اقتصاد 22-12-2025, 12:31 | --
+A -A

اختلالات هيكلية عميقة


خريطة المخاطر الاقتصادية التي رسمها العالم للعراق خلال العام 2025

بغداد اليوم - بغداد

في قراءة المؤسسات الدولية خلال 2025، لا يبدو العراق كاقتصاد يتجه إلى أزمة واحدة محددة، بل كمنظومة تعيش على توازن حساس: دولة تمول نفسها من مورد واحد، وتستهلك أغلب ما تجنيه على إنفاق جار، وتؤجل بناء اقتصاد منتج، ثم تفاجأ أن الصدمات لا تأتي منفردة، بل كموجات متزامنة ترتبط بسعر النفط، وقرارات الإنتاج، وشح المياه، ووظائف الشباب، وثقة المستثمرين. لهذا تكرر التقارير توصيفا واحدا: اختلالات هيكلية عميقة لا تعالجها وفرة مؤقتة ولا يغطيها تحسن ظرفي.

اعتماد خطير على النفط

الملاحظة الأكثر ثباتا في تقارير 2025 هي أن النفط ما زال يقرر إيقاع الدولة قبل أن يقرر إيقاع السوق. فحين تكون إيرادات الدولة مرتبطة بهذا الشكل بسوق شديد التقلب، يصبح أي تغير في الأسعار أو كميات الإنتاج قادرا على نقل البلد من مساحة إنفاق واسعة إلى مساحة ضغط خلال وقت قصير. هذا الاعتماد لا يعني هشاشة مالية فقط، بل يعني أن السياسة نفسها تتحول إلى إدارة أزمة متكررة كلما تغير منحنى النفط.

مالية عامة تحت ضغط دائم

تربط التقارير بين هشاشة الإيراد النفطي وبين شكل الإنفاق العام. الفكرة ليست في وجود عجز من عدمه فقط، بل في تركيب الموازنة: رواتب وتقاعد ودعم وتحويلات، مقابل استثمار إنتاجي لا يكفي لتغيير شكل الاقتصاد. وفي هذا السياق، يبرز تحذير متكرر من تضخم الإنفاق الجاري على حساب الإنفاق التنموي، بما يجعل الدولة أقل قدرة على الصمود إذا تعرضت لصدمة نفطية أو لاحتياج طارئ.

اقتصاد غير متنوع وقطاع خاص بطيء

في المقابل، تشير التقارير إلى أن القطاع غير النفطي يتحرك أقل من قدرته، وأن سنوات الاستقرار النسبي لم تتحول تلقائيا إلى نمو سريع ومستدام. وتضيف أن القطاع الخاص ما زال مقيدا بعوامل مزمنة: بيروقراطية، تمويل محدود، منافسة ضعيفة، سياسات غير مستقرة، وهيمنة الدولة على مفاصل اقتصادية واسعة. وبدون بيئة تنظيمية واضحة وسوق تمويل نشط، يبقى الاستثمار الخاص أضعف من أن يتحول إلى محرك تشغيل واسع.

التمويل والمصارف: عقدة تؤخر الاستثمار

واحدة من أكثر الإشارات تكرارا في التقارير هي أن النظام المالي لا يؤدي دوره الكامل في تحريك الاقتصاد. فحين يكون الائتمان للقطاع الخاص محدودا، وحين تظل الثقة بالمنظومة المالية غير كافية، تصبح الشركات الصغيرة والمتوسطة محاصرة بين كلفة التشغيل وصعوبة الوصول إلى تمويل، وهو ما يضعف التوسع والابتكار ويقلل فرص خلق وظائف مستقرة.

سوق عمل مختل وبطالة شبابية مرتفعة

من زاوية سوق العمل، تركز التقارير على اتساع الاقتصاد غير النظامي بوصفه مساحة تشغيل كبيرة لكنها هشة. الوظائف غير النظامية تعني حماية أقل، وإنتاجية أضعف، وقاعدة ضريبية محدودة، وفي المحصلة دولة تدفع أكثر لتدير نتائج البطالة بدل أن تستثمر لتمنعها. وبينما تظل فرص القطاع العام هي الأكثر جاذبية، تتقلص قدرة الدولة على الاستيعاب مع تضخم الرواتب، وتبقى فجوة الشباب مفتوحة على احتمالات اجتماعية واقتصادية أعقد.

الفساد والحوكمة: كلفة خفية تستهلك الدولة

تتعامل التقارير الدولية مع الفساد والحوكمة بوصفهما مؤشرين اقتصاديين لا عناوين أخلاقية فقط. الفساد يرفع كلفة المشاريع، يضعف المنافسة، يطرد الاستثمار، ويحول الإنفاق العام إلى إنتاج أقل بكلفة أعلى. وفي الوقت نفسه، تضعف حوكمة الدولة قدرة المؤسسات على فرض قواعد عادلة وشفافة، وهو ما ينعكس مباشرة على ثقة السوق واستعداد رأس المال للدخول.

مخاطر خارجية متزايدة

لا تنظر التقارير إلى العراق كاقتصاد معزول، بل كبلد يتلقى الصدمات العالمية بسرعة بسبب اعتماده على النفط. تباطؤ الاقتصاد العالمي، أو اضطرابات جيوسياسية وتجارية، أو تغيرات في الطلب، كلها تتحول إلى أثر فوري على العوائد. وحين تكون الالتزامات الداخلية ثابتة ومتضخمة، يصبح هامش المناورة ضيقا أمام أي تراجع في الإيرادات.

الماء والمناخ: الخطر الذي صار اقتصاديا

في 2025، خرج ملف المياه من خانة البيئة إلى خانة الاقتصاد. شح المياه وتراجع الزراعة والهجرة الداخلية تضيف ضغوطا طويلة الأمد على المدن والخدمات وسوق العمل، وتضع الدولة أمام معادلة مكلفة: إما استثمارات كبيرة للتكيف وإدارة الموارد، أو تكاليف اجتماعية واقتصادية تتراكم عاما بعد عام. ومع تعقد ملف دول المنبع، يتحول الماء إلى عامل ضغط خارجي وداخلي في وقت واحد.

خلاصة 2025: تحسن قابل للانتكاس إذا بقيت الإصلاحات مؤجلة

الخلاصة التي تتكرر بين سطور التقارير الدولية هي أن تحسن الإيرادات وحده لا يبني مناعة. إذا بقيت الدولة تعتمد على النفط، وتستهلك أغلب مواردها على إنفاق جار، وتترك القطاع الخاص بلا تمويل كاف وبلا بيئة منافسة واضحة، وتواجه شح المياه بوصفه صدمة متكررة، فإن أي صدمة نفطية أو سياسية أو أمنية ستعيد الاقتصاد إلى نقطة التوتر.

وبحسب الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي فإن التقارير الدولية خلال 2025 لا تتحدث عن أزمة مؤقتة، بل عن مخاطر بنيوية في النموذج الاقتصادي العراقي، وأن أي تحسن بالإيرادات سيبقى هشا وقابلا للانتكاس مع أول صدمة نفطية أو سياسية أو أمنية ما لم تنفذ إصلاحات اقتصادية عميقة.

المصدر: بغداد اليوم+ موقع أكس+ وكالات

أهم الاخبار

ترامب يعلن فرض حصار بحري على مضيق هرمز: لن نسمح لإيران بابتزازنا

بغداد اليوم - ترامب يعلن فرض حصار بحري على مضيق هرمز: لن نسمح لإيران بابتزازنا

اليوم, 16:06
عاجل
ترامب يعلن فرض حصار بحري على مضيق هرمز: لن نسمح لإيران بابتزازنا