سياسة / أمن / ملفات خاصة 24-12-2025, 21:32 | --
+A -A

تضامن أم اصطفاف؟


خطوة أخرى نحو نيران إسرائيل.. ماذا تفعل حماس في بغداد؟ وهل ستكون المبرر لتنفيذ وعيد الكيان؟

بغداد اليوم – بغداد

قبل أن يحطّ وفد حماس في بغداد، كانت العاصمة قد تلقت فعلًا سلسلة من الإشارات والتحذيرات الإسرائيلية غير المباشرة، بعضها وصل عبر رسائل رسمية إلى مجلس الأمن يحمّل فيها الكيان المحتل الحكومة العراقية مسؤولية هجمات صاروخية ومسيّرة انطلقت من أراضٍ عراقية باتجاه إسرائيل، مع تأكيد ما تسميه تل أبيب "حق الدفاع عن النفس" إذا عجزت بغداد عن ضبط الفصائل المسلّحة، في إيحاء واضح إلى أنّ الأراضي العراقية نفسها قد تُعامل، في لحظة ما، كمنصة عدائية مشمولة ببنك الأهداف. في هذا المناخ المتوتر أصلًا، تأتي زيارة وفد حماس لتضيف طبقة جديدة إلى صورة العراق في عيون إسرائيل وحلفائها؛ فهي تؤشّر، من زاوية قراءة معينة، إلى أنّ بغداد لا تستضيف فقط فصائل مقرّبة من إيران، بل تفتح أبوابها أيضًا لقيادات حركة تُعدّ الهدف المباشر للحرب الدائرة في غزة. ومع ذلك، فإنّ هذا التطوّر، على خطورته الرمزية والسياسية، لا يعني آليًا أنّ صاروخًا إسرائيليًا بات في طريقه إلى بغداد لمجرّد استقبال وفد فلسطيني؛ فقرار توسيع دائرة الاستهداف إلى عاصمة بحجم بغداد سيظلّ مرهونًا، في النهاية، بمدى قدرة الحكومة العراقية على منع تحوّل هذا الحضور السياسي إلى بنية لوجستية أو عملياتية تُستخدم فعلًا في مهاجمة إسرائيل، وبمدى رغبة تل أبيب وواشنطن في دفع العراق من جديد إلى قلب ساحة الصراع بدل إبقائه، نسبيًا، في هامش الحرب المفتوحة.

سردية الإطار التنسيقي: زيارة عادية أم انحياز محسوب؟

في بغداد، يحرص المقرّبون من السلطة على تقديم زيارة وفد حماس باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لـ“عمق عربي” طالما تغنّى به السياسيون العراقيون. يقول عضو الإطار التنسيقي عصام شاكر، في حديث لـ"بغداد اليوم"، إنّه “لا وجود لأي فيتو على زيارة الوفود الفلسطينية أو أيّ من القوى العربية إلى بغداد”، مؤكّدًا أنّ العاصمة “تمثّل عمقًا وطنيًا عربيًا كبيرًا”. ويضيف أنّ توافد وفود من فلسطين أو غيرها “يأتي في إطار العلاقات ومحاولة توضيح الحقائق حول مجمل القضايا، خصوصًا ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية”، موضحًا أنّ لقاء هذه الوفود بمسؤولين سابقين أو قيادات حكومية وسياسية “يتم في إطار العلاقات السياسية، وليس هناك أي فيتو من بغداد على أي من تلك القوى”. وبرأي شاكر، فإنّ وجود وفد من حماس أو غيرها “أمر طبيعي، خاصة وأنّ العواصم العربية والإقليمية الأخرى تستقبل هذه الوفود للاطلاع على طبيعة ومستجدات ما يحدث”، في إشارة إلى أنّ بغداد لا تقوم بشيء “استثنائي” مقارنة بغيرها من العواصم. ثم يعود ليذكّر بسياق غزة نفسها، حين يشير إلى أنّ المدينة “تعاني حاليًا من دمار كبير بعد أن بلغ عدد الشهداء والجرحى أكثر من 100 ألف، ولا تزال تتعرض للهجمات من قبل الكيان المحتل”، قبل أن يحسم موقفه بالقول إنّ “بغداد عاصمة لدولة ذات سيادة، وهي التي تحدّد من يمكنه دخولها”.

هذا الخطاب يقدّم زيارة حماس بوصفها فعلًا سياسيًا اعتياديًا: عاصمة عربية تستقبل حركة فلسطينية تقاتل في غزة، تشرح روايتها للأحداث، وتبحث عن منافذ الدعم والتضامن. لكن خلف هذه الصورة “الطبيعية”، يتحرّك ملف آخر أكثر تعقيدًا، يخصّ طبيعة حضور حماس في العراق منذ ما قبل هذه الزيارة، وطريقة قراءته في واشنطن وتل أبيب، وحدود قدرة بغداد الفعلية على ضبط هذا الحضور ضمن سقف “العلاقات السياسية” فقط.

مكتب لحماس في بغداد: من التعاطف الشعبي إلى البنية التنظيمية

فخلال عام 2024، تداولت وسائل إعلام عربية وأجنبية معلومات عن نيّة حماس فتح مكتب في بغداد، بل وذهب بعضها إلى الحديث عن نقل مكتبها السياسي من الدوحة إلى العاصمة العراقية مع تأمين حماية من قِبل إيران، وهو ما سارعت الحركة ومسؤولون عراقيون إلى نفيه، مؤكدين أنّ الحديث يدور عن مكتب للعلاقات والإعلام وليس عن انتقال القيادة السياسية. مع ذلك، فإنّ مجرّد منح موافقات رسمية لافتتاح مكتب علني لحماس في بغداد، واستخدامه كمنصة للقاءات وزيارات وندوات، يعني أنّ العراق لم يعد بالنسبة للحركة “جمهورًا متعاطفًا” فقط، بل مساحة تنظيمية ذات طابع سياسي وإعلامي، حتى وإن بقيت خطوط الدعم العسكري أو اللوجستي غير معلنة أو منفية رسميًا. هذا التحوّل يُقرأ في عواصم عدّة على أنّه جزء من توسّع ما يُسمى بـ“محور المقاومة” داخل العراق، في ظل حضور موازٍ لفصائل مسلّحة عراقية مرتبطة بإيران، ما يجعل من أي حضور لحماس هنا جزءًا من مشهد أشمل لا يمكن فصله عن التوازنات الإقليمية.

درس الدوحة: عندما تتجاوز إسرائيل حدود الحليف والوسيط

هنا بالضبط يصبح استحضار تجربة قطر ضروريًا لفهم حساسية الموضوع. إسرائيل لم تتردّد في ضرب هدف لحماس داخل الدوحة، رغم أنّ قطر شريك أساسي في الوساطة بين تل أبيب والحركة، وتستضيف مكتبها السياسي منذ سنوات، وتعمل مع واشنطن في ملف التهدئة وتبادل الأسرى. الضربة التي وقعت في 9 أيلول 2025 استهدفت مجمّعًا سكنيًا كان يضم أعضاءً من فريق التفاوض التابع لحماس وعائلاتهم، وأدّت إلى مقتل خمسة من كوادر الحركة وعنصر من الأمن القطري، قبل أن يتبيّن أنّ القيادات المستهدفة نجت من الاغتيال. الأمم المتحدة وصفت الهجوم بأنّه انتهاك لسيادة قطر ولقواعد استخدام القوة، وحذّر خبراؤها من أنّ ضرب بلد يستضيف مفاوضات لوقف إطلاق النار يهدّد مستقبل الدبلوماسية في النزاعات المسلحة. لكن الأهم من الإدانة بحد ذاتها، هو الرسالة العملية التي خرجت من الدوحة: إذا قرّرت إسرائيل أنّ وجود قيادة حماس في مكان معيّن يمثّل تهديدًا مباشرًا لمصالحها، فإنّ حدود الدولة المضيفة لا تشكّل ضمانة مطلقة لعدم الاستهداف.

سيادة بغداد وحدودها الفعلية أمام واشنطن وتل أبيب

من هذه الزاوية، يتحوّل الجدل في بغداد من سؤال: “هل من حقّنا أن نستقبل وفودًا فلسطينية؟” إلى سؤال آخر أشد تعقيدًا: “أي نوع من الحضور نريد لحماس على الأرض العراقية، وما الحدّ الفاصل بين التضامن السياسي وبين تحوّل البلد إلى ساحة مواجهة غير مباشرة؟”. خطاب عصام شاكر يركّز على البعد السيادي، حين يقول إنّ “بغداد هي التي تحدّد من يمكنه دخولها”، ويقدّم الأمر في إطار الندية السياسية مع العواصم الأخرى التي تستقبل قادة حماس. لكن الواقع العملي يشير إلى أنّ قرار استضافة حركة مصنّفة كـ“منظمة إرهابية” في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لا ينعكس على صورة العراق فقط كدولة “داعمة للقضية الفلسطينية”، بل كحلقة في شبكة أوسع تضم إيران وحزب الله والحوثيين، خصوصًا بعد فتح مكاتب أو تمثيلات لعدد من هذه القوى على الأراضي العراقية خلال الفترة الماضية.

في المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة أنّ جزءًا مهمًا من الشارع العراقي، وقطاعًا واسعًا من القوى السياسية، ينظر إلى حماس من زاوية مختلفة تمامًا: حركة مقاومة تقاتل إسرائيل منذ عقود، وتخوض اليوم حربًا ضارية في غزة دفعت فيها عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، ودمّرت فيها أحياء بأكملها. في هذا السياق، تصبح استضافتها في بغداد بالنسبة لهؤلاء تعبيرًا عن موقف أخلاقي وسياسي، أكثر منه مغامرة أمنية. وحين يذكّر شاكر بحجم الكارثة في غزة، فهو يحاول ربط الموقف العراقي من زيارة الوفد بسؤال أكبر: كيف يمكن لدولة عربية أن تعلن دعمها للفلسطينيين من دون أن تفتح قنوات مباشرة مع القوى التي تقاتل على الأرض؟ هذا المنطق، مهما اختلفت القراءات حوله، يعكس إدراكًا بأنّ “مركز الثقل” في القضية الفلسطينية اليوم لم يعد فقط في مقارّ منظمة التحرير أو السلطة، بل في القوى التي تحمل السلاح في غزة والضفة ولبنان.

حضور حماس في حسابات الحرب غير المباشرة على العراق

في حسابات العواصم البعيدة، لا يُقرأ حضور حماس في بغداد بوصفه تفصيلًا بروتوكوليًا إضافيًا في سجلّ زيارات الوفود الفلسطينية، بل كحلقة جديدة تُشدّ داخل شبكة أوسع من الفاعلين المرتبطين بمحور طهران. فكل صورة لقيادي حمساوي في بغداد، وكل حديث عن مكتب أو تمثيل سياسي للحركة على الأراضي العراقية، يُضاف تلقائيًا إلى ملف قائم أصلًا عن الفصائل المسلّحة، وخطوط الإمداد، والممرّات الجوية والبرية التي تُتهم بأنها تستخدم لتهديد إسرائيل أو مصالحها. في هذا التصوّر، العراق ليس بلدًا متضامنًا مع فلسطين فحسب، بل مساحة محتملة لإدارة جزء من معركة إقليمية طويلة، حتى لو أصرّت الحكومة على إبقاء العلاقة في إطار “الاتصالات السياسية”. لذلك لا يُتوقع – في السيناريو الأقرب إلى الواقع – أن تتحوّل زيارة وفد حماس وحدها إلى مبرّر لصواريخ مباشرة على بغداد، فهكذا خطوة تعني فتح أزمة كبرى مع واشنطن والمجتمع الدولي. الخطر الفعلي يتجسّد في مسار تراكمي أبطأ: أن تُستَخدم هذه الزيارات ومظاهر الحضور العلني للحركة، مع نشاط الفصائل العراقية، كحجّة لتشديد الخناق المالي على بغداد، أو لتعديل قواعد الوجود العسكري والأمني الأمريكي، أو لتبرير ضربات انتقائية تستهدف بنى مرتبطة بمحور إيران داخل العراق تحت عنوان “مواجهة التهديد القادم من أراضيه”. بهذه الطريقة يدخل اسم حماس إلى معادلة الحرب غير المباشرة على العراق: ليس من خلال قصف فوري، بل عبر تكثيف شعور الخارج بأنّ هذا البلد يقترب، خطوة بعد أخرى، من التماهي مع جبهة إقليمية تُدار فوق أرضه أكثر مما تُدار بإرادته.

معادلة بغداد الحساسة: بين رمزية فلسطين وكلفة الاصطفاف

في هذا السياق، تبدو معادلة بغداد شديدة الحساسية. من جهة، هناك قوى سياسية شيعية تعتبر العلاقة مع حماس امتدادًا طبيعيًا لعلاقتها مع طهران، وترى أنّ قطع هذه العلاقة أو تجميدها استجابة لتهديدات إسرائيلية أو أمريكية يعني التخلّي عن “أحد أعمدة محور المقاومة”. ومن جهة أخرى، هناك حكومة تحاول أن تقدّم نفسها بوصفها شريكًا موثوقًا في مسار التفاهمات مع واشنطن، خصوصًا في ملفات السلاح المنفلت والدولار والطاقة، وتعلم أنّ أي خطوة تُقرأ على أنّها منح غطاء أوسع لحماس على الأرض العراقية ستضعها تحت مجهر أدقّ في العواصم الغربية. بين هذا وذاك، يبقى خطاب “لا فيتو على الوفود الفلسطينية” لغة مريحة داخليًا، لكنها لا تجيب على السؤال الأكثر مباشرة: إلى أين يمكن أن يصل هذا المسار إذا تضاعف حضور الحركة في بغداد خلال الأشهر والسنوات المقبلة؟

ما يزيد من تعقيد الصورة أنّ إسرائيل نفسها لا تُبدي استعدادًا لمنح حماس أي مساحة آمنة طويلة الأمد، حتى في الدول التي تلعب دور الوسيط، مثل قطر. تصريحات مسؤولين إسرائيليين في الأسابيع الأخيرة ذهبت إلى حدّ تبرير محاولة اغتيال قادة حماس في الدوحة، واعتبارها “تصرفًا صحيحًا”، في إشارة واضحة إلى أنّ إسرائيل لا ترى في حدود الدول الأخرى عائقًا نهائيًا أمام استهداف الحركة وقياداتها ما دامت تعتبرها جزءًا من “تهديد إستراتيجي” يجب تصفيته. هذا الخطاب، حين يوضع إلى جانب مشهد استقبال وفد حماس في بغداد، يفتح الباب أمام قراءة جديدة: ليس مهمًا فقط كيف يرى العراق نفسه وهو يستقبل هذه الوفود، بل كيف يراه الخصوم الذين يملكون قرار الحرب والسلم في الإقليم.

هل تبقى بغداد ساحة سياسة أم تُستدعى إلى ساحة الحرب؟

في النهاية، يمكن القول إنّ زيارة وفد حماس إلى بغداد، ولقاءه شخصيات مثل عادل عبد المهدي وغيره، لن تمرّ “مرور الكرام” في الحسابات الإسرائيلية والأمريكية، حتى لو بدت في الداخل حدثًا سياسيًا عاديًا يتكرّر في عواصم عربية عديدة. الفارق أنّ العراق يعيش أصلًا في قلب شبكة نزاعات متداخلة: نفوذ إيراني، فصائل مسلّحة، وجود أمريكي حساس، وحدود ملتهبة مع سوريا وتركيا، وأثر مباشر لأي تصعيد في غزة أو لبنان أو إيران على أمنه الداخلي. في هذا المشهد، يتحوّل كل تفصيل – من فتح مكتب لحماس في بغداد، إلى استقبال وفد رفيع، إلى تصريح مطمئن من مسؤول عراقي عن “عدم وجود فيتو” – إلى خيط إضافي في خارطة معقّدة ستُستخدم لاحقًا في تقييم موقع العراق داخل خريطة الحرب أو السلم في الإقليم. ما إذا كان هذا الحضور سيبقى في حدود “العلاقات السياسية” كما يقول عصام شاكر، أم سيتحوّل مع الوقت إلى عنصر يُستدعى في لحظة توتّر كبرى لتبرير استهداف أو ضغط أو عقوبة، فهذا يتوقف على شيء واحد: قدرة بغداد الفعلية على الفصل بين دعمها المعلن للقضية الفلسطينية وبين عدم السماح بأن يتحوّل هذا الدعم إلى بوابة جديدة تجعلها، مرّة أخرى، أرضًا تُحسم عليها صراعات الآخرين.

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية والأمنية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14