سياسة 7-01-2026, 13:00 | --
+A -A

المفاوضات المغلقة


العراق 2026.. مخاض عسير لولادة "حكومة إنقاذ" ورئيس وزراء "للمهمات الصعبة"

بغداد اليوم - بغداد

مع كل دورة برلمانية تقريبًا، يجد العراق نفسه أمام المشهد ذاته: أسابيع وربما أشهر من المفاوضات المغلقة، وسباق تسريبات عن أسماء المرشحين لرئاسة الوزراء، ثم انسداد سياسي ينتهي غالبًا بمرشّح تسوية لم يكن في مقدّمة الترشيحات. المشهد يتكرّر اليوم داخل الإطار التنسيقي، وسط تأكيدات من قوى سنية على أنّ "الكرة في ملعب الإطار"، وأن لا فيتو على المرشح ما دام قادرًا على إدارة مرحلة معقّدة اقتصاديًا وسياسيًا.

أزمة اليوم: اسم واحد يجمّد المشهد

الباحث في الشأن السياسي محمد علي الحكيم أكد أنّ قادة الإطار التنسيقي يواجهون صعوبة متزايدة في التوصّل إلى اتفاق نهائي بشأن تسمية رئيس الوزراء، ليس بسبب الأسماء المطروحة فحسب، بل بسبب اختلاف الرؤى حول شكل الحكومة المقبلة، وتوازناتها، وطبيعة المرحلة في ظل الضغوط الاقتصادية والأمنية والإقليمية والدولية. داخل الإطار، تتمسك بعض القوى بمرشحين بعينهم انطلاقًا من حسابات النفوذ والوزن السياسي، فيما تدفع أطراف أخرى نحو شخصية "أوسع قبولًا" داخل البيت الشيعي ومع بقية القوى، لتفادي أزمة جديدة تعيد إنتاج الانسداد وتأخير تشكيل الحكومة.

الحكيم يشير إلى أنّ استمرار حالة الانسداد قد يدفع في النهاية نحو خيار "مرشح التسوية"، وهو نمط عرفته الحياة السياسية العراقية أكثر من مرة، حيث يُتّفق على شخصية أقلّ تصادمية، قادرة على إدارة التوازنات واحتواء الخلافات، حتى وإن لم تكن الخيار الأول للكتل المتنافسة. هذا الخيار لا يلغي الخلافات جذريًا، لكنه يقدّم "مخرجًا اضطراريًا" لإنهاء الجمود، تحت ضغط الوقت ومطالب الشارع بتحسين الأداء الحكومي.

على الضفّة الأخرى، يضع النائب السابق عبد الخالق العزاوي المسؤولية مباشرة في ملعب الإطار، مؤكّدًا اليوم الثلاثاء (6 كانون الثاني 2026)، أنّ المجلس السياسي الوطني الذي يضم القوى السنية "لا يملك أي فيتو" على المرشح الذي يطرحه الإطار لرئاسة الحكومة، شريطة أن تتوافر فيه مواصفات جرى تداولها في اللقاءات الأخيرة، من بينها أن يكون "شخصية جديدة، لا يقود كتلة سياسية، ولا يدخل الانتخابات". بالنسبة للعزاوي، الأهم هو تشكيل "حكومة قوية وذات رؤية شاملة" قادرة على التعامل مع أزمة مالية ووضع اقتصادي صعب، يتطلّب قرارات قد تكون جريئة لتصويب مسار الاقتصاد وتأمين تمويل الخزينة، مع حاجة الحكومة إلى غطاء سياسي واسع داخل البرلمان لتنفيذ قرارات موجعة لكن ضرورية.

بهذا المعنى، تبدو عقدة "اسم رئيس الوزراء" اليوم لا تنفصل عن صورة أوسع: بنية نظام سياسي أنتج أكثر من مرة حكومات تسوية بعد أشهر من الانسداد، في مشهد يتكرّر منذ أولى الدورات البرلمانية بعد 2003.

كيف تشكّلت الحكومات السابقة؟ من المالكي إلى السوداني

منذ 2005، لم تمر دورة انتخابية تقريبًا من دون أزمة تشكيل حكومة، وغالبًا ما كان مسار اختيار رئيس الوزراء يسير في طريق مسدود قبل أن يُفتح عبر حلول وسط.

  • 2005 – 2006: بعد أول انتخابات برلمانية دائمة، تشكّل "الائتلاف العراقي الموحّد" بوصفه الكتلة الشيعية الأكبر، وتم ترشيح إبراهيم الجعفري لرئاسة الوزراء. لكن اعتراضات داخلية وإقليمية، وتوتر العلاقة مع القوى الكردية والسنية، دفعت في النهاية إلى استبداله بنوري المالكي مرشحًا توافقيًا داخل الائتلاف، في صيغة مبكرة من "التسوية داخل البيت الشيعي".

  • 2010: بعد انتخابات شديدة التنافس، تصدّرت قائمة "العراقية" بزعامة إياد علاوي عدد المقاعد، فيما تمسّك ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي بحق "الكتلة الأكبر" وتأويلها داخل البرلمان. دخلت البلاد في انسداد استمر نحو ثمانية أشهر، قبل أن تُعقد "اتفاقية أربيل" التي سمحت ببقاء المالكي لولاية ثانية في إطار صفقة مع قوى شيعية وكردية وسنية، قسّمت السلطة على قاعدة أوسع من نتائج الصناديق وحدها.

  • 2014: مع توسّع تنظيم "داعش" وسقوط الموصل، تعرّض المالكي لضغوط داخلية (من قوى شيعية ومرجعية النجف) وخارجية (من شركاء دوليين) للتنحي. تم تكليف حيدر العبادي بتشكيل الحكومة في آب 2014، رغم اعتراض المالكي في البداية، قبل أن يرضخ للضغوط. جاء العبادي مرشحًا من داخل حزب الدعوة، لكنه مثّل عمليًا تسوية اضطرارية لتمرير حكومة يمكن أن تحظى بدعم أوسع في لحظة تهديد وجودي للدولة.

  • 2018: بعد انتخابات أفرزت كتلتين شيعيتين متنافستين (الفتح وسائرون)، دخلت القوى السياسية في مفاوضات طويلة انتهت إلى ترشيح عادل عبد المهدي، بصفته شخصية "مستقلة" نسبيًا وغير منتمية إلى كتلة برلمانية كبيرة. قُدّم بوصفه "مرشح توافق" بين القوى الشيعية الكبرى، مع تفاهمات ضمنية حول تقاسم الوزارات بين الكتل. لكن حكومته جاءت نتيجة صفقة فوقية أكثر من كونها تعبيرًا عن مزاج ناخبين، وسقطت لاحقًا تحت ضغط احتجاجات تشرين 2019.

  • 2020: بعد استقالة عبد المهدي، فشل محمد توفيق علاوي في تمرير حكومته رغم كونه أيضًا "مرشح تسوية"، قبل أن يتم التوافق في كواليس طويلة على مصطفى الكاظمي، القادم من رئاسة جهاز المخابرات، كمرشح أقل تصادمية، يحظى بقبول نسبي من قوى داخلية ودولية، في لحظة كانت تشهد تقاطعًا حادًا بين ضغط الشارع، وصراع واشنطن – طهران، وتحديات اقتصادية خانقة.

  • 2022: بعد انتخابات 2021، عاش العراق عامًا كاملًا من الانسداد بين مشروع "حكومة الأغلبية" الذي طرحه التيار الصدري، ومشروع "التوافق" الذي تبنّاه الإطار التنسيقي. انتهى المسار بانسحاب الكتلة الصدرية من البرلمان، وفتح الطريق أمام الإطار لتسمية محمد شياع السوداني رئيسًا للوزراء، بعد انتخاب رئيس جمهورية جديد، في واحدة من أطول فترات الفراغ الحكومي منذ 2003.

الخيط المشترك بين أغلب هذه المحطات أنّ اسم رئيس الوزراء لم يكن غالبًا نتاج خطّ مستقيم من الصناديق إلى التكليف، بل نتاج تسويات متأخرة بين كتل متنازعة، في إطار نظام سياسي يقوم على تقاسم السلطة أكثر مما يقوم على المعارضة والموالاة بمعناهما الكلاسيكي.

العراقيل المتكرّرة: نظام محاصصة ونصوص مرنة وضغوط متشابكة

أزمة اختيار رئيس الوزراء في كل دورة ليست حادثًا معزولًا، بل تعبير عن مجموعة عراقيل بنيوية تتكرر منذ 2003، من أبرزها:

أولًا، نظام المحاصصة (المحاصصة الطائفية – القومية):
النظام السياسي الذي تشكّل بعد 2003 قام على توزيع المناصب العليا والوزارات بين القوى الشيعية والسنية والكردية على أساس "استحقاق المكوّن" أكثر من استحقاق البرنامج أو الكفاءة. هذا النمط تم تكريسه في كل دورات تشكيل الحكومات، حيث تتحول الوزارات إلى حصص تفاوضية، وتتحول شخصية رئيس الوزراء نفسها إلى جزء من معادلة تقاسم النفوذ داخل المكوّن الشيعي وبين المكوّنات مجتمعة. هذا النظام رسّخ سياسة الهوية، وأضعف إمكان بناء فريق حكومي منسجم، وجعل كل عملية تشكيل حكومة معركة على "الحصة" قبل أن تكون نقاشًا حول "البرنامج".

ثانيًا، غموض بعض النصوص الدستورية وآليات تطبيقها:
المادة (76) من الدستور تحدد مسار تكليف رئيس الوزراء عبر "الكتلة الأكثر عددًا"، لكن تفسير هذه العبارة كان موضع نزاع متكرر: هل المقصود الكتلة الفائزة في الانتخابات، أم التحالف الذي يتشكّل تحت قبة البرلمان بعد إعلان النتائج؟ هذا الغموض فتح الباب أمام صراعات قانونية وسياسية في حكومات 2010 و2014 و2018، وأتاح إنتاج كتل جديدة داخل المجلس تعيد صياغة مفهوم "الأكبر". إلى جانب ذلك، غالبًا ما جرى تجاوز المدد الدستورية لتسمية الرئيس وتكليف رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة، من دون وجود أدوات فعلية لإلزام القوى بالتقيّد بالتوقيتات، ما جعل النص شعاراتيًا أكثر منه آلية صارمة لضبط مسار التشكيل.

ثالثًا، تعدّد مراكز القرار داخل المكوّن الواحد:
على الرغم من أنّ المنصب يذهب تقليديًا إلى مرشح شيعي، إلا أن البيت السياسي الشيعي نفسه ليس كتلة واحدة؛ بل هو مجموعة تيارات وأحزاب وفصائل لكلّ منها حساباته وحلفاؤه الإقليميون ورؤيته لدور الدولة والعلاقة مع الخارج. هذا التعدد يجعل اختيار مرشح واحد يحظى برضى الجميع مهمة شاقة، ويحوّل كل اسم مطروح إلى نقطة تقاطع لضغوط داخلية وخارجية معًا. الأمر ذاته يتكرر – وإن بدرجة أقل – في البيتين السني والكردي، مع تنافس قوى عدّة على من يملك الحق في "التفاوض باسم المكوّن".

رابعًا، التأثير الخارجي المتضارب:
تشكيل الحكومات في العراق غالبًا ما يجري تحت أنظار عواصم إقليمية ودولية، في مقدمتها طهران وواشنطن، فضلًا عن عواصم أخرى، لكل منها حساباته ومخاوفه من اسم دون آخر لرئاسة الحكومة. هذا التأثير لا يعني بالضرورة فرض مرشح بعينه بشكل مباشر، لكنه يرفع أو يخفض أسهم بعض الأسماء، ويؤثر في سقوف المقبول والمرفوض، ويجعل التوافق الداخلي أحيانًا رهينًا لتقاطع إشارات الخارج أكثر من كونه نتاج حوار وطني صرف.

خامسًا، أزمة الثقة بين الشارع والنخب السياسية:
منذ احتجاجات تشرين 2019، أصبح الشارع العراقي أكثر حساسية تجاه أي حكومة تولد من صفقات مغلقة وأسماء لا تعكس تغييرًا حقيقيًا في نمط الحكم. إسقاط حكومة عبد المهدي، والضغط الذي واجهته حكومة الكاظمي، وتوسّع خطاب مقاطعة الانتخابات، كلها عناصر جعلت القوى السياسية أكثر ترددًا في حسم اسم رئيس الوزراء، خشية أن يتحوّل إلى هدف مباشر لغضب الشارع منذ اليوم الأول. لكن في الوقت نفسه، لم تنجح هذه القوى في إنتاج آلية مختلفة فعليًا لاختيار رئيس الحكومة، فبقيت تدور في دائرة "التسويات الفوقية" مع هامش محسّن من محاولة استيعاب النقمة الشعبية.

المهام الصعبة أمام رئيس الوزراء المقبل

أمام رئيس الوزراء المقبل سلّة ثقيلة من الملفات المتراكمة التي تجعل موقعه أبعد ما يكون عن كونه استحقاقًا بروتوكوليًا أو مكسبًا حزبيا، بل مسؤولية مباشرة عن إدارة مرحلة توصف على نطاق واسع بأنّها من الأصعب منذ 2003. في المقدمة يأتي الملف الاقتصادي، حيث تواجه البلاد أزمات متشابكة تتعلق بعجز الموازنة، وتذبذب الإيرادات النفطية، وتضخم فاتورة الرواتب، وتنامي الديون والالتزامات، في وقت يزداد فيه الضغط الشعبي من أجل تحسين مستوى الدخل، وتوفير فرص العمل، ومعالجة تآكل القدرة الشرائية. هذا يفرض على رئيس الوزراء المقبل السير في خط دقيق بين قرارات إصلاحية قد تكون موجعة وغير شعبية من جهة، والحاجة إلى تجنّب صدام مباشر مع الكتل التي اعتادت التعامل مع الدولة بوصفها مصدرًا للغنيمة من جهة أخرى. يضاف إلى ذلك ملف الخدمات والبنى التحتية، ولا سيما الكهرباء والمياه والنقل، وما يرتبط به من تحديات مناخية وبيئية، تجعل أي تلكؤ جديد في هذا المجال وقودًا سريع الاشتعال لاحتجاجات في الشارع.

إلى جانب الاقتصاد والخدمات، سيجد رئيس الوزراء المقبل نفسه أمام ملف أمني وسيادي شائك يتعلق بسلاح الفصائل خارج الإطار الرسمي، وتعقيدات تنظيم العلاقة بين مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية وبين القوى المسلحة ذات النفوذ السياسي، فضلًا عن ضرورة إدارة توازن حساس في العلاقات الخارجية، سواء مع الولايات المتحدة أو إيران أو دول الإقليم، في ظل بيئة دولية مضطربة وصراع محاور لا يتيح هامشًا واسعًا للأخطاء. كما تظل مسألة استعادة ثقة الشارع واحدة من أصعب المهام؛ إذ سيكون مطلوبًا من الحكومة الجديدة أن تقدّم إشارات ملموسة على مكافحة الفساد، وضبط الهدر، وتحسين الأداء الإداري، وإحداث تغيير حقيقي في طريقة إدارة الدولة، لا الاكتفاء بتغيير الأسماء في الواجهة. كل ذلك يجعل من موقع رئيس الوزراء المقبل منصبًا محاطًا بتوقعات عالية وضغوط متزايدة، ويحوّل اختيار الشخص الذي يشغله من مجرّد استحقاق سياسي إلى رهان على قدرة النظام على تجديد نفسه وتفادي الدخول في دورة جديدة من الغضب والانسداد.

ما الذي يعنيه ذلك للأزمة الحالية؟

حين يقول باحث مثل محمد علي الحكيم إنّ الإطار قد ينتهي إلى "مرشح تسوية" جديد، وحين يعلن نائب سابق مثل عبد الخالق العزاوي أنّ القوى السنية لا تضع فيتو على أي اسم يطرحه الإطار شريطة أن يكون "جديدًا، بلا كتلة، وبلا طموح انتخابي مباشر"، فإنّ ذلك يعيد إنتاج المعادلة ذاتها: نخبة تبحث عن شخصية يمكن أن تعبر بين حقول الألغام الداخلية والخارجية، أكثر مما تبحث عن برنامج واضح أو تحالف سياسي مستقر.

الجديد اليوم أنّ الأزمة الاقتصادية وضغط الوقت يضيفان طبقة إضافية من التعقيد؛ فأي تأخير في حسم المنصب يعني تأخيرًا في إقرار حزمة قرارات مالية وإصلاحية يرى كثيرون أنّها صعبة لكنها لا تحتمل التأجيل، في ظل حديث متزايد عن فجوات تمويلية وتحديات في إدارة المال العام.

في نهاية المطاف، يبدو أن سؤال "من هو رئيس الوزراء المقبل؟" في العراق لا ينفصل عن سؤال أعمق: "كيف نختار رئيس الوزراء؟". ما دام الجواب على السؤال الثاني لم يتغيّر جذريًا منذ 2003، سيبقى الجواب على الأول محكومًا بالسيناريو ذاته: أسماء متعدّدة، انسداد طويل، ثم تسوية متأخرة تعيد تشغيل النظام من دون إصلاح جذري لبنيته.

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

برنت بين 95 و130 دولارًا.. سيتي ترسم سيناريوهين لأسعار النفط العالمية

بغداد اليوم - متابعة توقعت مجموعة سيتي المصرفية، اليوم الجمعة (3 نيسان 2026)، أن يبلغ متوسط سعر خام برنت خلال الربع الثاني من العام الجاري نحو 95 دولارًا للبرميل في السيناريو الأساسي، مع إمكانية ارتفاعه إلى 130 دولارًا للبرميل في السيناريو الصعودي.

اليوم, 09:16