة تحدّد سقف الوجود الأجنبي وأدواره وحدود استخدام الأجواء والقدرات التقنية، أم أنّ الأمر لا يتعدّى إعادة توزيع لمواضع الجنود والعتاد بطريقة تقلّل الخسائر المحتملة على الطرف الأمريكي وتبقي المجال مفتوحًا أمام خياراته الإستراتيجية في المنطقة.

اختبار السيادة العراقية.. من إدارة القواعد إلى السيطرة على الأجواء

القيمة الفعلية لما جرى في عين الأسد ستتحدّد بما ستفعله بغداد بعد هذه الخطوة أكثر ممّا جرى الإعلان عنه حتى الآن. فإذا تحوّلت مذكّرات التفاهم العسكرية مع الولايات المتحدة والدول الأخرى إلى إطار واضح يقيّد استخدام الأجواء العراقية ويمنح بغداد حقّ الاطّلاع والاعتراض في كل سيناريو حسّاس، وإذا أُرفق ذلك باستثمار جدّي في منظومات الدفاع الجوي والرصد المبكر وبناء قدرة وطنية على إدارة السماء كما تُدار القواعد على الأرض، فإنّ رواية السيادة ستكسب كثيرًا من المصداقية وسيصبح انسحاب التحالف من عين الأسد نقطة تحوّل حقيقية في مسار إنهاء أشكال الوصاية العسكرية على القرار العراقي.

أمّا إذا بقيت السماء خارج قدرة السيطرة التقنية والقرار العملي وظلّ العراق مجرّد معبر تُدار فوقه الصراعات بين واشنطن وطهران وتستثمره إسرائيل في حسابات ضرب المنشآت الإيرانية، فإنّ الصورة المقابلة ستفرض نفسها وسيبدو ما جرى في الأنبار أقرب إلى إعادة ترتيب هادئة لمسرح القوات من كونه إعادة تعريف لعلاقة العراق بمسرح الصراع الإقليمي. في هذه الحالة سيبقى النقاش حول السيادة معلّقًا بين إدارة القواعد على الأرض وبين سؤال أصعب يتعلّق بالقدرة على إدارة الأجواء، وعندها فقط سيتّضح ما إذا كان الخروج من عين الأسد بداية لمسار استقلال أوسع أم مجرّد فصل جديد في معادلة نفوذ معقّدة لم تُحسم بعد.

تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

تفاصيل الاتصال الهاتفي بين السوداني وأمير قطر

بغداد اليوم - بغداد بحث رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني هاتفياً، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، مع أمير دولة قطر تميم بن حمد آل ثاني، تطورات الأوضاع في المنطقة وانعكاسات استمرار الحرب على السلم والأمن الإقليمي والدولي، وتأثيرها على أسواق الطاقة

اليوم, 21:50