سياسة / عربي ودولي / ملفات خاصة 6-01-2026, 16:25 | --
+A -A

الهدف القادم


فنزويلا البداية فقط.. ما هي قائمة أهداف "سيد المفاجآت" وأيّ رئيس سيعتقل غداً؟

بغداد اليوم - بغداد

في ساعات معدودة، انتقل رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو من قصر الحكم في كاراكاس إلى قاعة محكمة في نيويورك، بعد عملية عسكرية أمريكية معقّدة انتهت باقتياده بالقوّة خارج بلده، تحت عنوان مواجهة "الناركو – إرهاب" وشبكات المخدرات العابرة للحدود. بعد ذلك خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بجملة بدت أشبه ببيان عقيدة جديدة أكثر من كونها تعليقًا عابرًا: "فنزويلا قد لا تكون آخر دولة تتعرّض لتدخّل أمريكي".

على مستوى القانون الدولي، وُصفت العملية في أروقة الأمم المتحدة بأنّها انتهاك صارخ لسيادة دولة عضو في المنظمة، فيما حاولت واشنطن تسويقها كـ"عملية إنفاذ قانون عابرة للحدود" تستند إلى لوائح إتهام سابقة بحق مادورو. لكن ما لفت الأنظار لم يكن الجدل القانوني وحده، بل خفة الطريقة التي جرى بها التعامل مع مفهوم السيادة، وحدّة العبارة التي أطلقها ترامب بعد العملية، والتي بدت وكأنّها إعلان مسبق عن استعداد لاستخدام القوة ضدّ دول أخرى متى ارتأت واشنطن أنّ مصالحها مهدّدة.

بهذا المعنى، تحوّلت جملة واحدة إلى مفتاح لقراءة أوسع: عن جذور التدخّل الأمريكي، وعن فنزويلا كحقل تجارب لعقيدة جديدة، وعن الرسائل الموجّهة للخصوم والحلفاء، وعن معنى السيادة في زمن يُقال فيه صراحة إنّ ما حدث في بلد ما يمكن أن يتكرّر في بلدان أخرى.

جذور عقيدة التدخّل الأمريكية: من "الفناء الخلفي" إلى الكوكب كلّه

ليست فنزويلا الواجهة الأولى في سجل التدخّلات الأمريكية، بل حلقة جديدة في مسار طويل بدأ مبكرًا في أمريكا اللاتينية. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، تعاملت الولايات المتحدة مع المنطقة بوصفها "فناءها الخلفي"، مستندة إلى "مبدأ مونرو" وتفسيراته اللاحقة، التي منحت نفسها عمليًا حقّ منع القوى الأوروبية من التمدّد في القارة، قبل أن يتحوّل هذا المنع تدريجيًا إلى شرعنة ضمنية لتدخّلات مباشرة وغير مباشرة.

من كوبا وغواتيمالا وتشيلي، إلى التدخّل في بنما عام 1989 للإطاحة بمانويل نورييغا، ظلّ القاسم المشترك هو استعداد واشنطن لاستخدام مروحة واسعة من الأدوات: انقلاب عسكري، حصار إقتصادي، عمليات سرّية لوكالة الإستخبارات، دعم مجموعات مسلّحة، أو تدخّل عسكري مكشوف. وتشير دراسات عدّة إلى أنّ الولايات المتحدة نفّذت مئات التدخّلات العسكرية أو الأمنية خارج حدودها عبر تاريخها، مع تزايد ملحوظ بعد منتصف القرن العشرين، واستمرار هذا المنحنى حتى ما بعد الحرب الباردة.

في أمريكا اللاتينية تحديدًا، ارتبط التدخّل غالبًا بحماية مصالح الشركات، ومواجهة الحكومات ذات التوجّهات اليسارية، ومنع تمدّد نفوذ خصومها الدوليين، من الإتّحاد السوفييتي سابقًا إلى روسيا والصين اليوم. الجديد في لحظة فنزويلا ليس في مبدأ التدخّل نفسه، بل في درجة العلنية والصراحة؛ إذ يأتي رئيس أمريكي ليقول بشكل مباشر إنّ ما جرى في بلد معيّن "قد لا يكون الأخير"، في زمن يُفترض أنّ قواعد القانون الدولي فيه أكثر رسوخًا ممّا كانت عليه قبل عقود.

فنزويلا كحقل تجارب لعقيدة ترامب

العملية التي جرت في فنزويلا جمعت بين ضربة عسكرية عالية الدقة وعمل استخباري عميق داخل الدائرة الضيّقة للرئيس، وانتهت بإسقاط رأس النظام ونقله إلى محكمة خارج الحدود. ميدانيًا، بدت الصورة استعراضًا لقدرة لوجستية وإستخبارية، لكن سياسيًا وقانونيًا كانت تحمل معنى أبعد: دولة كبرى تتصرّف بوصفها صاحبة حقّ في ملاحقة رئيس دولة أخرى على أرضه ثم إخراجه لمحاكمته أمام قضائها الوطني.

في الأمم المتحدة، انقسمت المواقف بين من رأى في العملية "عدوانًا" يضرب ميثاق المنظمة في أساسه، ومن حاول تقديمها كجزء من "حرب عالمية على المخدرات" تستهدف نظامًا متّهمًا بالتورّط في شبكات تهريب، لكنّ دقّة الصياغات لم تُخفِ جوهر ما حدث: استخدام للقوّة خارج إطار الدفاع عن النفس أو تفويض مجلس الأمن، مع محاولة لاحقة لتغطيته بمسوّغات قانونية وإعلامية.

على مستوى التفكير الإستراتيجي داخل واشنطن، ظهرت فنزويلا كـ"نموذج مكتمل": عملية محدودة نسبيًا في الوقت والحيّز الجغرافي، لكنّها تحقّق أهدافًا قصوى من وجهة نظر الإدارة؛ إزاحة خصم، توجيه رسالة إلى أنظمة أخرى، وإظهار قدرات أمريكا على العمل منفردة حين تريد. هنا بالضبط تُقرأ عبارة ترامب: كإشارة إلى أنّ هذا النموذج قابل للتكرار، لا في أمريكا اللاتينية وحدها، بل في مناطق أخرى يُنظر إليها في ذهن صانع القرار الأمريكي بوصفها متمرّدة أو معرقِلة لمصالحه.

رسائل ترامب الثلاث: بين الردع الخارجي وتعبئة الداخل

تُظهر قراءة معمّقة لما جرى أنّ التصريح لم يكن منزوعًا من سياقه التاريخي أو الانتخابي. فخبراء في العلاقات الدولية، من بينهم رياض الوحيلي، يشيرون خلال حديث لـ"بغداد اليوم"، إلى أنّ هذا النوع من الخطاب يندرج ضمن ما يمكن تسميته "عقيدة القوة والردع" التي رافقت مسار السياسة الأمريكية طويلاً، لكن ترامب يقدّمها بلسان أكثر مباشرة وأقل تجميلًا.

الرسالة الأولى تتّجه إلى الأنظمة المصنّفة في خانة "الخصوم": مفادها أنّ واشنطن لا تستبعد خيار التدخّل المباشر إذا اعتبرت أنّ مصالحها الإستراتيجية أو الإقتصادية مهدّدة، وأنّ صعوبة البيئة القانونية أو تعقيد الإنتقادات الدولية لن يمنعاها من استخدام القوّة ما دامت كلفة ذلك مقبولة في ميزان الربح والخسارة. الرسالة الثانية تُقرأ في عيون الحلفاء؛ إذ تحمل تطمينًا واضحًا بأنّ الولايات المتحدة ما زالت مستعدّة لتوظيف قوّتها العسكرية في الدفاع عن نفوذها وعن تحالفاتها، بعد سنوات من النقاش حول "التراجع الأمريكي" و"الإرهاق الإمبراطوري".

أمّا الرسالة الثالثة فتتّجه إلى الداخل الأمريكي نفسه. فخطاب الرئيس الذي يلوّح بالقدرة على "تغيير الأنظمة" و"عدم التردّد في التدخّل" يخدم صورة الزعيم الحازم التي يحاول ترامب تكريسها أمام قاعدته الإنتخابية، خصوصًا في لحظات الإستقطاب الحادّ والمنافسة الداخلية. هنا تصبح السياسة الخارجية أداة تعبئة، يتداخل فيها أمن الحدود، ومحاربة المخدرات، ومواجهة "الأنظمة المارقة"، في حزمة واحدة تُقدَّم للناخب على أنّها دليل قوّة وإستعادة لدور أمريكا العالمي.

هذه الطبقات الثلاث تجعل من الجملة القصيرة أكثر من تهديد ظرفي؛ إنّها تلخيص مكثّف لعقيدة تدخّل ترى في نفسها حقًّا في إعادة ترتيب أوضاع دول أخرى حين تتعارض خياراتها مع ما تعتبره واشنطن مصالحها الحيوية.

السيادة تحت الضغط: إعادة تعريف "الخيانة" و"الوطنية"

على الضفّة الأخرى، يسلّط محلّلون مثل سيف الهاشمي الضوء على الآثار الداخلية لمثل هذه العمليات في الدول المستهدفة. فالجدل في فنزويلا اليوم لا يدور حول مادورو وحده، بل حول من تواطأ أو دلّ أو سهّل الطريق أمام القوّات الأمريكية للوصول إلى رأس النظام. في هذا السياق، يُنظر إلى ما جرى بوصفه تهديدًا مزدوجًا: تهديدًا لسيادة الدولة من الخارج، وتهديدًا للنسيج الوطني من الداخل.

تشدّد القراءات التي يتبنّاها هذا التيار على أنّ ما حدث يمثّل كسرًا صريحًا لمفهوم سيادة الدول كما استقرّ في الأدبيات السياسية والقانونية، وأنّه يفتح الباب أمام حالة جديدة يجري فيها التطبيع مع فكرة قدرة دولة واحدة على اعتقال رئيس دولة أخرى متى شاءت. في الوقت نفسه، تُعامَل مسألة التعاون مع التدخّل الخارجي بوصفها خطًا أحمر، حيث ترفع الحكومة الجديدة في كاراكاس شعار "لا مكان للجواسيس داخل الأوطان"، وتعتبر أنّ كلّ من أسهم في توفير المعلومات أو التسهيلات للقوّات المُهاجمة ينتمي إلى خانة واحدة هي خانة "المندسّين والجواسيس".

بهذه الطريقة، تتحوّل العملية من واقعة عسكرية إلى "درس" داخلي قاسٍ حول معنى الوطنية، وحدود الإختلاف السياسي، وحدّة الخط الفاصل بين معارضة النظام والتعاون مع قوّة خارجية لإسقاطه. ومن هنا أيضًا يخرج أثر آخر لتصريح ترامب: إنّه لا يطال حكومات فقط، بل يطال مجتمعات ستعيد النظر في مواقفها من أيّ تداخل بين الداخل والخارج في لحظات الأزمات.

الموجة التالية: كيف تستعدّ الدول التي ترى نفسها في دائرة الخطر؟

حين يقول رئيس دولة كبرى إنّ بلدًا ما "قد لا يكون الأخير" في سلّم التدخّلات، فإنّ عواصم كثيرة تجد نفسها معنيّة بشكل أو بآخر بما قيل، حتى لو لم تُذكر بالإسم. بعض هذه الدول ستنظر إلى ما جرى في فنزويلا باعتباره إنذارًا مبكرًا يدعو إلى إعادة ترتيب الأولويات والتحالفات، وبعضها الآخر قد يرى فيه فرصة لإعادة التفاوض مع واشنطن على شروط أقلّ صدامية.

في المسار الأوّل، يمكن أن نرى مزيدًا من الإندفاع نحو تعزيز الشراكات مع قوى دولية تنافس الولايات المتحدة، مثل روسيا والصين، ليس فقط في مجالات التسليح والطاقة، بل أيضًا في بناء مظلّة سياسية وقانونية تحاول تحصين الأنظمة من أيّ محاولات عزل أو إسقاط. هذا التوجّه يرافقه غالبًا خطاب سيادي حادّ في الداخل، يهدف إلى تجريم أيّ تعاون مع مشاريع التدخّل المحتملة، وإلى رفع كلفة أيّ رهان داخلي على دعم خارجي لتغيير موازين القوى.

في المسار الثاني، قد تسعى أنظمة أخرى إلى "النجاة من القائمة" عبر تقديم تنازلات محسوبة في ملفات معيّنة، إقتصادية أو أمنية أو جيوسياسية، أملاً في الخروج من دائرة الإستهداف المباشر. هنا تصبح السياسات التوفيقية، وإعادة التموضع في الملفات الإقليمية، أدوات لشراء الوقت أو تخفيف حدّة المواجهة.

وفي المسار الثالث، الأكثر خطورة، يمكن أن تتحوّل جملة ترامب إلى عامل إستقطاب داخلي، حيث يتشكّل معسكر يرى في التدخّل الخارجي "فرصة للتغيير" في مواجهة معسكر يعتبره تهديدًا وجوديًا. في هذه الحالة، قد يسبق الإنقسام الداخلي أيّ عملية عسكرية فعلية، وقد يمهّد لها أو يرافقها أو يعمّق آثارها لاحقًا.

عالم تتآكل فيه خطوط عدم التدخّل

تكشف لحظة فنزويلا، بما فيها من صور إنزال، ومرافعات قانونية، وتصريحات حادّة، عن عالم تتآكل فيه تدريجيًا خطوط عدم التدخّل التي صيغت بعد الحرب العالمية الثانية. نظريًا، ما زال ميثاق الأمم المتحدة يضع قيودًا صارمة على استخدام القوّة، لكن الممارسة تشير إلى أنّ دولة تمتلك تفوّقًا عسكريًا وإقتصاديًا تستطيع أن تكسر هذه القيود حين تجد الطريق السياسي والإعلامي المناسب لذلك، ثم تدير تكاليف ما بعد التدخّل بحسب ميزان مصالحها.

في المقابل، تدفع هذه التحوّلات دولًا عديدة، خصوصًا المتوسطة والصغيرة، إلى إعادة النظر في معادلات حماية سيادتها؛ بين من يراهن على القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف، ومن يذهب نحو بناء تحالفات مضادة، ومن يعوّل على مراكمة أوراق قوّة داخلية وخارجية يعتقد أنّها قد تمنع تحويل بلده إلى نسخة جديدة من "النموذج الفنزويلي".

في هذا السياق، تبدو جملة ترامب عن أنّ "فنزويلا قد لا تكون آخر دولة تتعرّض لتدخّل أمريكي" أكثر من مجرّد تهديد موجّه إلى نخبة حاكمة في دولة بعينها؛ إنّها جملة تختبر متانة النظام الدولي برمّته، وتضع أمام الدول التي تشعر بأنّها هشّة سؤالًا صعبًا عن كيفية حماية سيادتها في زمنٍ صارت فيه قرارات التدخّل تُعلَن على الهواء، وتُقدَّم للداخل والخارج في آن واحد بوصفها فعلًا مشروعًا تبرّره اللغة الجديدة للأمن والمصالح.

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

صلاح الدين: إعادة فتح مقطع الحولي تدريجياً أمام الشاحنات الثقيلة

بغداد اليوم - صلاح الدين أعلن مسؤول حكومي في محافظة صلاح الدين، اليوم الجمعة ( 3 نيسان 2026 )، إعادة فتح مقطع الحولي، الذي يُعد جزءاً مهماً من طريق استراتيجي يربط إقليم كردستان بالعاصمة بغداد مروراً بعدد من المحافظات. وقال قائمقام طوز خورماتو، ذو الفقار

اليوم, 16:20