بغداد اليوم – بغداد
مخيم الهول، في ريف الحسكة القريب من الحدود العراقية، لم يعد مجرد مساحة مؤقتة للنازحين الفارين من الحرب، بل تحول خلال أقل من عقد إلى أحد أكثر ملفات ما بعد تنظيم داعش تعقيدًا وتشابكًا، تتداخل فيه الحسابات الأمنية مع الأعباء الإنسانية، وتتصارع حوله رؤى سلطات محلية وإقليمية ودولية، فيما يبقى عشرات الآلاف من النساء والأطفال في قلب هذه المعادلة من دون أفق واضح. تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ترسم صورة رقمية ثقيلة: بعد معركة الباغوز في ربيع 2019، قفز عدد سكان المخيم إلى ما بين 60 و73 ألف شخص، أغلبهم من النساء والأطفال الذين خرجوا من آخر جيوب التنظيم في سوريا والعراق، إضافة إلى رعايا من أكثر من 60 دولة، قبل أن تبدأ الأعداد بالتراجع تدريجيًا تحت ضغط برامج إعادة التوطين المحدودة والمبادرات الأحادية التي تقودها بعض الحكومات.
هذا التراجع العددي لا يعني أنّ المخيم في طور الانحسار البسيط. بيانات أممية صدرت منتصف 2024 قدّرت عدد من يعيشون في الهول وروج معًا بنحو 43,585 شخصًا، 62٪ منهم أطفال، ونحو 42٪ من العراق و38٪ من سوريا، بينما تتوزع النسبة المتبقية على عشرات الجنسيات الأخرى. تقديرات ميدانية أحدث، أواخر 2025، تتحدث عن بقاء ما بين 25 و30 ألفًا في الهول وحده، بعد خروج عشرات الآلاف خلال السنوات الأخيرة، لكن التركيبة الديموغرافية للمخيم ازدادت حساسية: نسبة مرتفعة من القاصرين، وكتلة من النساء اللواتي يحملن إرث تجربة مع تنظيم مسلّح، وشريحة من الأجانب العالقين في منطقة لا يعتبرونها وطنًا ولا تستعجل دولهم إعادتهم.
عنف داخلي ومخاطر أمنية متراكمة
داخل هذا المكان، تتقاطع الصورة الإنسانية مع مشهد أمني معقد. تقارير حقوقية وطبية توثق منذ 2019 وقوع عشرات جرائم القتل وعمليات الاغتيال ومحاولات التصفية داخل المخيم، استهدفت نازحين يرفضون الانضواء تحت نفوذ مجموعات متشددة، إلى جانب عاملين إنسانيين، في ظل إمكانات محدودة للقوى التي تتولى الحراسة، وتعقيد تضاريس المخيم الذي اتسعت رقعته وتحول إلى ما يشبه مدينة من الخيام والأكواخ.
في هذا السياق، يقول الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية اللواء صفاء الأعسم، في حديثه لـ"بغداد اليوم"، إن "مخيم الهول لم يعد مجرد تجمع للنازحين، بل تحول إلى بؤرة معقدة تتداخل فيها التحديات الأمنية والإنسانية والفكرية، والتنظيم الإرهابي يسعى منذ فترة إلى استغلال الواقع الهش داخل المخيم لإعادة تنظيم صفوفه، وبث الفكر المتطرف، وتفعيل الخلايا النائمة". يشير إلى أنّ التقارير الأمنية التي اطّلع عليها تتحدث عن محاولات متكررة لفرض نفوذ داخلي، وعمليات ترهيب منظمة، ومسارات تهريب أفراد من وإلى المخيم، واستقطاب فكري للأطفال واليافعين، الأمر الذي يجعل المكان، بحسب وصفه، نقطة خطرة في المشهد الأمني لشمال وشرق سوريا، مع امتداد آثارها إلى الأمن الإقليمي.
الأعسم يلفت إلى أنّ الضغوط المتزايدة على القوى الأمنية المحلية، واتساع مساحة المخيم، وصعوبة الإحاطة اليومية بكل قطاعاته، تخلق فراغات قابلة للاستغلال من قبل تنظيم يسعى إلى إعادة التموضع بعد خسارته الجغرافية. هذه القراءة تجد ما يدعمها في تقييمات استخبارية دولية حذّرت من أنّ المخيمات ومراكز الاحتجاز في شمال شرق سوريا، بما فيها الهول، ليست فقط أماكن لتجميع من تبقّى من عناصر التنظيم وعوائلهم، بل بيئات محتملة لإعادة تشكيل شبكات الولاء والعقيدة والتجنيد على مدى سنوات، ما لم تُعالَج جذور المشكلة بصورة مختلفة عن إدارة السجون التقليدية.
العراق ومخيم الهول.. بين ضرورات الأمن واستحقاقات الإعادة
بالنسبة للعراق، لا يقف مخيم الهول عند حدود الجغرافيا السورية. آلاف من سكانه يحملون الجنسية العراقية، وبعضهم وُلد داخل دولة "الخلافة" ثم انتقل مباشرة إلى خيام المخيم، من دون تجربة طبيعية في المدرسة أو الحي أو المؤسسات العامة. منذ عام 2021، اتجهت الحكومة العراقية إلى سياسة إعادة منظمة لرعاياها من الهول إلى الداخل، عبر مسار يبدأ بنقل العائلات إلى مخيمات استقبال مثل الجدعة في نينوى، ثم إخضاعهم لتدقيق أمني، قبل الشروع في برامج تأهيل نفسي واجتماعي وتعليمي للأطفال والنساء، تمهيدًا لإعادة دمج تدريجية في المجتمعات المحلية.
أرقام وزارة الهجرة والمهجرين تفيد بأن العراق أعاد، حتى نهاية 2025، أكثر من 19–20 ألفًا من مواطنيه الذين كانوا في الهول، عبر ما يزيد على 29 دفعة، ما جعل عدد العراقيين الباقين داخل المخيم يتراجع إلى أقل من 4 آلاف شخص، مع استمرار إعداد قوائم جديدة للإعادة وفق معايير أمنية واجتماعية. هذه السياسة، التي اعتبرتها تقارير أميركية وأممية "الأكثر نشاطًا" مقارنة بمواقف عدد من الدول الغربية، ترافقها تعقيدات داخلية مرتبطة بحساسية المجتمعات التي تستقبل العائدين، خصوصًا في المناطق التي شهدت حضور تنظيم داعش أو عانت من جرائمه المباشرة.
رئيس الجمهورية عبد اللطيف رشيد وصف في مقالة رأي منشورة في صحيفة دولية ملف الهول بأنه "مشكلة عالمية"، مشيرًا إلى أنّ بغداد لم تتعامل معه بوصفه عبئًا محليًا فقط، بل كجزء من مسؤولية أوسع في منع عودة التنظيم، وداعيًا الدول الأخرى إلى التعامل مع رعاياها في المخيمات بمستوى مماثل من الجدية، بدلًا من ترك الأطفال يكبرون في بيئة غير مستقرة من دون تعليم كافٍ أو إطار قانوني واضح لوضعهم.
المشهد السوري بعد التغيّر السياسي.. قسد، دمشق، وحدود المسؤولية
في المقابل، يبقى المسار السوري للمخيم مرتبطًا بتوازنات السلطة في دمشق وشمال شرق البلاد. المخيم يقع في منطقة تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية "قسد" والإدارة الذاتية، ومع سقوط النظام السابق وتشكّل سلطة جديدة في العاصمة، ظهرت أسئلة مباشرة حول إدارة الحدود، ودمج التشكيلات المسلحة المحلية، ومصير السجون والمخيمات التي تضم مقاتلي داعش وعوائلهم. تقارير دولية أشارت إلى أنّ السلطات في دمشق و"قسد" ناقشتا آليات مشتركة لإدارة هذه الملفات، وبدأت بالفعل بإعادة دفعات محدودة من العائلات السورية إلى الداخل، وسط نقاشات داخلية حول كيفية تحقيق توازن بين متطلبات الأمن وحقوق العائدين، من دون وجود إطار نهائي يحدد شكل المسؤولية القانونية عن الماضي.
غير أنّ ما يرفع حساسية المشهد هو المهلة السياسية غير المعلنة بشكل كامل، والتي تدور حول عام 2026 بوصفه السقف الزمني الذي تراه دمشق لإنهاء صيغة "الإدارة المزدوجة" في الشمال الشرقي. مصادر سياسية وأمنية تتابع الملف تتحدث عن رسائل واضحة من الحكومة المركزية إلى حلفائها وإلى "قسد"، مفادها أنّ بقاء المخيمات والسجون خارج الإشراف المباشر لمؤسسات الدولة السورية لا يمكن أن يستمر إلى ما بعد هذا الأفق الزمني، وأنّ على القوى المحلية أن تحسم موقعها بين خيارين: اتفاق تدريجي يقود إلى دمج وهندسة جديدة للوجود الأمني، أو انزلاق نحو توترات ميدانية مفتوحة الاحتمالات. في الكواليس، يجري تداول سيناريوهات عن ضغط عسكري محدود أو عمليات "فرض سيطرة" في بعض المناطق إذا تعثّرت التسوية، وهي سيناريوهات تجعل من محيط مخيم الهول واحدًا من أكثر النقاط هشاشة في معادلة ما بعد الحرب، ليس من زاوية الإرهاب فقط، بل من زاوية احتمال اشتباك مسلح جديد بين دمشق و"قسد" تتحول فيه المخيمات والسجون إلى أوراق ضغط أو أهداف مباشرة.
على المستوى الدولي، تواصل الولايات المتحدة التأكيد، في مداخلات رسمية أمام مجلس الأمن وفي بيانات وزارة الخارجية، أنّ وجود مخيمات مثل الهول وروج بصيغتها الحالية لا يمثل حلًا طويل الأمد، وأنّ ترك آلاف الأشخاص في حالة "تعليق قانوني" يفاقم خطر التطرّف. واشنطن تدعو الدول التي يحمل بعض قاطني المخيم جنسيتها إلى استعادتهم، أو على الأقل إلى وضع آليات واضحة للمحاكمة وإعادة التأهيل، وتشير في الوقت نفسه إلى أنّ المساهمة الأميركية في تمويل وتأمين هذه المنشآت لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، وأنّ الدول المعنية مطالبة بتحمّل جزء أكبر من الكلفة السياسية والقانونية لقراراتها السابقة المرتبطة بملف المقاتلين الأجانب.
وسط هذه المعطيات، يتحول مخيم الهول إلى نقطة تقاطع بين سياسات ثلاثية: إدارة ذاتية تبحث عن تثبيت موقعها التفاوضي من خلال ملف معقّد وحساس، وسلطة مركزية في دمشق تريد استعادة زمام القرار في الحدود والأمن قبل انقضاء مهلة 2026، وعواصم غربية تحاول موازنة هواجسها الداخلية من إعادة مواطنين ارتبطوا بالتنظيم مع التزاماتها المعلنة تجاه حقوق الإنسان والقانون الدولي، فيما يبقى أمن المخيم ومن فيه معلّقًا على ما ستؤول إليه هذه الحسابات المتضادة.
مقاربة صفاء الأعسم.. من إدارة يومية إلى تفكيك منظم
وسط هذا المشهد المتشابك، يطرح اللواء صفاء الأعسم مقاربة تقوم على نقل الملف من إدارة يومية للأزمة إلى مسار تفكيك منظم. يؤكد في حديثه لـ"بغداد اليوم" أنّ "الحل لا يكمن في الإجراءات الأمنية وحدها، بل يتطلب خطة شاملة لتفكيك المخيم بشكل تدريجي ومنظم، تشمل (إعادة العائلات السورية إلى مناطقها الأصلية بعد إخضاعها لبرامج تأهيل ومتابعة، تحمل الدول مسؤولياتها تجاه رعاياها الأجانب الموجودين في المخيم، محاسبة المتورطين بجرائم إرهابية وفق أطر قانونية واضحة، تعزيز برامج مكافحة التطرف الفكري وحماية الأطفال من الاستغلال الأيديولوجي)". بالنسبة له، النقطة الأساسية هي الخروج من منطق "الانتظار" إلى منطق الجدولة: تحديد من يعود وأين، ومن يُحاكم وأين، وكيف يمكن منع أن يتحول الجيل الأصغر داخل المخيم إلى حاضنة مستقبلية للتنظيم.
الأعسم يحذّر من أنّ "استمرار تجاهل ملف مخيم الهول يمنح تنظيم داعش فرصة ثمينة لإعادة إنتاج نفسه، وأي تأخير في معالجته سيؤدي إلى تكاليف أمنية وإنسانية أكبر في المستقبل"، ويدعو "المجتمع الدولي والأمم المتحدة والدول المعنية بالملف السوري إلى الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة الحل الجذري، عبر دعم جهود تفكيك المخيم، وتوفير الموارد اللازمة لضمان الأمن والاستقرار، ومنع عودة التنظيم الإرهابي لتهديد سوريا والمنطقة مجددًا". هذا النداء يتقاطع مع توصيات صدرت عن تقارير أممية وحقوقية حذّرت من أنّ استمرار الاحتجاز الجماعي لعشرات الآلاف، من دون أفق قانوني أو زمني واضح، يمسّ قواعد القانون الدولي الإنساني، ويضاعف احتمالات الاضطراب الأمني في المدى المتوسط والبعيد.
امتحان أخير لمرحلة ما بعد داعش
بهذا المعنى، يبدو أنّ مخيم الهول لم يعد مجرد فصل متأخر من حرب انتهت عسكريًا في العراق وسوريا، بل جزء من اختبار عملي لقدرة الدول المعنية على التعامل مع إرث تنظيم مسلح ترك وراءه آلاف النساء والأطفال في مساحة واحدة. العراق حاول أن يخفف من المخاطر عبر برامج إعادة واسعة لرعاياه، فيما تتحرك دمشق و"قسد" تحت ضغط حسابات داخلية وخارجية، وتواجه الدول الغربية سؤال مسؤولية رعاياها الموجودين داخل المخيم. وبين هذه المستويات المتداخلة، يبقى جوهر الملف مرتبطًا بما إذا كانت إرادة تفكيك المخيم ستتحول إلى خطة قابلة للتنفيذ، أم سيستمر المكان كمساحة معلّقة، تحمل كل عناصر أزمة جديدة محتملة في منطقة لم تلتقط أنفاسها بالكامل بعد.
تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات