على وقع حروب معلنة تشعلها الجيوش والصواريخ، تتسلّل حروب أخرى بلا دبابات ولا هدير طائرات. حروب لا تُعلن في نشرات الأخبار، بل تُقاس بتفكّك العائلات، وخراب الأسواق، وتآكل الثقة بين مكوّنات المجتمع. هذه هي ما يصفه خبراء الأمن بـ"الحرب السرّية"؛ صراع طويل النَّفَس تُستخدم فيه الجريمة المنظَّمة والمخدّرات وغسيل الأموال والفساد والاتجار بالبشر بوصفها أسلحة إستراتيجية لا تقلّ أثراً عن القنبلة والصاروخ، لكنّها تعمل في الظل وعلى المدى البعيد.
أيوب الربيعي، وهو عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية السابقة، وفي حديث لـ"بغداد اليوم"، حذر ممّا يسمّيه "السهام السوداء" التي تُوجَّه إلى قلب المجتمعات من خارج الحدود، مؤكّداً أنّ "الدول التي تحاول فرض نفوذها لم تعد تعتمد القوّة العسكرية المباشرة، بل تتّجه إلى تحقيق أهدافها بأقلّ قدر ممكن من الدماء عبر ما يُعرف بالحرب السرّية". ويضيف أنّ هذا المسار برز منذ عقود من خلال "السعي إلى تفتيت المجتمعات، وإبراز الخلافات بين المكوّنات، وإثارة ملفات المخدّرات، وضرب القيم المجتمعية وركائزها وثوابتها"، بما يدفع البنية الاجتماعية إلى حالة أشبه بالفوضى ويفتح الباب أمام التدخّل الخارجي.
من الدبّابة إلى "السهم الأسود"
تقول قراءة الربيعي إنّ الدول الكبرى التي تسعى إلى توسيع نفوذها لم تَعُد بحاجة إلى اجتياح عسكري مباشر كي تُمسك برقاب الدول الأضعف. يكفي، بحسب تعبيره، أن تُضعف تماسك المجتمعات من الداخل، وأن تُطلق سهامها السوداء في اتّجاهات متعدّدة:
-المخدّرات، بوصفها أداة لتدمير الطاقات الشابّة.
-الجريمة المنظّمة العابرة للحدود.
-غسيل الأموال والفساد الذي يضرب مؤسّسات الدولة.
-الاتجار بالبشر والأعضاء.
-التلاعب بالقيم والرموز الاجتماعية.
يصف الربيعي هذه الأدوات بأنّها "مسار متعمَّد لتفتيت المجتمعات ودفعها إلى صراعات داخلية وخلافات بينية"، ما يحوّل الدول المستهدفة تدريجياً إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية والاقتصادية. وهنا تصبح كلفة السيطرة أقلّ بكثير من حرب تقليدية: لا جيوش تحتلّ الأرض، بل شبكات نفوذ تتحكّم بالاقتصاد والسياسة والإعلام من خلف الستار.
فوضى مُدارة وثروات تُستَغلّ
في جوهر هذه الحرب، كما يشرح الربيعي، أنّها "تدفع المجتمعات إلى حالة أشبه بالفوضى نتيجة الخلافات البينية"، قبل أن تأتي اللحظة التي تستغلّ فيها القوى الخارجية هذا الواقع من أجل "بثّ نفوذها وتحقيق مصالحها، ولا سيّما السيطرة على الثروات الطبيعية واستغلالها بشكل واسع". أي أنّ الفوضى ليست نتيجة عرضية، بل شرط عمل: حين يَضعف مركز القرار، وينهار التماسك الاجتماعي، ويُستنزف الاقتصاد في دوّامة الأزمات، تصبح أيّ دولة أكثر قابلية لأن تكون مجرّد خزّان للثروات الخام، وسوقاً مفتوحة أمام الشركات العابرة للقارّات، وساحة نفوذ لأجهزة استخبارية وأدوات ضغط مالي.
بهذا المعنى، الحرب السرّية لا تُخاض لأجل الفوضى في حدّ ذاتها، بل لأجل ما بعد الفوضى: عقود طاقة تُوقّع تحت الضغط، قرارات سيادية تُتَّخذ في ظلّ تهديدات ضمنية أو ابتزاز مباشر، وطبقات سياسية واقتصادية محليّة تُدمَج في شبكة مصالح عابرة للحدود تتحكّم بمسارات القرار الوطني.
أقنعة متعدّدة وهدف واحد
الربيعي يشير إلى أنّ الحرب السرّية "قد تتّخذ أقنعة وصوراً متعدّدة"، فهي قد تظهر في بلدٍ ما على شكل انفجار في سوق المخدّرات وشبكات التهريب، وفي بلدٍ آخر عبر موجات فساد ضخمة تضرب مؤسّسات الدولة، وفي ثالث عبر استثمار منسَّق في الانقسامات الإثنية والطائفية والمناطقية. لكنّ القاسم المشترك لها، كما يقول، أنّها "محاولات مستمرّة من قِبل قوى كبرى لإدامة سيطرتها عبر الإمكانات الاقتصادية"، في عالم بات فيه "العامل الاقتصادي المحدِّد الرئيس لمسار قوّة الدول".
بهذا التصوّر، تصبح المصارف والميزانيات وأسعار العملة، إلى جانب شبكات التجارة والاستثمار، جزءاً من ميدان المعركة. عندما تُستدرج دولة ما إلى دوّامة ديون، أو تُستنزف احتياطاتها النقدية عبر اقتصاد موازٍ يغذّيه التهريب وغسيل الأموال، فإنّ قدرتها على اتخاذ قرار مستقلّ تتراجع عملياً، حتى لو ظلّت سياسياً "دولة ذات سيادة" على الورق.
اقتصاد الظلّ كجبهة صراع
الحرب السرّية تُدار في جزء كبير منها داخل "اقتصاد الظلّ"؛ هناك حيث تتحرّك مليارات غير خاضعة للضرائب والرقابة والمساءلة. هذه الأموال، التي تأتي من تجارة المخدّرات والاتجار بالبشر والتهريب والصفقات غير المشروعة، لا تبقى في الهامش، بل غالباً ما تعود لتخترق قلب النظام الاقتصادي الرسمي عبر قنوات غسيل الأموال، أو الاستثمار في قطاعات تبدو قانونية ظاهرياً.
حين يلتقي المال القذر مع قرار سياسي هشّ، تتكوّن شبكة مصالح معقّدة يصعب تفكيكها: رجال أعمال يملكون علاقات مع قوى خارجية، مسؤولون محليّون يوفّرون الغطاء القانوني، أطراف مسلّحة تؤمّن الحماية على الأرض، وأذرع إعلامية تبرّر وتلمّع. في هذه اللحظة، تصبح الحرب السرّية أكثر عمقاً من مجرّد "جريمة منظّمة"، لأنّها تتحوّل إلى نمط حُكم موازٍ يعمل من خلف مؤسّسات الدولة، لا إلى جانبها فقط.
الإنسان نفسه كساحة حرب
واحدة من أخطر تجلّيات هذه الحرب هي تحويل الإنسان نفسه إلى ساحة صراع: جسداً وروحاً وقيمة اجتماعية. المخدّرات التي تستهدف الشباب لا تدمّر فرداً واحداً فحسب، بل تضرب أسرة كاملة، وتربك منظومة التعليم والعمل، وتستنزف النظام الصحي. الاتجار بالبشر والأعضاء لا يقتصر على تهريب عبر الحدود، بل يُنتج ثقافة خوف وتفكّك، ويعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة؛ فبدلاً من أن تكون الدولة ملاذاً للحماية، تصبح عاجزة أو متواطئة أمام شبكات تستبيح كرامة الإنسان.
هكذا تُستخدم هذه "السهام السوداء" لتقويض منظومة القيم: من صورة القانون وهيبته، إلى الثقة بالعقد الاجتماعي، وصولاً إلى شعور الأفراد بأمانهم داخل مجتمعاتهم. ومع مزيد من التصدّعات، تزداد قابلية المجتمع للاختراق الدعائي والنفسي، سواء عبر حملات تضليل إعلامي، أو عبر تبنّي سرديّات تبرّر العنف وتراكم الكراهية.
بين التحذير والمسؤولية
في ختام قراءته، يربط أيوب الربيعي بين ما يشهده العالم من "تفتيت للمجتمعات وإثارة للفتن" وبين "دول كبرى تسعى إلى إحكام سيطرتها على القرارين الاقتصادي والعسكري على المستوى الدولي". هذا الربط لا يعني إعفاء الداخل من مسؤوليته، بل العكس؛ فهو يضع أمام الدول المستهدفة تحدّياً مضاعفاً: أن تواجه أدوات الحرب السرّية الخارجية، وأن تُصلح في الوقت نفسه هشاشتها الداخلية التي تجعلها قابلة للاستهداف.
فالدولة التي تريد أن تحصّن نفسها من هذه الحرب بحاجة إلى أكثر من إجراءات أمنية متفرّقة. هي تحتاج إلى منظومة صارمة لمكافحة الفساد وغسيل الأموال، وقضاء مستقلّ قادر على ملاحقة شبكات النفوذ، وسياسات اجتماعية واقتصادية تحاصر بيئات الفقر والتهميش التي تتغذّى منها الجريمة المنظّمة. تحتاج أيضاً إلى إعلام مسؤول لا يكتفي بتغطية "الجرائم" كحوادث متفرّقة، بل يقرأها في سياق أوسع، بوصفها جزءاً من معركة على شكل الدولة ومصير المجتمع.
تحذير الربيعي من "الحرب السرّية" لا يضيف مصطلحاً جديداً إلى قاموس الصراعات فقط، بل يفتح سؤالاً أصعب: كم من الدول تدرك أنّها تخوض هذه الحرب فعلاً، وكم منها ما زال يتعامل مع سهامها السوداء بوصفها "مشكلات اجتماعية" هنا وهناك، لا بوصفها إستراتيجية متكاملة لإعادة رسم موازين القوّة في العالم؟
تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية في بغداد اليوم



