اقتصاد / ملفات خاصة 23-12-2025, 22:06 | --
+A -A

فوق الوزارات والمحافظات


تغلغل المكاتب الاقتصادية للأحزاب.. دولة ظلّ تدير العقود وتُفلس المقاولين في العراق

بغداد اليوم – بغداد

تضع مناشدة وصلت إلى "بغداد اليوم" من مجموعة من المقاولين القدماء في البصرة، صورةً شديدة الوضوح لواقع سوق المقاولات في العراق: شركات مسجّلة أصوليًا، تدفع الضرائب والتأمينات، وتملك تاريخًا من العمل، لكنّها اليوم من دون مشاريع، فيما تُسحب حتى الأعمال الصغيرة من أمامها لتُمنح إلى شركات جديدة مرتبطة بأحزاب أو مدعومة من "مكاتبها الاقتصادية". هذه الشهادة الميدانية الممتدة من البصرة تلتقي مع ما ترصده تقارير بحثية وإعلامية عن تحوّل "المكاتب الاقتصادية" للأحزاب إلى بوّابة إلزامية للحصول على العقود الحكومية والاستثمارات في معظم المحافظات، ولا سيّما في مدن الجنوب الغنية بالمشاريع النفطية والخدمية.


مكاتب اقتصادية أم دولة ظلّ موازية للدولة؟

تقارير صحفية وبحثية حديثة تشير إلى أنّ "المكاتب الاقتصادية" لم تعد مجرّد هياكل تنظيمية داخل الأحزاب، بل تحوّلت إلى شبكات نفوذ مالي تدير جزءًا كبيرًا من موارد الدولة عبر السيطرة على العقود والمشاريع والاستثمارات، خصوصًا في المحافظات الجنوبية. مصادر في هيئة النزاهة الاتحادية نقلت، في وقت سابق، معلومات عن نفوذ واسع لمكاتب اقتصادية تابعة لأحزاب وفصائل مسلّحة في جميع الموارد الاقتصادية في محافظات الجنوب، وأنّ مئات الشكاوى قُدّمت بسبب ما يصفه المقاولون ورجال الأعمال بـ"الابتزاز" و"الاستحواذ المنظّم" على العقود.

في هذا السياق، يذهب بعض السياسيين والبرلمانيين السابقين أبعد من ذلك، في وصف هذه المكاتب بأنّها "منافذ لسرقة المال العام" و"مكاتب لنهب وسلب أموال الشعب"، ويتّهمونها بتدمير المشاريع العراقية عبر الدفع نحو عقود وهمية أو أعمال تُنفَّذ شكليًا على الورق ولا وجود حقيقيًا لها على الأرض.


كيف تُدار الصفقة؟ نسب ثابتة وشركات واجهة

المعلومات المتداولة في الوسط الاقتصادي والسياسي تشير إلى نمط شبه ثابت في عمل كثير من هذه المكاتب: الحزب يسيطر على وزارة أو محافظة أو هيئة، ومن خلالها تُشكَّل "لجنة" أو "مكتب اقتصادي" غير معلن رسميًا، يتولّى مراجعة العقود والمناقصات والاستثمارات، وفرض شروطه على الشركات المتنافسة. شهادات سابقة لمسؤولين، تحدثت عن نسب تتراوح بين (5 – 10٪) من قيمة أي مقاولة تُستقطَع لمصلحة المكتب أو الجهة السياسية التي تقف خلفه، مقابل تسهيل الفوز بالعقد أو عدم عرقلته.

في الميدان، تُترجم هذه الآلية بظهور شركات "واجهة" جديدة، تُسجّل بأسماء أفراد لا يظهر ارتباطهم العلني بالحزب، لكنها عمليًا جزء من منظومته الاقتصادية. هذه الشركات تحصل على عقود كبيرة أو متوسطة الحجم، ثم تستعين أحيانًا بمقاولين ثانويين لإنجاز جزء من العمل، مع الاحتفاظ بهامش ربح واسع يعود للمكتب الحزبي، لا لمهارات التنفيذ أو جودة البنية التحتية.


البصرة نموذجًا: مقاولو الأمس بلا عمل اليوم

المناشدة التي تلقّتها "بغداد اليوم" من مجموعة مقاولين قدماء في البصرة تعكس تمامًا هذه المعادلة المختلّة. المقاولون يشرحون أنّهم يملكون شركات مسجّلة منذ سنوات طويلة، يدفعون الضرائب والتأمينات والصندوق التقاعدي والتأمين الصحي للعاملين، لكنّهم اليوم بلا مشاريع، وبعضهم اضطرّ بالفعل إلى بيع شركته، وآخرون "على الطريق"، كما يقولون. المشكلة، كما يروونها، ليست في حجم مشاريعهم، فهي في الغالب أعمال صغيرة أو متوسطة، بل في أنّ هذه المشاريع نفسها تُسحب منهم وتُمنح لشركات أخرى "مُوصى بها" من مكاتب اقتصادية أو أطراف متنفّذة.

المقاولون يوجّهون مناشدتهم مباشرة إلى محافظ البصرة، طالبين إتاحة جزء من المشاريع المحلية لشركاتهم التي يصفونها بأنّها "قديمة وملتزمة" وتملك خبرة في التنفيذ، بدل أن تُترك تموت تباعًا، في ظل بيئة من التنافس غير العادل. ويقول بعضهم إنّهم، رغم قبولهم بمشاريع صغيرة أو أعمال تأهيل محدودة، يفاجأون بأنّ "اليد الحزبية" تمتد حتى إلى هذا المستوى، لتفرض أسماء معيّنة أو شركات جديدة لا تاريخ لها في سوق المقاولات.

هذه المناشدة تتقاطع مع تصريحات سابقة لرئيس اتحاد مقاولي البصرة، الذي تحدّث عن مستحقّات مالية كبيرة بذمّة الحكومة المركزية لصالح الشركات والمقاولين، تُقدّر بأكثر من تريليون دينار في البصرة وحدها، وبنحو ٣٠ تريليون دينار على مستوى العراق، ما يضيف طبقة أخرى من الضغط على المقاولين الذين لا يحصلون لا على مشاريع جديدة، ولا على مستحقّاتهم القديمة في الوقت نفسه.


مشاريع تُبنى لتنهار.. دورة الربح على أنقاض الخدمة

من أخطر ما يحذّر منه خبراء الفساد الإداري في العراق، هو أنّ كثيرًا من الشركات المرتبطة بالأحزاب أو المكاتب الاقتصادية لا تُبنى على منطق الجودة والاستدامة، بل على منطق "دورة الربح". العمل يُنفّذ غالبًا بمواصفات أدنى من المطلوب، أو بمواد أقل جودة، أو بكلف مضخّمة على الورق، ما يجعل المشروع عرضة للتلف السريع، ويخلق بعد سنوات قليلة مبرّرًا لمشروع جديد بعنوان "إعادة تأهيل" أو "صيانة شاملة" أو "إعمار من جديد".

تقارير عن المكاتب الاقتصادية تشير إلى أنّ اعتماد مشاريع وهمية أو منقوصة التنفيذ كان أحد أسباب "تدمير جميع المشاريع العراقية"، بحسب تعبير بعض النواب السابقين، لأنّ المشروع يُنشأ أصلًا في سياق صفقة لا في سياق تخطيط خِدْمي، ثم يُعاد تدويره مرة بعد أخرى لصالح شبكات الفساد نفسها.

في مثل هذه البيئة، تصبح الشركات الرصينة – التي تحاول الالتزام بالمواصفات الفنية – في موقع ضعف؛ فإذا حاولت تنفيذ العمل كما يجب، تضعف أرباحها ولا تستطيع دفع الإتاوات أو مجاراة "شروط المكتب الاقتصادي"، وإذا خضعت لمنطق التلاعب بالمواصفات، فإنّها تخسر سمعتها المهنية وتتحوّل إلى جزء من اللعبة ذاتها التي تشتكي منها.


قطاع خاص محاصر.. واقتصاد مُدار من خارج قواعد السوق

أبحاث اقتصادية حديثة عن بيئة الأعمال في العراق تصف الوضع بأنّ الشركات المتوسطة والصغيرة "تضطرّ للعمل ضمن نظام اقتصادي تهيمن عليه الأحزاب النافذة والثريّة"، وأنّها لا تحصل على فرص متكافئة في العقود والاستثمار ما لم تدخل في ترتيبات مع جهات سياسية متحكّمة.

هذا التغلغل يخلق طبقة من "الاقتصاد الموازي"، تتحوّل فيها المكاتب الاقتصادية إلى خزائن تمويل للأحزاب وحملاتها الانتخابية، كما تذكر تقارير عديدة، بينما يتحوّل المقاولون التقليديون إلى الحلقة الأضعف: لا حماية قانونية فعّالة، ولا بيئة منافسة حقيقية، ولا شفافية في طريقة إحالة العقود. وفي مدينة مثل البصرة، التي تُعدّ أغنى محافظات العراق من حيث الموارد النفطية والمشاريع الاستراتيجية، تصبح المفارقة أكثر قسوة: اقتصاد ضخم يدور في المحافظة، لكنّ جزءًا واسعًا من مقاولِيها القدماء يشتكون من غياب المشاريع، ومن تحوّل السوق إلى "حكر" على شركات مرتبطة بقوى متنفّذة.


إلى أين؟

المعطيات المتشابكة – من تغوّل المكاتب الاقتصادية، واستحواذها على العقود، وظهور شركات واجهة ضعيفة الخبرة، وتراكم مستحقّات المقاولين، ومناشدات المقاولين القدماء في البصرة – تشير إلى أنّ المشكلة لم تعد مجرّد شكاوى فردية، بل اختلال بنيوي في علاقة الدولة بسوق المقاولات والاستثمار.

من دون إعادة الاعتبار لمبدأ المنافسة العادلة، وفرض شفافية حقيقية على العقود الحكومية، وتقييد نفوذ المكاتب الاقتصادية للأحزاب داخل الوزارات والمحافظات، سيبقى القطاع الخاص الحقيقي محاصرًا، وسيستمرّ المال العام في تمويل اقتصاد حزبي موازٍ، فيما تنهار المشاريع أو تُعاد كل بضع سنوات بذات المنطق الربحي القصير.

مناشدة مقاولي البصرة، وهم يطالبون المحافظ بأن يفتح لهم باب العمل من جديد، ليست مجرّد طلب محلي؛ هي إنذار بأنّ "اقتصاد المكاتب" بدأ يلتهم ما تبقّى من "اقتصاد المقاولين" في العراق، وأنّ معالجة هذا الملف لم تعد ترفًا إداريًا، بل شرطًا لأي حديث جدّي عن تنمية حقيقية في بلد استُهلكت موارده في الدورات نفسها: مشروع يُمنَح، يُنفَّذ بشكل رديء، ينهار، ثم يُعاد إعماره بأسماء جديدة، فيما يبقى المواطن هو الخاسر الأوّل والأخير.

تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

بغداد والكويت بين القصف والتوتر.. الحرص على ضبط العلاقات وسط تداعيات مضيق هرمز - عاجل

بغداد اليوم - بغداد كشف عضو مركز التنمية عدنان محمد، اليوم الجمعة ( 10 نيسان 2026 )، عن موقف بغداد من القصف الذي استهدف قضاء الزبير قبل أيام وأسفر عن سقوط سبعة أشخاص بين شهيد وجريح. وقال محمد لـ"بغداد اليوم": "القصف الذي طال أحد المنازل في

اليوم, 00:22