اقتصاد / ملفات خاصة 25-12-2025, 20:40 | --
+A -A

الفساد والبيروقراطية


عودتها للمنفى وشيكة.. الأموال العراقية المهاجرة تستثمر في 9 قطاعات داخل البلاد

بغداد اليوم – بغداد

مع أكثر من عقدين من الاضطراب السياسي والأمني بعد عام 2003، لم تكن هجرة البشر وحدها هي العنوان؛ فقد رافقتها هجرة كثيفة لرؤوس الأموال العراقية إلى عواصم الجوار والعالم. اليوم، يعود هذا الملف إلى الواجهة بوجه مختلف: عودة تدريجية لما يصفه النائب باقر الساعدي بـ"الأموال العراقية المهاجرة" للاستثمار داخل البلاد، مستفيدة من تحسن نسبي في الاستقرار الأمني، وتنامي الفرص الاستثمارية في عدد من القطاعات الحيوية.

الساعدي يؤكد في حديثه لـ"بغداد اليوم" أنّ "الأوضاع الأمنية وتحدياتها، لاسيما بعد عام 2003، دفعت الكثير من أصحاب رؤوس الأموال والتجار وأصحاب الشركات العراقيين إلى نقل جزء كبير من أموالهم إلى دول الجوار وعواصم دولية"، قبل أن يتغيّر المشهد "بعد عام 2025" مع ارتفاع مستوى الطمأنينة وتوفر فرص استثمارية واسعة في تسعة مجالات يتقدمها قطاع الإسكان، إلى جانب درجة أعلى من المرونة في تعاطي الدوائر الحكومية مع المستثمرين.

ويشير الساعدي إلى أنّ هذه العوامل "أسهمت بعودة كبيرة ومهمة للأموال العراقية المهاجرة إلى بغداد وبقية المحافظات"، وأنّ ارتدادات هذه العودة بدأت تظهر في توسع الفرص الاستثمارية، ولاسيما في قطاعات الإسكان والزراعة والصناعة، متوقعاً "إطلاق مشاريع مهمة خلال السنوات الثلاث المقبلة، لاسيما إنشاء مصانع ومعامل تعتمد على خطوط إنتاجية فاعلة، وبالأخص في القطاع الصناعي".


لماذا هاجرت الأموال أصلاً؟ بين الخوف والبحث عن بيئة آمنة

منذ 2003، عاش العراق واحدة من أكبر موجات "هجرة رأس المال" في تاريخه الحديث. الأمن المضطرب، تصاعد العنف، ضعف حماية الملكية الخاصة، الابتزاز في بعض مفاصل الدولة، وتقلبات سعر الصرف، كلها عوامل دفعت كثيراً من رجال الأعمال إلى اللجوء لبيئات أكثر استقراراً في دول الجوار، من تركيا والأردن والإمارات، إلى دول أخرى في أوروبا وآسيا.

كثير من أصحاب الشركات والتجار نقلوا ليس فقط مدخراتهم، بل أيضاً مراكز شركاتهم وأنشطتهم التجارية إلى الخارج، بحثاً عن بيئة قانونية أكثر وضوحاً ونظام مصرفي أكثر استقراراً، وسوق لا تهددها صدمات أمنية مفاجئة أو قرارات ارتجالية. عملياً، تحولت أرباح قطاعات واسعة من التجارة والخدمات المرتبطة بالعراق إلى أصول وحسابات واستثمارات خارج حدوده.

هذه "الهجرة الصامتة" لرأس المال انعكست على الاقتصاد الداخلي بتراجع قدرة القطاع الخاص على خلق فرص عمل حقيقية، وبقاء الاقتصاد أسيراً لعجلة الإنفاق الحكومي الممول من النفط، مع ضعف واضح في الاستثمار الإنتاجي طويل الأمد داخل البلاد.


ما الذي تغيّر بعد 2025؟ إشارات طمأنة وفرص بمليارات الدولارات

رغم بقاء تحديات الفساد والبيروقراطية وضعف البنية التحتية، بدأ خطاب الدولة خلال الأعوام الأخيرة يتجه أكثر نحو "الرهان على القطاع الخاص"، وفتح أبواب الاستثمار أمام رأس المال المحلي والأجنبي معاً، عبر خطط تنموية تعلن أرقاماً كبيرة لحجم الاستثمارات المستهدفة للقطاع الخاص على مدى عدة سنوات.

ترافق ذلك مع إعلان حزم استثمارية ضخمة، تتضمن مشاريع في الإسكان، والطاقة، والنقل، والبنى التحتية، والصناعة، والخدمات، مع دعوات مباشرة للمستثمرين العراقيين في الخارج للعودة واستغلال هذه الفرص داخل بلدهم.

في المقابل، شهد الوضع الأمني نوعاً من الاستقرار النسبي في أغلب المحافظات، مع انحسار التهديدات الواسعة للمجاميع الإرهابية، ما خلق شعوراً أعلى بالطمأنينة لدى جزء من رجال الأعمال، ودفع البعض إلى اختبار العودة عبر مشاريع متوسطة الحجم في السكن والتجارة والخدمات.

إلى جانب ذلك، حاولت بعض الدوائر الحكومية تبسيط الإجراءات ومنح تسهيلات إضافية للمستثمرين، سواء عبر "النافذة الواحدة" أو من خلال لجان عليا مختصة بالمشاريع الاستراتيجية، وهو ما ينسجم مع ما يشير إليه الساعدي من "مرونة" أكبر في التعامل مع أصحاب الأموال الراغبين بالاستثمار في الداخل.


أي قطاعات تستقبل عودة الأموال العراقية؟.. نماذج على الأرض

تتوزع عودة رؤوس الأموال العراقية على مجموعة قطاعات رئيسية، يتقدمها قطاع الإسكان والتطوير العقاري بحكم الفجوة الكبيرة في الوحدات السكنية والطلب المتزايد على السكن المتوسط والفاخر. ويأتي بعده القطاع الزراعي عبر مشاريع السقي الحديث وسلاسل القيمة الغذائية، ثم القطاع الصناعي بما يشمله من مصانع لمواد البناء والصناعات الغذائية وبعض الصناعات التحويلية. كما تمتد الاستثمارات إلى قطاعات الطاقة والنقل والبنى التحتية والخدمات مثل الصحة والتعليم والاتصالات، ما يجعل عودة الأموال المهاجرة أقرب إلى سلّة فرص متنوّعة لا تقتصر على مجال واحد.

حديث الساعدي عن "تسعة قطاعات رئيسية" يلتقي مع خريطة الاستثمار التي تضع مجموعة قطاعات في صدارة الفرص المتاحة، ويمكن ملاحظة عودة جزء من رؤوس الأموال العراقية المهاجرة من خلال سلسلة مشاريع بدأت تظهر في أكثر من محافظة، من بينها:

مشاريع الإسكان والتطوير العقاري في بغداد

مستثمرون عراقيون عادوا من دول الجوار أعادوا توجيه جزء من أموالهم إلى إنشاء مجمّعات سكنية وتجارية على أطراف العاصمة وداخل أحيائها الجديدة، مستفيدين من الفجوة الكبيرة في الوحدات السكنية والطلب المتزايد على السكن المتوسط والفاخر.

مصانع ومعامل في البصرة ومدن الفرات الأوسط

رؤوس أموال عائدة من الخليج وتركيا دخلت في تأسيس شركات صناعية ومعامل لمواد البناء والصناعات الغذائية، تعتمد خطوط إنتاج أكثر حداثة نسبياً، وتحاول الاندماج في سلاسل التوريد الوطنية بدل الاكتفاء بالتجارة البسيطة.

مشاريع زراعية متكاملة في المحافظات الزراعية

في محافظات مثل ديالى والنجف وواسط، اتجه جزء من الأموال المهاجرة إلى مشاريع زراعية تشمل تطوير أنظمة الري الحديثة، وبناء مخازن مبردة، وإنشاء وحدات تصنيع أولي للمنتجات الزراعية، بما يحول الحقول من مصدر لمحاصيل خام إلى حلقات في سلسلة إنتاج أوسع.

استثمارات في الصحة والتعليم والخدمات

جزء من رأس المال العائد يتجه أيضاً إلى المستشفيات الأهلية والمراكز الطبية والمدارس والكليات الخاصة، عبر شراكات أو تمويل مباشر، في محاولة لاقتناص الطلب المتزايد على خدمات صحية وتعليمية أفضل، وترسيخ حضور طويل الأمد في قطاعات خدمية حساسة.

بهذه الصورة، لا تبدو عودة الأموال المهاجرة محصورة في قطاع واحد، بل موزعة على حزمة قطاعات تتقدمها الإسكان والصناعة والزراعة والخدمات، مع فارق أساسي هو أنّ هذه المشاريع تُنفَّذ هذه المرة داخل العراق لا خارجه.


بين التفاؤل والحذر.. ما الذي ينقص بيئة الاستثمار في العراق؟

مع ذلك، عودة جزء من "الأموال المهاجرة" لا تعني أنّ بيئة الاستثمار أصبحت مثالية؛ بل يمكن قراءتها كمؤشر على تداخل عاملين: تحسن نسبي في الأمن، من جهة، وحجم فرص ربحية كبير في سوق ما تزال غير مشبعة في أغلب القطاعات، من جهة أخرى.

التحديات البنيوية في بيئة الأعمال ما تزال قائمة:

-ضعف حماية حقوق الملكية والنزاعات حول الأراضي والعقود.
-تعقيد الإجراءات الإدارية وعدم استقرار القرارات التنظيمية.
-نفوذ بعض المصالح الضيقة التي تجعل الدخول إلى بعض القطاعات مشروطاً بعلاقات سياسية أو مالية.
-غياب قضاء اقتصادي سريع وحاسم في النزاعات التجارية والاستثمارية.

وما لم تُعالَج هذه المشكلات بعمق، فإنّ جزءاً من رأس المال الذي يختبر العودة اليوم يمكن أن يعود ويغادر في أول أزمة سياسية أو أمنية أو مالية. المستثمر الذي غادر بسبب "ثلاثية" الخوف الأمني، والابتزاز الإداري، وغياب الضمانات القانونية، يحتاج إلى دلائل ملموسة على تحسن هذه الملفات، لا إلى بيانات طمأنة فقط.


السنوات الثلاث المقبلة.. موجة عابرة أم بداية دورة جديدة؟

توقعات الساعدي بإطلاق "مشاريع مهمة خلال السنوات الثلاث المقبلة" تفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل نحن أمام موجة قصيرة لعودة جزء من الأموال بحثاً عن أرباح سريعة في الإسكان وبعض القطاعات، أم أمام بداية دورة استثمارية أعمق يمكن أن تغيّر وزن القطاع الخاص في الاقتصاد العراقي؟

إذا تمكنت الحكومة من تحويل الوعود الاستثمارية إلى مشاريع حقيقية على الأرض، مع تحسين بيئة الأعمال، وتطوير البنى التحتية للطاقة والنقل، وتثبيت قواعد شفافة لحماية المستثمر، فإنّ رأس المال العراقي العائد يمكن أن يتحول إلى محرّك مهم لنمو غير نفطي، يخفف من هشاشة الاقتصاد القائم على الإيرادات النفطية وحدها.

أما إذا بقيت الإجراءات متعثرة، والبيئة الاستثمارية محكومة بالصفقات الضيقة والروتين والفساد، فإنّ جزءاً من هذه الأموال قد يعيد تكرار السيناريو السابق: خروج جديد باتجاه أسواق أكثر استقراراً، لتبقى فكرة "عودة الأموال المهاجرة" فرصة أخرى لم تكتمل في بلد اعتاد أن يرى مشاريعه تتوقف قبل خط النهاية.

تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14