سياسة / ملفات خاصة 31-12-2025, 16:06 | --
+A -A

رسالة مزدوجة


ما هي ردة فعل أمريكا بعد اقتحام الفصائل لرئاسة البرلمان "دستوريا" ووضعها أمام الأمر الواقع؟

بغداد اليوم – بغداد

مع انتخاب هيئة رئاسة مجلس النواب الجديدة، دخلت العملية السياسية في بغداد مرحلة مختلفة تماماً عمّا سبقها. الجلسة التي انتهت بوصول هيبت الحلبوسي إلى مقعد الرئاسة، وعدنان فيحان إلى منصب النائب الأوّل، لم تكن مجرّد استحقاق بروتوكولي لافتتاح دورة برلمانية جديدة، بل تحوّلت عملياً إلى لحظة إعادة رسم لخريطة السلطة داخل النظام السياسي، ولطريقة إدارة التوازن الحسّاس بين القرار الداخلي والضغوط الخارجية، وعلى رأسها الموقف الأمريكي من نفوذ الفصائل المسلّحة داخل مؤسّسات الدولة. انتخاب رئاسة البرلمان، بهذه التوليفة تحديداً، فتح الباب أمام مرحلة تتداخل فيها شرعية الصندوق مع نفوذ السلاح، وتُختبَر فيها قدرة القوى الشيعية، وفي مقدّمتها الإطار التنسيقي، على فرض خياراتها من داخل المؤسّسات الدستورية لا من خارجها.

رئاسة البرلمان كنقطة انعطاف في ميزان القوى

منذ الجلسة الأولى للبرلمان في دورته الجديدة، بدا واضحاً أنّ الكتل ذهبت إلى حسم رئاسة المجلس وفق معادلة مدروسة: سنياً، فاز مرشّح حزب "تقدّم" هيبت الحلبوسي بـ(208) أصوات من أصل (309) نواب شاركوا في التصويت، ليعود التيار الذي يقوده محمّد الحلبوسي إلى واجهة تمثيل المكوّن السني داخل السلطة التشريعية. شيعياً، ثبّت الإطار التنسيقي حضوره عبر إيصال عدنان فيحان، المحسوب على أحد أبرز الفصائل المسلّحة، إلى موقع النائب الأوّل، في خطوة قرأتها عواصم عدّة على أنّها إشارة مباشرة إلى حجم النفوذ الذي باتت تمتلكه قوى "المقاومة" من بوّابة البرلمان ذاته. أمّا مقعد النائب الثاني، المخصّص للكرد، فما زال ساحة تنافس بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وخصومه، في مشهد يعكس امتداد صراعات الإقليم إلى قلب المؤسّسة الاتحادية.

الإطار التنسيقي واعتبار رئاسة البرلمان "ملفّاً سيادياً داخلياً"

في هذا الإطار، أكّد الباحث والأكاديمي علي الجبوري، أنّ اختيار رئاسة مجلس النواب شكّل محطة مفصلية في إعادة رسم خريطة السلطة السياسية، ليس على مستوى المؤسّسة التشريعية فحسب، بل على مستوى العلاقة بين الداخل العراقي والتأثيرات الخارجية، ولا سيما الأميركية منها.

وقال الجبوري، لـ"بغداد اليوم"، إنّ "الإطار التنسيقي تعامل مع استحقاق رئاسة البرلمان بوصفه ملفاً سيادياً داخلياً، متجاوزاً بشكل واضح الإشارات والاشتراطات غير المعلنة الصادرة عن واشنطن، والتي كانت تفضّل شخصية (توافقية) أقلّ ارتباطاً بالفصائل المسلّحة، بما ينسجم مع رؤيتها لاستقرار المشهد السياسي وتقليص نفوذ القوى المسلّحة داخل مؤسّسات الدولة".

بهذه القراءة، أراد الإطار أن يضع خطاً فاصلاً بين ما يعدّه "حقّاً سيادياً" في اختيار من يمثّله داخل رئاسة البرلمان، وبين ما يعتبره تدخّلاً خارجياً في ترسيم حدود النفوذ داخل الدولة العراقية، حتّى وإن جاء هذا التدخّل بصيغة "تمنّيات" أو "نصائح" لا تُعلن رسمياً.

نائب أوّل محسوب على الفصائل.. رسالة مزدوجة للداخل والخارج

وبيّن الجبوري أنّ "انتخاب نائب أوّل لرئيس البرلمان محسوب على الفصائل المسلّحة يحمل دلالات سياسية عميقة، أبرزها أنّ الإطار التنسيقي بعث برسالة مزدوجة: الأولى للداخل، مفادها أنّ موازين القوى الحالية ما زالت تميل لصالحه وأنّه قادر على فرض خياراته داخل مؤسّسات الدولة الدستورية، والثانية للخارج، وتحديداً للولايات المتّحدة، تؤكّد أنّ القرار البرلماني لم يعد خاضعاً للاشتراطات الخارجية".

واقع الحال يدعم هذه القراءة؛ فعدنان فيحان، الذي ينتمي سياسياً إلى كتلة "صادقون" المرتبطة بعصائب أهل الحق، هو أيضاً اسم حاضر في لوائح الاستهداف السياسية والإعلامية في الخطاب الأميركي، ما يجعل صعوده إلى منصب النائب الأوّل خطوة تحمل بُعداً رمزياً يتجاوز حدود البرلمان نفسه إلى ملفّ العلاقة مع واشنطن، التي تراقب منذ سنوات مسار دمج الحشد الشعبي والقوى المتحالفة معه داخل جسد الدولة.

من امتصاص الضغوط إلى إدارة الصدام الهادئ

وأضاف الجبوري أنّ "هذا التطوّر يعكس انتقال الإطار من سياسة امتصاص الضغوط إلى سياسة إدارة الصدام السياسي الهادئ، عبر استخدام الآليات الدستورية والبرلمانية، بدلاً من المواجهة المباشرة، وهو ما يمنحه شرعية قانونية يصعب الطعن بها دولياً". خلال السنوات الماضية، كان الإطار التنسيقي يميل إلى تجنّب الدخول في مواجهة مباشرة مع المطالب الأميركية والغربية بشأن تحجيم نفوذ الفصائل، فيكتفي بتمرير رسائل التحدّي عبر تصريحات أو مواقف ميدانية متفرّقة، مع الحرص على عدم فتح صدام صريح داخل المؤسّسات الدستورية.

اليوم، يبدو أنّه قرّر نقل هذا "الصدام المؤجّل" إلى داخل القبة البرلمانية نفسها، لكن بأدوات ناعمة: تحالفات، تصويت، احترام للنصاب، والاحتماء بنصوص الدستور والنظام الداخلي للمجلس. بهذه الطريقة، يتحوّل ما كان يُوصَف خارجياً بأنّه "نفوذٌ موازٍ" إلى نفوذ ممهور بختم الصندوق، يصعب الطعن به أمام المجتمع الدولي طالما جرى إنتاجه عبر عمليّة انتخابية رسمية وعلنية.

خريطة السلطة بعد البرلمان.. من يمسك بمفاتيح المرحلة المقبلة؟

على مستوى خريطة السلطة الأوسع، يشير هذا التموضع الجديد إلى معادلة ثلاثية واضحة المعالم: رئاسة البرلمان في يد كتلة سنّية تمثّل امتداداً لمحمد الحلبوسي وحزب "تقدّم"، ورئاسة الجمهورية المقبلة مرجّح أن تكون ساحة مساومة كرديّة – كرديّة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، ورئاسة الوزراء ستظلّ من حصّة الكتلة الشيعية الأكبر التي يتصدّرها تحالف الإعمار والتنمية المتحالف مع الإطار التنسيقي. هذه القسمة، المدعومة بتقليد سياسي ترسّخ منذ عام 2005 يوزّع الرئاسات الثلاث بين الشيعة والسنّة والكرد، تمنح الإطار مساحة واسعة لصياغة "مثلّث حكم" يمزج بين الاستقرار الشكلي للمؤسّسات وبين استمرار نفوذ الفصائل داخل القرار التشريعي والتنفيذي.

وفي ظلّ نتائج الانتخابات التي منحت الأحزاب الشيعية بالمجمل أغلبيّة مريحة تفوق (180) مقعداً، مقابل نحو (70–80) مقعداً للقوى السنيّة وما بين (50–60) مقعداً للأحزاب الكردية، يصبح التفاهم الشيعي – السني على رئاسة البرلمان، والشيعي – الكردي على رئاسة الجمهورية، المدخل الحقيقي لرسم شكل الحكومة المقبلة وحدود قدرتها على الحركة بين واشنطن وطهران.

شرعية دستورية أم نفوذ فعلي؟ معادلة الإطار الجديدة

وتابع الجبوري أنّ "خريطة السلطة الحالية تتّجه نحو تثبيت معادلة الشرعية الدستورية مقابل النفوذ الفعلي، حيث تسعى القوى المنضوية في الإطار إلى دمج نفوذها السياسي والعسكري ضمن مؤسّسات الدولة، بما يقلّل من فرص عزلها أو محاصرتها خارجياً". عملياً، يعني هذا أنّ الإطار يريد أن ينتقل من وضع تُوصَف فيه الفصائل بأنّها "قوّة موازية" أو "خارج الدولة" إلى وضع تصبح فيه ممثَّلة سياسياً داخل الكتل الكبرى، وحاضرة في مفاصل حسّاسة من البرلمان والحكومة، بحيث يغدو أي مسعى خارجي لعزلها أو إدراجها في قوائم تضييق أوسع، مسعى يصطدم مباشرة بالواقع الدستوري الذي تفرضه صناديق الاقتراع. هنا، لا يعود النقاش يدور فقط حول "سلاح خارج الدولة"، بل حول قوى تمتلك سلاحاً وخطاباً وتحالفات انتخابية، وتجلس في الوقت نفسه على مقاعد رئاسة البرلمان أو لجانه السيادية، ما يجعل سؤال "من هي الدولة؟" أكثر التباساً من أيّ وقت مضى.

العلاقة مع واشنطن.. اختبار مبكّر في البرلمان

هذا التحوّل يفتح تلقائياً ملفّ العلاقة مع الولايات المتّحدة على اختبار مبكّر. فالعواصم الغربية، التي تقرأ صعود عدنان فيحان إلى موقع النائب الأوّل بعين القلق، ستراقب عن قرب كيف يتصرّف البرلمان الجديد في ملفات حسّاسة مثل قانون تنظيم وجود القوّات الأجنبية، وصياغة الإطار القانوني النهائي للحشد الشعبي، والتشريعات المرتبطة بالعقوبات والتعاملات المالية مع واشنطن. إذا اتّجهت رئاسة البرلمان إلى تسريع قوانين تعزّز موقع الفصائل وتقلّص مساحات المناورة أمام الحكومة في التفاهم مع الجانب الأميركي، فسنكون أمام جولة جديدة من الشدّ والجذب بين بغداد وواشنطن، لكن هذه المرّة داخل قاعة البرلمان، لا فقط عبر رسائل غير مباشرة في الإقليم أو على خطوط التماس مع القواعد العسكرية. أمّا إذا سعى الإطار إلى استخدام موقعه الجديد كورقة تفاوض، يلوّح بها من أجل انتزاع تنازلات اقتصادية أو سياسية، فستدخل البلاد مرحلة مساومات طويلة، تكون فيها كلّ جلسة تصويت اختباراً لتوازن دقيق بين الحاجة إلى الدعم الدولي والرغبة في تثبيت "استقلال القرار" عن هذه الضغوط.

توازن هشّ بين الدولة والفصائل في المرحلة المقبلة

وختم الباحث والأكاديمي قوله إنّ "المرحلة المقبلة ستشهد اختباراً حقيقياً لهذه المعادلة، خصوصاً في ملفات العلاقة مع واشنطن، والتشريعات الحسّاسة داخل البرلمان، وحدود التوازن بين الدولة والفصائل، كما يجب الحذر من أنّ أيّ تصعيد خارجي أو داخلي قد يعيد خلط الأوراق من جديد إذا لم تُدار هذه التوازنات بحذر سياسي عالٍ". فخريطة السلطة التي تتشكّل اليوم حول رئاسة البرلمان لن تبقى معزولة عن الشارع، ولا عن الأزمات الاقتصادية والمالية، ولا عن ملفّ الأمن الإقليمي المفتوح من غزّة إلى الخليج. نجاح الإطار في إدارة "الصدام الهادئ" عبر أدوات دستورية قد يمنحه اعترافاً أوسع بشرعيّته كلاعب أوّل داخل النظام، لكن أيّ خطأ في حساب قوّة الخصوم، أو سوء تقدير لحدود صبر الشارع، أو تغيّر مفاجئ في مزاج العواصم المؤثّرة، كفيل بأن يحوّل هذا التوازن إلى نقطة هشّة جديدة في مشهد عراقي لم يخرج بعد من إرث الانقسامات والتسويات الهشّة. وفي انتظار ما ستكشفه الاستحقاقات المقبلة من انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء، تبدو رئاسة البرلمان اليوم المرآة الأولى التي تنعكس عليها ملامح الجمهوريّة العراقية في نسختها التالية: جمهوريّة تحاول أن تجمع بين شرعية النصوص ووقائع القوّة على الأرض، من دون أن تسقط مرّة أخرى في فخّ انهيار الثقة بين الدولة ومواطنيها.

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14