بغداد اليوم - بغداد
يحظى ملف تسليم السلاح من قبل بعض الفصائل المسلّحة باهتمام داخلي ودولي متزايد، باعتباره واحدًا من أكثر الملفات حساسية في علاقة الدولة العراقية مع شركائها في الحرب على تنظيم داعش، وفي مقدّمتهم الولايات المتحدة. فبين الخطاب الرسمي الذي يتحدّث عن خطوات باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، وبين الشكوك التي تبديها أوساط سياسية وأمنية محلية ودولية، يبدو أنّ العراق يقف أمام اختبار معقّد: هل نحن أمام نزع سلاح فعلي، أم أمام إجراءات شكلية تهدف إلى كسب الوقت وتخفيف الضغط؟
تحذيرات من "تسليم غير فعلي" للسلاح
الخبير في الشؤون الأمنية، إياد المحمدي، حذّر من أنّ إعلان بعض الفصائل المسلّحة عن تسليم سلاحها قد لا يعكس واقعًا فعليًا وحقيقيًا على الأرض. وقال المحمدي لـ"بغداد اليوم" إنّ "التجارب السابقة تُظهر أنّ بعض الجماعات تلجأ إلى خطوات إعلامية أو سياسية تهدف إلى امتصاص الضغوط الداخلية والخارجية، من دون الالتزام الكامل بمتطلبات نزع السلاح الحقيقي، الذي يُفترض أن يكون شاملًا وشفافًا وخاضعًا لرقابة رسمية مستقلة".
وبيّن أنّ "التسليم غير الفعلي للسلاح قد يتم عبر تسليم معدات قديمة أو غير مؤثرة، أو نقل الأسلحة النوعية إلى مواقع سرية، أو إعادة توزيعها تحت مسمّيات مختلفة، فيجب الحذر من أنّ هذا الأسلوب لا يحقّق الاستقرار ولا يلبّي متطلبات بناء الدولة وسيادة القانون". وأضاف أنّ "الولايات المتحدة تراقب هذا الملف بدقة، وأنّ أي مؤشرات على عدم الجدية في نزع السلاح قد تُفسَّر على أنّها محاولة للالتفاف على الالتزامات المعلنة، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام ردود فعل سياسية أو اقتصادية أو حتى أمنية".
وتابع المحمدي أنّ "واشنطن تعتمد في تقييمها على معلومات استخبارية وميدانية، وليس فقط على التصريحات العلنية، وبالتالي فإنّ الفجوة بين الإعلان والتنفيذ قد تؤدّي إلى تصعيد غير محسوب العواقب، ينعكس سلبًا على الوضع الأمني والاقتصادي". وشدّد على أنّ "الجهات الرسمية مطالَبة بالتعامل بحزم ومسؤولية مع هذا الملف، من خلال وضع آليات واضحة ومعلنة لنزع السلاح، وضمان حصره بيد الدولة، وأي حلول جزئية أو مؤقتة لن تمنع الأزمات المستقبلية، بل قد تؤجّلها فقط".
مهلة 6 أشهر وربط المساعدات بملف نزع السلاح
إلى جانب التحذيرات المحلية، يتحرّك الملف على أرضية قانونية وسياسية جديدة في الولايات المتحدة. فمشروع موازنة وزارة الدفاع الأمريكية لعام 2026 تضمّن بندًا يربط استمرار جزء من المساعدات العسكرية والأمنية للعراق بمجموعة من الشروط المتعلقة بوجود المليشيات والسلاح خارج إطار الدولة، من بينها مسار واضح لنزع السلاح، وتفكيك التشكيلات غير الرسمية، وربط القرار العسكري والأمني بالقائد العام للقوات المسلحة حصريًا. هذا الربط يعني عمليًا أنّ التعاون العسكري والأمني، الذي كان في السابق قائمًا على أولوية مواجهة تنظيم داعش، بات اليوم مشروطًا أيضًا بكيفية تعامل بغداد مع السلاح خارج سيطرة الدولة.
في المقابل، يتيح القانون لوزير الدفاع الأمريكي، لمدة تصل إلى 6 أشهر، إصدار استثناء مؤقت إذا كان وقف أو تقليص المساعدات يضرّ بالمصالح الأمنية الأمريكية أو بجهود مكافحة الإرهاب. هذه المهلة تحوّل الملف إلى ما يشبه فترة اختبار؛ فإذا تحرّكت بغداد خلالها بخطوات ملموسة وقابلة للتحقق باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، يمكن أن تستمر برامج الدعم والتعاون. أمّا إذا اتّضح أنّ عمليات "التسليم" لا تتجاوز الجانب الشكلي، فإنّ أدوات الضغط تصبح جاهزة، من تجميد أو تقييد برامج المساعدة إلى إعادة النظر في شكل الوجود العسكري والاستشاري داخل العراق.
ضغط الكونغرس والاتجاه نحو العقوبات الاقتصادية
التحوّل لا يقتصر على البنتاغون، إذ تشهد أروقة الكونغرس نقاشات متصاعدة حول جدوى استمرار المساعدات العسكرية والأمنية للعراق في ظلّ استمرار نفوذ الفصائل المسلّحة. بعض أعضاء الكونغرس لا يطالبون فقط بربط المساعدات بشرط نزع السلاح، بل يدفعون صراحة باتجاه فرض عقوبات اقتصادية على شخصيات وكيانات عراقية، في حال تبيّن أنّ بغداد لم تتعامل بجدّية مع التزاماتها في هذا الملف أو سمحت بالالتفاف عليها عبر حلول شكلية أو جزئية.
في هذا المناخ، تُطرح بقوّة أفكار تتعلّق بتقييد تحويلات مالية، أو استهداف مؤسسات وشركات يُشتبه بارتباطها بجهات مسلّحة، أو استخدام الملفات المالية والمصرفية العراقية كأداة ضغط إضافية لدفع الحكومة نحو مسار أكثر وضوحًا في حصر السلاح بيد الدولة. ومع تزايد هذه الدعوات داخل الكونغرس، يتحوّل ملف نزع السلاح من قضية تفاهمات سياسية بين حكومتين إلى ورقة صراع داخل واشنطن نفسها، يتداخل فيها موقف الإدارة مع حسابات الجمهوريين والديمقراطيين، ومع مطالب بالتشدّد في استخدام الأدوات الاقتصادية تجاه العراق عند كل إشارة إلى تراجع أو مماطلة.
التعاون الأمني ضد داعش تحت التهديد
من الناحية العملية، كانت المساعدة العسكرية والأمنية الأمريكية أحد العوامل الأساسية في هزيمة تنظيم داعش خلال معارك التحرير، سواء عبر الدعم الجوي، أو تبادل المعلومات الاستخبارية، أو برامج التدريب والتسليح للقوات العراقية. ورغم تراجع خطر التنظيم بشكل كبير مقارنة بسنوات "الخلافة"، فإنّ التحذيرات من خلايا نائمة، وحدود مفتوحة مع سوريا، واحتمالية عودة التهديد بأشكال مختلفة، ما زالت حاضرة في التقارير الأمنية.
تعليق أو تقليص التعاون في هذا التوقيت، نتيجة تعثّر ملف نزع السلاح، لا يعني فقط خسارة دعم تقني أو لوجستي، بل قد ينعكس على قدرة المؤسسة العسكرية والأمنية في التعامل مع تهديدات مركّبة، بعضها داخلي وبعضها مرتبط ببيئة إقليمية معقّدة. وهنا يتقاطع تحذير المحمدي مع المخاوف الأوسع من أن يتحوّل السلاح غير الخاضع للدولة إلى عامل إضعاف لقدرة العراق على الحفاظ على الشراكات التي ساهمت في تحقيق الاستقرار النسبي بعد هزيمة داعش، سواء عبر الضغط على هذه الشراكات، أو عبر ربط استمرارها بتحوّلات قسرية في خريطة التحالفات الداخلية.
حزب الله والحوثيون في ذاكرة القرار الأمريكي
في خلفية هذا المشهد، يظهر ملف حساس آخر سجّلته واشنطن على بغداد في الآونة الأخيرة، يتعلّق بطريقة التعامل مع حزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن. التردّد السابق في الوصول إلى صيغة حاسمة بخصوص إدراج هذه الجماعات على لوائح الإرهاب أو التعامل معها بوصفها منظمات محظورة بالكامل، اعتُبر في بعض الدوائر الأمريكية إشارة إلى أنّ بغداد ليست مستعدة لقطع ارتباطاتها أو علاقاتها مع البُنى الإقليمية التي تستند إليها بعض الفصائل المسلّحة داخل العراق.
ومع أنّ العراق اتّخذ لاحقًا خطوات مرتبطة بتطبيق بعض قرارات مجلس الأمن وتجفيف مصادر التمويل، إلّا أنّ الانطباع الذي تَكوّن في واشنطن هو أنّ الدولة تتحرّك غالبًا تحت ضغط الظروف، وليس في إطار رؤية داخلية مستقرة تجاه ظاهرة السلاح العابر للحدود. اليوم، ومع فتح ملف نزع السلاح داخليًا، تعود تلك الملفات إلى الواجهة بوصفها معيارًا إضافيًا تُقاس به درجة جدّية أي تعهّد جديد يتعلّق بضبط السلاح أو إعادة هيكلة العلاقة مع الفصائل، وتُستحضَر أيضًا في نقاشات أعضاء الكونغرس الذين يدفعون باتجاه ربط هذا السجل السابق بأي قرارات جديدة تخصّ العقوبات أو شكل التعامل الاقتصادي مع العراق.
خيارات الدولة العراقية بين الاستقرار والاصطدام
في النهاية، يضع هذا الواقع الدولة العراقية أمام خيارات صعبة. المضيّ في مسار نزع السلاح الفعلي يتطلّب قدرة سياسية وأمنية على إدارة الصدام مع قوى مسلّحة تمتلك نفوذًا انتخابيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، إضافة إلى علاقات إقليمية معقّدة. وفي المقابل، الاكتفاء بتسويات جزئية أو "تسليم شكلي" للسلاح، كما يحذّر إياد المحمدي، يعني الإبقاء على الفجوة بين الخطاب والممارسة، وفتح الباب أمام ضغوط أمريكية ودولية، قد تبدأ بتعليق جزء من المساعدات العسكرية والأمنية، ولا تنتهي عند حدود العقوبات الاقتصادية التي يدفع نحوها بعض أعضاء الكونغرس.
ما بين هذه وتلك، يبدو أنّ معيار الحكم على التجربة لن يكون حجم التصريحات ولا عدد البيانات التي تتحدّث عن "تسليم السلاح"، بل وجود آليات واضحة وعلنية، خاضعة للرقابة، تضمن أن يتحوّل نزع السلاح من عنوان سياسي إلى واقع يمكن قياسه على الأرض. من دون ذلك، سيبقى احتمال تعليق التعاون العسكري والأمني، وتصاعد الدعوات إلى عقوبات اقتصادية، وارتفاع منسوب التوتر السياسي والاقتصادي، قائمًا كلّما اتّسعت الفجوة بين ما يُعلن وما يُنفّذ فعليًا في ملف السلاح خارج سلطة الدولة.
تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات