بغداد اليوم – بغداد
في خطوة أثارت صدى واسعًا في الساحة العربية والدولية، أعلنت إسرائيل اعترافها رسميًا بإقليم صومالي لاند كدولة مستقلة، في إطار ما وصفته "روح اتفاقيات إبراهيم"، بتوقيع مشترك بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير خارجيته جدعون ساعر، ورئيس صومالي لاند. خطوة تبدو سياسية على السطح، لكنها في جوهرها تعكس استراتيجية أوسع لإسرائيل تهدف إلى توسيع نفوذها الجيوسياسي في منطقة حساسة، تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية، وتستهدف بشكل مباشر إعادة رسم موازين القوى في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، المحور الحيوي للملاحة الدولية والطاقة العالمية.
القرار الإسرائيلي جاء في توقيت دقيق، يعكس رغبة تل أبيب في تثبيت موطئ قدم دائم بالقرب من خطوط الملاحة الحيوية، وضمان قدرة استخبارية وعسكرية على مراقبة الفاعلين الإقليميين الرئيسيين، في ظل تصاعد التنافس بين القوى الإقليمية الكبرى، ولا سيما إيران وتركيا والسعودية، فضلاً عن الدور الأمريكي المتغير في المنطقة. وفي الوقت ذاته، يُرسل الإعلان رسالة واضحة إلى القوى الإفريقية والجهات الدولية بأن إسرائيل تسعى لتعزيز حضورها بعيدًا عن حدودها التقليدية، مستخدمة أداة الاعتراف السياسي لتثبيت مصالحها الاقتصادية والأمنية، واستثمار الفراغات الاستراتيجية في المناطق الضعيفة أو التي تعاني من نزاعات داخلية، كما في حالة الصومال الفيدرالي.
المحللون يرون أن الخطوة الإسرائيلية تتجاوز الاعتراف الرمزي، لتصل إلى أهداف عملية وعسكرية مباشرة، أبرزها تأمين خطوط الملاحة التجارية، مراقبة المعابر البحرية، وإقامة شبكة استخباراتية قادرة على رصد تحركات القوى الإقليمية. وفي هذا السياق، يعكس القرار محاولة لإضعاف التأثير التركي والإيراني في القرن الإفريقي، وإبراز قدرة إسرائيل على توظيف النفوذ الدبلوماسي والعسكري لتحقيق أهداف بعيدة المدى، بما يشمل التوسع في القواعد البحرية أو النقاط اللوجستية التي تسمح لها بالتموضع في المحيط الأفريقي.
رد الفعل العربي الرسمي جاء سريعًا، حيث أعرب العراق ومصر وتركيا والصومال وجيبوتي عن رفضهم القاطع للخطوة، مؤكدين أن الاعتراف يخرق مبادئ القانون الدولي، وينتهك سيادة الدول ووحدة أراضيها. وأكد الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط أن القرار يمثل خرقًا صارخًا للمواثيق الدولية، ويُثير مخاطر على استقرار المنطقة، حيث يمكن أن يُستغل كسابقة لتشجيع النزعات الانفصالية في مناطق أخرى، سواء في إفريقيا أو الشرق الأوسط.
الخبير في الشؤون الاستراتيجية جاسم الغرابي وصف الخطوة الإسرائيلية بأنها جزء من مشروع أوسع لتوسيع النفوذ السياسي والعسكري، مضيفًا أن الاعتراف بصومالي لاند ليس سوى البداية لاستراتيجية طويلة الأمد تستهدف إعادة رسم خطوط السيطرة على البحر الأحمر، وتأمين مواقع استراتيجية لمراقبة حركة السفن والطاقة، ولإقامة قواعد استخباراتية تخدم المصالح الإسرائيلية وتفرض حضورًا دائمًا في قلب القرن الإفريقي.
وقال الغرابي لـ "بغداد اليوم" ان "الخطوة الإسرائيلية لا يمكن قراءتها بمعزل عن المشروع الأمني والعسكري لإسرائيل خارج حدودها التقليدية ضمن الأراضي المحتلة، والاعتراف بأرض الصومال يأتي في إطار توسيع النفوذ الجيوسياسي في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم".
وبيّن أن "الموقف العراقي الرسمي، المنسجم تاريخيًا مع مبدأ احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وهو رافض لأي اعتراف أحادي بكيانات انفصالية خارج إطار الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة، والعراق يدعم وحدة الصومال كدولة عضو في الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي".
وأضاف أن "سياسة العراق الخارجية تقوم على رفض المساس بوحدة الدول العربية والإفريقية، والتحذير من سابقة خطيرة قد تُستغل لاحقًا لتشجيع النزعات الانفصالية في مناطق أخرى من العالم، بما فيها الشرق الأوسط".
وحذر من أن "الغايات الإسرائيلية تتجاوز الاعتراف السياسي، لتصل إلى أهداف عسكرية وأمنية واضحة، أبرزها: (تأمين موطئ قدم دائم قرب مضيق باب المندب، مراقبة خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر، تعزيز القدرة الاستخبارية في مواجهة خصوم إقليميين، تطويق بعض القوى الإقليمية عبر الانتشار العسكري غير المباشر".
وختم الخبير في الشؤون الاستراتيجية قوله أن "هذه الخطوة قد تؤدي إلى تصعيد التوتر في القرن الإفريقي، وتضعف جهود الاستقرار في الصومال، كما قد تستدعي ردود فعل من قوى إقليمية ودولية ترى في الوجود العسكري الإسرائيلي تهديدًا لمصالحها وأمنها القومي والعراق، ومعه عدد من الدول العربية، معني بإعادة التأكيد على ثوابت القانون الدولي، ودعم الحلول السياسية التي تحفظ وحدة الدول".
في الوقت نفسه، يشير مراقبون إلى أن المخاطر الداخلية والخارجية تتضافر لتجعل القرار الإسرائيلي مادة قابلة للتأويل السياسي والإعلامي، إذ يمكن أن يؤدي إلى تصعيد التوترات، وزعزعة استقرار الصومال الفيدرالي، وإشعال النزاعات بين الأطراف الإقليمية والدولية المهتمة بالحفاظ على توازنات القوى في المنطقة. كما يُبرز القرار التحديات التي تواجه الدول العربية، وضرورة تعزيز التنسيق لحماية مصالحها ومراعاة القانون الدولي، بما يشمل الرد الدبلوماسي الموحد، ودعم الحلول السياسية السلمية للحفاظ على وحدة الأراضي ومنع تفكك الدول.
أما على صعيد النتائج المحتملة، فإن الاعتراف الإسرائيلي قد يُحدث انقسامًا داخل الصومال، ويعطي زخمًا للحركات الانفصالية الأخرى، ويشكل ضغطًا على الحكومات الإفريقية لتبني مواقف متشددة تجاه السيادة الإقليمية. كما أن الخطوة قد تشكل اختبارًا لقدرة الجامعة العربية ومنظمات التعاون الإقليمي على ضبط تصاعد الانفصال، وضمان التوازن السياسي بين الأطراف الدولية والإقليمية.
إسرائيل، عبر هذه الخطوة، تسعى إلى تحقيق مزيج من النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي، مستغلة الفراغات الاستراتيجية، وتوظيف الاعتراف الدولي كأداة لضبط التوازنات في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بينما تواجه الدول العربية وأفريقيا تحديًا في حماية السيادة الوطنية ووحدة الأراضي، ومواجهة تبعات قرار يمكن أن يُشكل سابقة خطيرة في القانون الدولي، ويعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي في القارة الإفريقية والعالم العربي.
تظل المواقف العربية الرسمية، وكما جرت العادة في ملفات مماثلة، محدودة بالبيانات الاستنكارية والتصريحات الرصينة على الورق، دون أن تُترجم إلى خطوات عملية ملموسة على الأرض. فبينما تُدين القاهرة والرياض وأنقرة وأبو ظبي الاعتراف الإسرائيلي وتؤكد التمسك بوحدة الأراضي وسيادة الدول، فإن هذه البيانات لم تترافق مع أي آلية فعالة لمواجهة التحديات الميدانية أو السياسية، أو لإشراك المجتمع الدولي في الضغط على إسرائيل لوقف تنفيذ خطواتها الاستراتيجية. هذا الواقع يسلط الضوء على فجوة مستمرة بين الخطاب والممارسة، ويترك مساحة واسعة للجهات الإقليمية والدولية، وفي مقدمها إسرائيل، لاستغلال ضعف التنسيق العربي وتحويل المبادرات الرمزية إلى أدوات لتعزيز مصالحها الجيوسياسية بعيدًا عن أي رد فعل حقيقي قادر على إيقاف المسار أو إعادة التوازن في المنطقة.
تقرير: محرر الشؤون السياسية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات