بغداد اليوم – بغداد
بين برميل نفط يدور في فلك ستينات الدولار، وموازنة عراقية تعتمد تقريبًا بالكامل على عائدات الخام لتأمين الرواتب والتخصيصات، يدخل العراق عام 2026 وسط مخاوف حقيقية من أن تتحوّل "الأسعار المتوازنة" عالميًا إلى تقشّف إجباري محليًا، ما لم تكن الحكومة قد أعدّت مسبقًا خطّة واقعيّة للتعامل مع سيناريو العجز والديون المتضخّمة.
توازن هش في أسواق النفط العالمية
الحجي يشير إلى تباين واضح في تقديرات نموّ الطلب على النفط؛ فـ وكالة الطاقة الدولية تتوقّع زيادة بحدود 900 ألف برميل يوميًا فقط، بينما ترجّح منظمة أوبك نموًا يصل إلى 1.4 مليون برميل يوميًا، في حين تضع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية وعدد من بيوت الخبرة الاستشارية الزيادة في منطقة وسط بين 1.2 و1.3 مليون برميل يوميًا. هذا الفارق في الأرقام يعكس اختلافًا في قراءة البيانات، لكنه يشترك في نقطة واحدة: لا حديث عن طفرة طلب خارقة تبرّر قفزة كبيرة في الأسعار.
ويربط الحجي السيناريو الأعلى للطلب المتوقّع بتسارع احتياجات الكهرباء لدى شركات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات حول العالم، موضحًا أنّ اللجوء إلى تشغيل محطّات نفطية قديمة أو زيادة الاعتماد على الديزل لتأمين هذه الحاجة يمكن أن يضيف قرابة 150 ألف برميل يوميًا إلى الطلب، وهو مستوى يراه السوق قابلًا للاستيعاب من دون انفجار سعري، خصوصًا مع استعداد أوبك والمنتجين المستقلّين لزيادة الإمدادات عند الضرورة.
رعب "الستينات".. لماذا لا يراهن الخبراء على قفزات سعريّة؟
في قلب المشهد تقف الصين بوصفها لاعبًا حاسمًا في رسم سقف أسعار النفط خلال 2026؛ فبكين تمتلك مخزونات نفطية تجارية واستراتيجية تقدَّر بنحو 1.2 مليار برميل، معظمها من نفوط روسية وإيرانية وفنزويلية أقلّ كلفة من خامات أخرى في السوق. وبحسب الحجي، فإنّ قيام الصين بسحب هذه المخزونات كلّما تجاوز سعر خام "برنت" حاجز 70 دولارًا للبرميل سيعمل كصمّام أمان، يحدّ من أي صعود حادّ ويدفع الأسعار للبقاء ضمن نطاق ستينات الدولار في السيناريو الأساسي.
في المقابل، يستبعد الحجي سيناريو انهيار الأسعار إلى مستويات 30–40 دولارًا للبرميل، معتبرًا أنّ هذه التوقّعات "مبالغ فيها" ولم تتحقّق رغم تكرار الحديث عن زيادة إنتاج أوبك. كما يصف الرهان على موجة ارتفاع كبيرة مدفوعة فقط بطفرة الذكاء الاصطناعي بأنّه رهان غير واقعي، ما لم يترافق مع اضطرابات كبيرة في جانب العرض، مثل حروب واسعة النطاق أو تعطّل مفاجئ في إنتاج دول رئيسية.
خلاصة هذا المشهد أنّ الأسواق تسير نحو عام من الأسعار المتوسطة؛ لا انهيار في القاع ولا قفزة إلى القمّة، بل نطاق سعري "مريح" نسبيًا للمستهلكين العالميين، لكنّه في حالة العراق قد يحمل معنى مختلفًا: تثبيت العجز على أرض صلبة.
موازنة عراقية أسيرة للنفط في عام صعب
على الضفّة العراقية، تبدو موازنة 2026 أكثر هشاشة أمام هذا "التوازن الدقيق". فالدولة ما تزال تعتمد على النفط بوصفه المصدر شبه الوحيد للإيرادات، بينما تبتلع الرواتب والتعيينات والعقود والأجور القسم الأكبر من الإنفاق الجاري، إلى جانب التزامات ثابتة تجاه الإقليم والمحافظات، وخدمة ديون داخلية وخارجية تتنامى تكاليفها بمرور الوقت.
أي بقاء لأسعار النفط في نطاق ستينات الدولار يعني عمليًا استمرار عجز الموازنة، لأن سقوف الإنفاق لم تُبنَ على أساس تقشّف واقعي، بل على منطق "ترحيل المشكلة" من سنة إلى أخرى. فالعراق خرج من تجربة الموازنة الثلاثية 2023–2025 وهو يحمل إرث إنفاق عالٍ، وجداول سنة 2025 نفسها ما تزال موضع جدل وتساؤلات، في وقت يستعدّ فيه لفتح صفحة مالية جديدة من دون أن يغلق حساب الصفحة السابقة بالكامل.
رواتب، ديون، وعجز هيكلي.. من يدفع الفاتورة؟
في ظلّ هذه المعادلة، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا داخل الكواليس الحكومية والبرلمانية: كيف ستُغطّى الرواتب في 2026 إذا بقي النفط في الستينات؟ فخفض بند الرواتب والتوظيف المباشر يحمل كلفة اجتماعية وسياسية عالية، وتأجيل المشاريع الاستثمارية يعني تكريس البطالة وضعف الخدمات، واللجوء إلى الاقتراض يزيد من تضخّم الديون وكلفة خدمتها في السنوات اللاحقة.
أمام الحكومة المقبلة خيارات ضيّقة:
-
الاستمرار في تمويل العجز عبر الاقتراض وتدوير الديون، مع ما يعنيه ذلك من رهن جزء متزايد من الإيرادات المستقبلية لخدمة الفوائد.
-
أو الذهاب إلى إصلاحات غير شعبية؛ مثل مراجعة الإعفاءات والرسوم، وتعزيز الجباية الضريبية والكمركية، وربّما إعادة النظر في بعض أبواب الدعم، وهي خطوات ستنعكس مباشرة على الشارع ما لم تُدار بحذر وشفافية.
طالما بقيت الموازنة أسيرة تقلبات النفط من دون تنويع حقيقي لمصادر الإيراد، سيبقى سؤال "من يدفع الفاتورة؟" حاضرًا مع كل دورة أسعار جديدة، وسيبقى العجز الهيكلي مرشّحًا للتوسع كلّما تراجعت الأسعار عن الفرضيّات المتفائلة التي تُكتب بها قوانين الموازنات.
في ضوء ذلك، لا يبدو "رعب الستينات" مجرّد عنوان اقتصادي، بل إنذار مبكّر لعام قد يفرض على العراق تقشّفًا إجباريًا مهما حاولت الخطابات الرسمية تجميل الصورة. والسؤال المفتوح الآن: هل استعدّت الحكومة فعليًا لسيناريو أسعار متوسطة وعجز متصاعد، أم أنّ موازنة 2026 ستكون حلقة جديدة في سلسلة "تأجيل الصدمة" إلى ما بعد كل استحقاق سياسي جديد؟
تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم



