بغداد اليوم – بغداد
ملف السلاح خارج إطار الدولة يعود اليوم إلى الواجهة بصيغة مختلفة عن السنوات الماضية. النقاش لا يدور فقط حول بيانات وتصريحات متضادة، بل يتجه هذه المرّة نحو محاولة صياغة تفاهم سياسي – أمني جديد بين الفصائل والحكومة، بالتزامن مع ضغوط معلنة من واشنطن، ونقاش داخلي حول مستقبل "الحشد" وسلاح الفصائل ودورها في الترتيبات المقبلة. في قلب هذا المشهد تبرز ورقة تفاهمات جديدة يجري الإعداد لها، وخارطة عمل ثلاثية المراحل لحصر السلاح كانت "بغداد اليوم" قد كشفت خطوطها العامة سابقاً، إلى جانب تحركات غير معلنة داخل ما يُعرف بـ"المجلس التنسيقي للمقاومة" وزيارات إلى طهران لم يُكشف عن تفاصيلها بالكامل بعد.
ورقة تفاهمات جديدة بين الفصائل والحكومة
مصدر مقرّب من الفصائل العراقية كشف، عن قرب صدور ما وصفه بـ"ورقة تفاهمات مشتركة" مع الحكومة، تتضمن تسع نقاط أساسية ترسم خارطة طريق للمرحلة المقبلة، مؤكداً أنّ هذه الورقة "لا تعني بأي حال من الأحوال التطبيع مع الولايات المتحدة".
المصدر أوضح في حديثه لـ"بغداد اليوم" أنّ "الفصائل العراقية ليست عنواناً واحداً، بل تحمل رؤى متعدّدة الأبعاد، لكنها متفقة بشكل واضح على دعم أمن واستقرار البلاد"، مبيناً أنّ "السلاح الذي تمتلكه الفصائل موجّه حصراً ضد أعداء الوطن ولا يمكن استخدامه في الداخل، وهو ما يمنحها دعماً شعبياً واسعاً".
وأشار إلى أنّ "غالبية الفصائل العراقية منخرطة فعلياً في المسار السياسي، ولديها ممثلون داخل مجلس النواب عبر نتائج الانتخابات الأخيرة"، متوقعاً أن "تشهد الفترة المقبلة الإعلان عن ورقة تفاهمات تتضمن تسع نقاط رئيسية، ترسم خارطة طريق لطبيعة المرحلة القادمة".
وبحسب المصدر، فإنّ هذه النقاط "ستتناول ملفات مهمة، أبرزها طبيعة السلاح وآليات حصره، إضافة إلى رؤية مستقبلية لدور الفصائل ضمن الإطار السياسي، إلى جانب التأكيد على الموقف الرافض لوجود القوات الأجنبية في البلاد"، على أن تستكمل هذه التفاهمات "بعد الاطمئنان إلى استقرار الأوضاع وعدم وجود تحديات مباشرة تهدد أمن البلاد".
ويتابع المصدر أنّه "لا يمكن استباق الأحداث بالكشف عن جميع تفاصيل الورقة، إلا أنّ هناك تفاهماً كبيراً بين القوى السياسية العراقية، التي تدرك أهمية الفصائل ودورها"، مؤكداً أنّ "المسار سيكون عراقياً خالصاً وبما يحقق مصلحة الوطن أولاً". ويشدّد في ختام حديثه على أنّ "الحديث عن تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة غير وارد على الإطلاق، فواشنطن لا تريد الخير للعراق، وأجندتها باتت واضحة، فيما يبقى الاهتمام الأول والأخير هو خدمة الوطن والشعب".
براغماتية الفصائل وشروطها الخفية في التعامل مع واشنطن
رغم النبرة الحادّة في الخطاب العلني تجاه الولايات المتحدة، تظهر في كواليس الفصائل صورة أكثر تركيباً. مصادر سياسية تحدّثت لصحيفة "الشرق الأوسط" أشارت إلى أنّ شريحة مؤثرة من قادة الفصائل لا تمانع تخفيض مستوى العداء مع واشنطن والانتقال إلى علاقة أقل توتراً، بشرط أن تقوم على أسس تحفظ المكاسب التي تحققت داخل الدولة منذ عام ٢٠١٤.
هذه المصادر تؤكد أنّ كثيراً من القادة يخشون من أن تؤدي القطيعة المستمرة مع الولايات المتحدة إلى فتح الباب أمام ترتيبات داخلية وخارجية تعيد صياغة السلطة على حسابهم، أو توسّع نطاق العقوبات والملاحقات المالية والسياسية. لذلك تنمو داخل بعض هذه التشكيلات نزعة واضحة إلى ما تصفه هذه المصادر بـ"البراغماتية السياسية": لا إعلان مصالحة، لكن أيضاً لا مصلحة في عداوة مفتوحة بلا ضوابط تجعل الفصائل هدفاً مباشراً لإعادة هندسة السلطة.
أبرز شروط الفصائل غير المعلنة
وفق ما نقلته تلك المصادر، يمكن تلخيص الشروط التي تُطرح في النقاشات الداخلية على النحو الآتي:
-رفع أسماء قيادات بارزة من لوائح الإرهاب والعقوبات الامريكية التي قيّدت الحركة وأثّرت في المصالح الاقتصادية والسياسية.
-عدم وضع خطوط حمراء مسبقة على مشاركة الشخصيات المحسوبة على الفصائل في الحكومة المقبلة أو في إدارة حقائب حساسة، طالما جاءت المشاركة ضمن النتائج الانتخابية.
-إقرار جدول زمني واضح لانسحاب القوات الأجنبية من العراق، بما يسمح بتقديم أي تفاهم أمام الجمهور على أنّه حصيلة ضغط سياسي وميداني، وليس تراجعاً عن مبادئ معلنة.
في المقابل، تصر فصائل مرتبطة عضوياً بولاية الفقيه في إيران على رفض أي حديث عن تسوية استراتيجية أو تطبيع مع الولايات المتحدة، وتربط أي تغيير في الموقف بحصول تفاهم مباشر بين طهران وواشنطن، مع التعامل مع الساحة العراقية كجزء من هذا الإطار وليست مساراً تفاوضياً منفصلاً.
المجلس التنسيقي للمقاومة.. صمت محسوب وزيارة إلى طهران
مصادر سياسية وأمنية تشير إلى أنّ ما يُعرف بـ"المجلس التنسيقي للمقاومة"، الذي يضم عدداً من الفصائل الأساسية، لم يصدر عنه حتى الآن أي موقف رسمي واضح من ورقة التفاهمات الجديدة أو من الخطة الثلاثية لحصر السلاح. هذا الصمت يُقرأ في أوساط المراقبين كمساحة احتياط مقصودة، تترك للمجلس هامش الحركة نحو أكثر من خيار، سواء باتجاه قبول الصيغة المطروحة أو الذهاب إلى تصعيد لاحق إذا اعتبر بعض مكوّناته أنّ التفاهمات تمس جوهر قدراته.
في السياق نفسه، كشفت مصادر خاصة لـ"بغداد اليوم" في وقت سابق أنّ وفداً من بعض الفصائل الرافضة للتخلّي عن السلاح توجّه خلال الأيام الماضية إلى طهران، للقاء مسؤولين معنيين بالملف هناك، وبحث التطورات المرتبطة بحصر السلاح ومستقبل الوجود العسكري الأجنبي. ووفق هذه المصادر، فإنّ الزيارة جاءت بالتوازي مع تصاعد الحديث عن التفاهمات الداخلية، في إشارة إلى أنّ جزءاً من النقاش ما يزال يجري خارج بغداد أيضاً، عبر قنوات اتصال مع أطراف مؤثرة في القرار الإقليمي.
هذا المعطى يضيف طبقة جديدة إلى المشهد؛ فإلى جانب التفاهمات التي تُصاغ داخل العاصمة، هناك مسار آخر يتابع كيفية انعكاس أي تسوية على ما تعتبره تلك الفصائل "توازن القوة" في الإقليم، وهو ما يجعل موقف المجلس التنسيقي للمقاومة عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه الملف خلال الفترة المقبلة.
الخطة الثلاثية لحصر السلاح.. خارطة كانت "بغداد اليوم" قد كشفتها
ورقة التفاهمات الجديدة ترتبط عملياً بخارطة عمل أوسع سبق لـ"بغداد اليوم" أن كشفت خطوطها العامة في تقرير موسّع، نقلاً عن عضو الإطار التنسيقي عدي عبد الهادي، حول "خطة ثلاثية" للتعامل مع ملف السلاح وحصره ضمن مؤسسات الدولة.
عبد الهادي أوضح آنذاك أنّ دعم قوى الإطار لمبدأ حصر السلاح بيد الدولة يأتي ضمن "رؤية استراتيجية لتعزيز مؤسسات الدولة وضمان الأمن والاستقرار"، مشيراً إلى مسار متدرّج يقوم على:
-تحديد الجهات والفصائل المشمولة بآلية الحصر، وفرز الأطر التي ستدخل في المعالجة.
-إعادة ترتيب الأوراق بما يضمن انسيابية التنفيذ وتفادي الصدام المباشر، مع اعتماد سياقات ثابتة ومدروسة.
-الشروع في خطوات تنفيذية تدريجية، وصولاً إلى وضع "الجميع تحت مظلة مؤسسات الدولة" كما جاء في التصور الذي عُرض وقتها.
في التصريح نفسه، شدّد عبد الهادي على وجود "تفاهم وتفاعل من أغلب الفصائل" مع هذا الاتجاه، مع التحذير من "الأقلام السوداء" التي تحاول خلط الأوراق عبر حملات إلكترونية تستهدف مبدأ الحصر، مؤكداً أنّ "الحشد الشعبي جزء من المؤسسة الأمنية الرسمية"، وأنّ الزج به في خانة السلاح المنفلت يدخل ضمن أجندات تستهدف أمن البلاد.
بهذه الخلفية، تبدو ورقة التفاهمات ذات النقاط التسع امتداداً عملياً لهذه الخطة؛ إذ ينتقل المسار من مستوى التصورات العامة إلى مستوى وثيقة سياسية – فصائلية مشتركة، يمكن أن تُقدَّم داخلياً كإطار وطني لمعالجة الملف، وتُستخدم خارجياً للإشارة إلى أنّ بغداد تتحرك وفق خارطة عراقية لا وفق إملاءات جاهزة.
حسابات واشنطن.. ترحيب مشروط ومطلب نزع السلاح الفعلي
الولايات المتحدة تتابع هذه التحركات بنبرة تجمع بين الترحيب المشروط والتشديد على السقف العالي. المبعوث الامريكي إلى العراق، مارك سافايا، وصف الخطوات التي أعلنتها جماعات مسلّحة باتجاه نزع السلاح بأنها "تطور مرحّب به ومشجع"، لكنه شدد في المقابل على أنّ التصريحات لا تكفي، وأنّ نزع السلاح يجب أن يكون "شاملاً، غير قابل للتراجع، وضمن إطار وطني ملزم".
في القراءة الامريكية، التنظيم الشكلي للسلاح أو تغيير التسميات لا يلبّي المطلوب. واشنطن تضع في حسابها عناصر محددة، من بينها:
-تقليص القدرة الفعلية للفصائل على العمل خارج قرار مؤسسات الدولة.
-منع استخدام الأراضي العراقية لإطلاق هجمات على القوات الامريكية أو الشركاء الإقليميين.
-تضييق مساحة النفوذ المباشر للفصائل داخل الوزارات السيادية والملفات المالية الحساسة، طالما بقيت أجنحتها المسلحة خارج السيطرة الكاملة للجيش والشرطة.
هذه العناصر تجعل أي ورقة تفاهم داخلية موضع اختبار من زاوية حجم التحول العملي الذي ستفرضه على خريطة السلاح والنفوذ، وليس من زاوية قوة العناوين وترتيب البنود.
ظل طهران.. ما تقوله مصادر الحرس الثوري لـ"بغداد اليوم"
مصادر مطّلعة في الحرس الثوري الإيراني تحدثت لـ"بغداد اليوم" في وقت سابق عن رؤية أكثر هدوءاً لهذا الملف. تلك المصادر أوضحت أنّ طهران لا تنظر إلى سلاح الفصائل في العراق كملف أمني محلي منفصل، بل كجزء من منظومة أوسع تعتبر هذا السلاح أحد عناصر الردع في أي مواجهة سياسية أو أمنية مع الولايات المتحدة وحلفائها، وامتداداً لشبكة نفوذ تمتد نحو سوريا ولبنان واليمن.
بحسب هذه المصادر، النقاش داخل دوائر القرار لا يدور حول "التخلّي عن السلاح" بل حول "كيفية إدارة هذا السلاح بما يخفض الكلفة ويراعي خصوصية الساحة العراقية". لذلك تميل إيران إلى تشجيع المسارات التنظيمية من نوع الخطة الثلاثية وورقة التفاهمات، بشرط أن لا تنتهي إلى تجريد كامل لحلفائها من أدوات التأثير.
في هذا التصور، يمكن القبول بإعادة هيكلة بعض الألوية، وتخفيض الحضور العلني، ودمج أجزاء من القدرات داخل المؤسسة الرسمية، مع الإبقاء على نواة قادرة على التحرك عند الحاجة. هذه الرؤية تنسجم مع تحذيرات سابقة نقلتها شخصيات قريبة من مؤسسات القرار هناك، من أنّ نزع السلاح في العراق ولبنان خارج إطار تفاهم أوسع قد يغيّر موازين القوة بطريقة لا تخدم موقع طهران في المعادلة الإقليمية.
من الشعار إلى الاختبار العملي
الصورة في الخطاب تبدو مترابطة: الفصائل تتحدث عن ورقة تفاهمات من تسع نقاط وترفض استخدام كلمة "التطبيع" مع واشنطن، الإطار التنسيقي يعلن دعمه لحصر السلاح بيد الدولة وفق مشروع وطني، الخطة الثلاثية لحصر السلاح معروفة منذ أن كُشف عنها في وقت سابق، والمجلس التنسيقي للمقاومة يلتزم صمتاً محسوباً فيما تتحرك وفود إلى طهران لمناقشة التفاصيل التي لا تُكتب في البيانات.
المحك لن يكون في العناوين، بل في الخطوات التي ستظهر على الأرض خلال المرحلة المقبلة: هل ستتحول ورقة التفاهمات إلى إجراءات واضحة تخص السلاح الثقيل وانتشار الفصائل وحدود علاقتها بالمؤسسة الأمنية؟ هل ستطبَّق قاعدة "الخضوع لمؤسسات الدولة" على الجميع بلا استثناء؟ وهل سيتمكن صانع القرار في بغداد من إدارة هذا المسار بما يراعي توازن العلاقات مع الشركاء الدوليين، وحسابات طهران، ووزن الفصائل داخل البرلمان والحكومة، من دون انزلاق إلى مواجهة مفتوحة أو تجميد كامل للملف؟
الإجابات عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان النقاش الحالي يمثل بداية تحول فعلي في مسار ضبط السلاح، أم مجرد مرحلة جديدة في إدارة ملف معقد بأدوات مختلفة وصياغات أكثر هدوءاً.
تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات