بغداد اليوم – بغداد
استقرار معلن في المؤشرات، وموت غامض يضرب قلب المؤسسات التي يفترض أن تحرس هذا الاستقرار؛ هكذا يبدو المشهد العراقي في أسابيعه الأخيرة من عام 2025، بين بيانات رسمية تتحدث عن عام هو "الأفضل أمنيا منذ سنوات طويلة"، وبين أخبار متقطعة عن ضباط في المخابرات والأمن الوطني والشرطة يُعثر عليهم قتلى في منازلهم أو داخل مقراتهم، تحت عناوين الانتحار أو الحوادث العرضية. في كل مرة يظهر خبر من هذا النوع، لا يذهب خيال الشارع إلى الأسباب العائلية أو الضغوط الشخصية بقدر ما ينفتح على سؤال واحد ثقيل: هل نحن أمام انتحار فردي فعلا، أم أمام تصفية مُحكمة أُلبست ثوب الانتحار كي تمرّ بهدوء؟
استقرار معلن وموت غامض داخل الأجهزة الأمنية
في لغة الأرقام، يتراجع منسوب الهجمات الإرهابية الكبرى، وتختفي مشاهد السيارات المفخخة الواسعة التأثير عن يوميات المدن، وتستقر نسب كبيرة من الجرائم المنظمة في مستويات أدنى مما كانت عليه قبل سنوات. هذا الوجه من الصورة يمنح السياسيين ومسؤولي الأمن مساحة واسعة للحديث عن إنجازات العام، وعن تحوّل واضح في قدرة الدولة على ضبط أمن المدن والطرق والحدود. لكن الوجه الآخر، الأقل تمثلا في البيانات الرسمية، يطل عبر سلسلة حوادث تخص ضباطا في أجهزة سيادية وحساسة، ينتهي بعضها بجملة مقتضبة: "فتح تحقيق لمعرفة ملابسات الحادث"، ثم يبتلع الصمت كل شيء. هنا بالتحديد يتكسر الإحساس السلس بالاستقرار، إذ يشعر جزء من الرأي العام بأنّ السكون الظاهر يخفي قلقا مزمنا داخل أجساد المؤسسات نفسها.
رواية ياسر وتوت عن عام 2025
وسط الجدل المتصاعد حول ما إذا كانت هناك "اغتيالات منظمة" تستهدف الضباط، يقدّم النائب ياسر وتوت رواية مضادة لما يجري تداوله في المنصات ودوائر الشك الشعبي. يقول وتوت في حديثه لـ"بغداد اليوم" إنّ "الوضع الأمني في العراق خلال عام 2025 يُعدّ الأفضل منذ سنوات طويلة، وشهد تحقيق سلسلة من الإنجازات، لاسيما في ملفي مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة"، مبينا أنّ "الاستقرار والطمأنينة شكّلا السمة الأبرز للعام الجاري الذي نقترب من نهايته". ويؤكد أنّ "الحديث عن وجود اغتيالات منظّمة استهدفت ضباط القوات الأمنية خلال الأشهر الماضية غير صحيح، ولم يُسجَّل أي مؤشر بهذا الاتجاه". وبشأن حادثة مقتل ضابط في مدينة الحلة يوم أمس، يوضح وتوت أنّها "تخضع الآن للتحقيق من قبل الأجهزة الأمنية المختصة، وسيُصدر بيان رسمي يوضح حيثياتها خلال الفترة المقبلة"، لافتا إلى أنّ "البعض يبالغ في توصيف بعض الحوادث دون انتظار نتائج التحقيقات". ويختم بالقول إنّ "المحصلة النهائية تُحدَّد من خلال نتائج التحقيقات الرسمية، لكن بشكل عام، يبقى الوضع الأمني في العراق مستقرا ويُعد الأفضل منذ سنوات".
هذه المقاربة البرلمانية تنطلق من قراءة شاملة للملف الأمني كما يظهر في تقارير العمليات والاستخبارات والجرائم المنظمة، لكنها تصطدم في الوقت نفسه بذاكرة قريبة مثقلة بحوادث لم تغادر خيال العراقيين بعد؛ حوادث ضباط قيل إنهم "انتحروا" في منازلهم أو داخل وحداتهم، ثم طويت ملفاتهم بسرعة، من دون أن يخرج إلى الضوء أي تقرير مفصل عن الطب العدلي أو التحقيق الجنائي. بين هذا الخطاب الرسمي الذي يطمئن، وخطاب الشارع الذي يميل إلى الشك، يتكوّن فراغ كبير تسكنه علامات استفهام لا تعالجها عبارة عامة من نوع "ننتظر نتائج التحقيق".
"انتحار الضباط" في ذاكرة العراقيين
مفردة "انتحار" حين تُقرن بضابط مخابرات أو أمن في العراق لا تصل إلى أذن المتلقي محايدة أو بسيطة؛ فهي محمّلة بإرث طويل من الحروب السرية والاغتيالات المقنّعة. ذاكرة الناس لم تنس بعد حوادث ضباط أُعلن عن انتحارهم في ظروف غامضة، ولا الإشارات التي صدرت في بعض المنصات الإعلامية القريبة من فصائل مسلحة وهي تلوّح بحوادث مثل "انتحار الزعفرانية" كأنها رسائل انتقامية مموّهة. في تلك الرسائل، جرى التلميح إلى أنّ ضابطا في جهاز حساس لم يُقدم على إنهاء حياته من تلقاء نفسه، بل جرى إسكات صوته وإخراج المشهد على أنّه انتحار. هذا النوع من الخطاب، حتى لو جاء على هيئة تلميحات، يكفي لتثبيت فكرة أن عنوان "الانتحار" قد يُستخدم، في بعض الحالات، كستار سياسي وأمني لتصفية ضباط يمتلكون معلومات محرجة أو محرّكة للتوازنات.
في السنوات الأخيرة تكررت الأخبار عن ضباط ومراتب عسكريين عُثر عليهم مقتولين داخل مقراتهم أو في بيوتهم أو خلال واجباتهم، مع روايات متشابهة: خلافات عائلية، ضغوط نفسية، ظروف مالية قاسية، ثم عبارة "والتحقيق مستمر لمعرفة الأسباب". في أغلب تلك الملفات، لا يعود الرأي العام ليسمع شيئا؛ لا مؤتمر صحفيا يشرح، ولا تقريرا مفصلا يقدّم رواية موثّقة لما حدث. هذه الفجوة بين الحادثة وبين السرد الرسمي النهائي تسمح للشك أن يتغذى، حتى حين يكون ما حدث انتحارا فعليا لا شبهة اغتيال فيه.
الضغوط النفسية والاقتصادية في حياة الضابط
رغم سطوة فرضية "التصفية المقنّعة"، إلّا أنّ تجاهل الجانب الإنساني والنفسي في حياة الضباط يقدّم صورة ناقصة للواقع. عشرات الآلاف من الضباط والمنتسبين قضوا سنوات طويلة في مواجهة تنظيمات إرهابية شرسة، تنقلوا بين الجبهات، شاهدوا زملاءهم يسقطون، وتعرّضوا لصدمات متكررة من دون منظومة متكاملة للرعاية النفسية. يعود الضابط من واجب شاق إلى منزل ضيق في مدينة مزدحمة، يواجه أعباء المعيشة، والأقساط والديون ومتطلبات العائلة، وسط تآكل مستمر في قيمة الراتب، وغياب واضح لبرامج دعم منظم تلتقطه قبل أن يهوي.
هذا الضغط المركّب، حين يُضاف إليه شعور بعدم الاستقرار الوظيفي، والخوف من النقل أو الإقصاء أو التهميش، يمكن أن يتحول في بعض الحالات إلى حالة يأس قصوى تدفع صاحبها إلى التفكير بالانتحار. لكن المجتمع الذي ما يزال ينظر إلى "المرض النفسي" كوصمة، والمؤسسة العسكرية التي لا تُقر علنا بحاجة منتسبيها إلى علاج نفسي دوري، يجعلان الطريق إلى المساعدة مغلقا في عيون كثيرين. النتيجة أن أي انهيار فردي يتحول إلى مأساة صامتة، ثم إلى خبر عابر، ثم إلى مادة لتكهنات لا تنتهي.
الفساد وشبكات المصالح داخل المنظومة الأمنية
ما يزيد قتامة الصورة أنّ بعض كبار الضباط ليسوا فقط ضحايا للضغط، بل فاعلين أو أطرافا في شبكات مصالح معقّدة؛ من عقود التسليح والإطعام، إلى حماية المنافذ، إلى التغطية على عمليات التهريب أو حماية خطوطه. شهادات ضباط متقاعدين وخبراء في الشأن الأمني تتحدث عن نسب ثابتة تُقتطع من قيمة ما يُمنح من عقود لمصلحة جهات نافذة، وعن مكاتب اقتصادية تتقاسم كعكة المنافذ والتهريب والمشاريع، وعن شبكة غير مرئية من المصالح تجعل من بعض الضباط عقدة في مسار الأموال والنفوذ.
في هذا العالم، الضابط الذي يملك تفاصيل الأرقام، أو يحتفظ بوثائق عن مسارات المال، أو يقرر فجأة التعاون مع جهة تحقيق، يصبح عبئا على أطراف أكبر منه. أحيانا يُساق إلى حافة الانتحار عبر الضغوط والابتزاز والتهديد بفضح ملفات شخصية أو مالية. وأحيانا أخرى يُرفع من المشهد نهائيا عبر "حادث" متقن الإخراج، يُغلق سريعا تحت عنوان الانتحار أو النزاع الشخصي. هنا تتحول الحدود بين الانتحار والاغتيال إلى خط رفيع للغاية، خصوصا حين تغيب آلية تحقيق مستقلة وشفافة، وتغيب معها أي مساءلة حقيقية تكشف للرأي العام ما إذا كان الضابط الذي مات كان فاسدا متورطا، أم شاهدا مزعجا، أم ضحية انهيار نفسي لا أكثر.
غياب الشفافية وتآكل الثقة بالتحقيقات
في قلب هذا كله، تقف مشكلة مركزية تكرّس الشك بدل أن تبدده: غياب الشفافية المنهجية في التعامل مع حالات وفاة الضباط داخل الأجهزة الحساسة. في الغالب، يصدر بيان مقتضب عن مديرية أو قيادة يعلن "فتح تحقيق"، ثم يذوب كل شيء في صمت طويل. لا مؤتمر صحفيا يقدّم خلاصة التحقيق، ولا تقريرا علنيا يشرح للرأي العام تسلسل الأحداث، ولا حتى تقليدا مؤسسيا لتحويل هذه الحالات إلى دروس تُبنى عليها سياسات جديدة في التدريب أو الدعم النفسي أو الحماية القانونية.
في مثل هذه البيئة، تصبح دعوة النائب ياسر وتوت إلى الاحتكام لنتائج التحقيقات الرسمية نصف خطوة فقط. فنتيجة التحقيق التي لا تُعلن ولا تُشرح ولا تُناقش خارج الغرف المغلقة تفقد جزءا كبيرا من قيمتها في ترميم الثقة. الضابط نفسه، قبل المواطن، يحتاج أن يشعر بأنّ مؤسسته ستدافع عن سمعته وحياته إذا تعرض لظلم، وأنّ موته لن يُختزل في سطر غامض عن "حادث تحت التحقيق" يختفي لاحقا من التداول. من دون هذا الإحساس، يبقى كل حديث عن "أفضل عام أمني" متعلقا بسقف العمليات الميدانية، من دون أن يلامس القاع العميق لمعنويات من يحرسون هذا الاستقرار.
كيف يتحول "الاستقرار الأمني" إلى واقع محسوس؟
بين خطاب يعلن أنّ عام 2025 هو الأكثر أمنا منذ سنوات، وخريطة حوادث متفرقة تقتل ضباطا بطرق غير مفهومة للرأي العام، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة تعريف معنى "الاستقرار الأمني". فاستقرار الشارع من التفجيرات لا يكفي وحده إن كان مقرونا بقلق صامت داخل الأجهزة، واستقرار المؤشرات الرقمية لا يترسّخ إذا ظلّت ملفات موت الضباط تُدار بمنطق التجاهل أو التسويف. التحوّل الحقيقي يبدأ عندما تُقر الدولة بأنّ كل وفاة لضابط في جهاز سيادي هي قضية رأي عام، وأنّ الطريق إلى إغلاق أي ملف يمر عبر تحقيق مهني مستقل، وبيان واضح، ومسار قضائي لا يخضع للمساومات السياسية.
إلى جانب ذلك، يحتاج الضباط إلى منظومة حماية متكاملة: حماية قانونية لمن يقتربون من ملفات حساسة، وحماية أمنية لمن يتعرضون لتهديدات مباشرة، وحماية نفسية واجتماعية تعترف بإنسانيتهم قبل رتبهم. عندها فقط يمكن لعبارة "الوضع الأمني في العراق مستقر ويُعد الأفضل منذ سنوات" أن تتجاوز حدود المقابلات التلفزيونية والبيانات، وتتحول إلى شعور ملموس في حياة الضابط داخل مقرّه، وفي يوميات المواطن وهو يقرأ خبر وفاة ضابط من دون أن يسأل تلقائيا: هل انتحر حقا، أم أغتيل تحت ستار الاستقرار؟
تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات