بغداد اليوم – بغداد
دخل نظام البيان الكمركي المسبق حيز التنفيذ اعتبارا من 1 كانون الأول 2025 بوصفه أحد المفاتيح الجديدة لتنظيم الاستيراد وربط مسار البضاعة بالمسار المالي، في خطوة تستهدف تقليل الفجوات التي استغلت سابقا بين التحويلات الخارجية وعمليات دخول السلع، ورفع كفاءة الجباية والتدقيق ضمن مشروع أتمتة إجراءات الكمارك وربطها بأنظمة العمل الكمركي.
ما المقصود بـ"التصريح المسبق" اقتصاديا؟
عمليا، يعني التصريح المسبق إلزام المستورد بتحديد حالة معاملته بدقة: هل البضاعة دخلت أولا ثم سيحول المبلغ؟ أم العكس؟ وهل العملية تمت قبل تاريخ 2025/12/1 أو بعده؟
هذا التفصيل لا يبدو شكليا، لأن جوهر النظام يقوم على المطابقة: ربط التحويل ببضاعة محددة، وربط البضاعة بتحويل محدد، حتى لا تبقى التحويلات منفصلة عن حركة الاستيراد الفعلية.
التصنيف الذي يشمل جميع الحالات: 3 رموز
وفق صيغة التصريح المتداولة، فإن النظام يغطي كل الاحتمالات عبر ثلاثة رموز رئيسية:
الرمز (01) | استيراد بعد 2025/12/1
يشمل أي عملية استيراد تمت بعد 2025/12/1، سواء كان تحويل المبلغ قبل وصول البضاعة أو بعد وصولها.
هذه الفئة تمثل المعاملات الجديدة بعد بدء التفعيل، وتخضع منذ البداية لاشتراطات البيان المسبق بوصفه جزءا من مسار التخليص والتحويل.
الرمز (02) | استيراد قبل 2025/12/1 والتحويل يحصل الآن
يشمل البضائع التي تم استيرادها قبل 2025/12/1 لكن التحويل المالي يتم الآن فقط.
هنا يبرز شرط المطابقة لمنع تمرير تحويلات تحت عنوان استيراد سابق من دون ما يثبت ارتباطها ببضاعة دخلت فعلا.
الرمز (03) | التحويل قبل 2025/12/1 والبضاعة تدخل الآن
يشمل الحالات التي تم فيها تحويل المبلغ قبل 2025/12/1 بينما دخول البضاعة يحصل الآن فقط.
ويشترط أيضا تحقق المطابقة لضمان أن الشحنة الداخلة تقابلها تحويلات مثبتة، وبما يمنع تضارب الملفات بين ما قبل التفعيل وما بعده.
لماذا و ضعت المطابقة تحديدا في (02) و(03)؟
لأن (02) و(03) هما أكثر نقطتين كانتا تاريخيا قابلتين للتلاعب، ليس بسبب طبيعة الاستيراد بحد ذاته، بل بسبب الفاصل الزمني بين المال والبضاعة. في الحالة (02) البضاعة دخلت مسبقا، والتحويل يحصل لاحقا، وهذا يفتح بابا واسعا لأن يتحول "استيراد سابق" إلى مظلة تمرر تحتها تحويلات جديدة لا ترتبط فعليا بتلك الشحنة، أو ترتبط بجزء منها فقط، أو تعاد كتابتها على أكثر من معاملة، خصوصا إذا كانت البيانات ناقصة أو لا توجد سلسلة وثائق مكتملة.
أما في الحالة (03) فالعكس تماما: المال خرج سابقا، والبضاعة تدخل لاحقا، وهنا تظهر ثغرة أخرى: أن تكون التحويلات قد نفذت على عنوان استيراد، ثم تتأخر البضاعة أو تتغير مواصفاتها أو كمياتها أو فواتيرها، أو تدخل ببيانات مختلفة عن تلك التي خرج المال على أساسها. لهذا تفرض المطابقة كي لا تبقى "الحلقة المفقودة" بين التحويل ودخول الشحنة، ولكي لا يتحول تأخر الشحن أو اختلاف بياناته إلى مساحة رمادية داخل السوق.
المطابقة هنا ليست تفصيلا بيروقراطيا، بل محاولة لبناء "سلسلة أثر" للعملية: رقم معاملة، وثيقة شحن، إجازة استيراد، بيان كمركي، وفاتورة، ثم تحويل. أي خلل في هذه السلسلة يعني أن النظام القديم ما زال يتنفس عبر نافذة صغيرة.
ماذا يترتب على التاجر والمخلص؟
عمليا، التاجر والمخلص سيتعاملان مع الاستيراد بوصفه ملفا واحدا لا أجزاء منفصلة. أي تأخير بسيط في وثيقة أو اختلاف في اسم مادة أو وزن أو بلد منشأ قد ينعكس فورا على المطابقة، ومن ثم على التخليص أو التحويل. وهذا يدفع إلى ثلاث نتائج مباشرة:
أولا، ارتفاع أهمية "التحضير المسبق" للملف: أن تكون وثائق الشحن والفواتير وإجازات الاستيراد وتفاصيل البضاعة متطابقة حرفيا، لأن أي اختلاف قد يوقف المعاملة أو يعيدها إلى نقطة التدقيق.
ثانيا، أن المخلص سيضطر إلى توحيد لغة البيانات بين التاجر والناقل والكمرك والمصرف، بمعنى أن ما يكتبه المورد في الفاتورة يجب أن ينعكس على وثيقة الشحن ثم على البيان الكمركي، وصولا إلى معاملة التحويل. أي اختصار أو تساهل كان يمر سابقا سيصبح مكلفا زمنيا اليوم.
ثالثا، أن المواد سريعة الدوران ستصبح الأكثر حساسية: الغذاء، الأدوية، المستلزمات الموسمية، قطع الغيار. لأن كلفة "يوم واحد" من التأخير هنا ليست إدارية فقط، بل كلفة سوق، وخسارة منافسة، وربما غرامات نقل وتخزين.
أثر متوقع على السوق والدولار
الفكرة الأساسية التي يراهن عليها مؤيدو النظام هي تقليل الطلب غير الحقيقي على الدولار عبر قصر التحويلات على ما يمكن إثباته بوثائق استيراد قابلة للتدقيق. بمعنى آخر، كلما صار التحويل مرتبطا بسلسلة وثائق، تقل مساحة "التحويلات التي لا تملك شحنة" أو "شحنة لا تملك أثر مالي واضح"، وهذا نظريا يخفف ضغط الطلب على العملة، ويحد من المضاربة التي تعيش على الفوضى والفراغات.
لكن الأثر ليس خطيا ولا فوريا، لسبب بسيط: إذا تعثرت المطابقات أو تباطأت الإجراءات، قد ينشأ أثر معاكس على المدى القصير، يتمثل بزيادة كلفة الاستيراد بسبب التأخير، وارتفاع أسعار بعض السلع نتيجة التعطيل، ما قد يخلق موجة طلب إضافية أو سلوكا احترازيا لدى التجار.
الخلاصة أن النظام قد يدفع باتجاه سوق أكثر انضباطا وطلب أدق على الدولار، بشرط أن تكون "المطابقة" سريعة وعادلة وواضحة، وأن لا تتحول من أداة ضبط إلى عنق زجاجة يغلق الاستيراد بدلا من تنظيمه.
الخلاصة
نظام التصريح أو البيان المسبق لا يضيف ورقة جديدة فقط، بل يعيد رسم العلاقة بين المال والبضاعة عبر ثلاثة مسارات واضحة:
الرمز (01) معاملات جديدة بعد 2025/12/1.
الرمز (02) بضاعة قديمة وتحويل جديد مع مطابقة.
الرمز (03) تحويل قديم وبضاعة جديدة مع مطابقة.
والنتيجة التي ستقاس في السوق ليست بعدد الرموز، بل بقدرة التطبيق على تحقيق معادلة صعبة: رقابة أشد من دون تعطيل التجارة.
تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - متابعة كشف تقرير نشرته ميدل إيست نيوز، اليوم الاربعاء ( 25 آذار 2026 )، أن التوقف المفاجئ للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تنفيذ ضربات عسكرية واسعة ضد إيران جاء بعد تحذيرات مباشرة من دول الخليج، التي أكدت أن الحرب تتجه نحو مرحلة أشد خطورة،