بغداد اليوم – بغداد
يدخل العراق عام 2026 وهو واقف على أرض نفطية أقل صلابة مما كانت عليه قبل عام واحد فقط؛ فأسعار خام برنت تدور منذ أسابيع حول عتبة 60 دولارًا للبرميل، بعد موجة تراجع تجاوزت 20 بالمئة خلال 2025، فيما يتداول خام البصرة المتوسط قرب 59 دولارًا، والبصرة الثقيل عند حدود 56 دولارًا تقريبًا، مع ضغوط إضافية ناتجة عن تباطؤ الاقتصاد العالمي واحتمالات تهدئة النزاع بين روسيا وأوكرانيا، بما يقلل "علاوة الحرب" على أسعار الطاقة.
في المقابل، صُمِّمت الموازنة الثلاثية التي تغطي أعوام 2023 – 2025 على أساس سعر يقارب 70 دولارًا لبرميل النفط، وبحجم إنفاق يقترب من 200 تريليون دينار، مع اعتماد يفوق 90 بالمئة على الإيرادات النفطية، وهو ما يعني أن أي انتقال فعلي إلى موازنة 2026 بسعر نفط قريب من 60 دولارًا سيخلق فجوة تلقائية بين ما خُطِّط له على الورق وما يمكن أن يدخل فعلًا إلى خزينة الدولة.
استنادًا إلى أرقام "سومو"، صدّر العراق خلال 2025 ما يقارب 3.4 مليون برميل يوميًا في المتوسط، أي ما قد يقترب من 1.2 مليار برميل في عام كامل، ما يجعل كل دولار يُفقَد من سعر البرميل يعني خسارة سنوية تناهز 1.2 مليار دولار، أي ما يعادل تقريبًا 1.6 تريليون دينار. وإذا بقي سعر الموازنة المفترض عند 70 دولارًا واستقر السوق قريبًا من 60، فإن الفارق قد يصل إلى 12 – 16 تريليون دينار خلال سنة واحدة فقط بسبب السعر، من دون احتساب أي تغيّر في الكميات أو في التزامات الإنفاق.
دين داخلي متضخّم وهامش مالي يضيق
هذه التقلّبات لا تأتي في فراغ مالي؛ فبحسب البيانات الرسمية، ارتفع الدين العام الداخلي إلى نحو 90 – 91 تريليون دينار مع نهاية 2025، فيما تشير تقديرات دولية إلى أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي اقتربت من 44 بالمئة، مع توقع استمرار الارتفاع التدريجي في 2026 و2027 إذا لم تتغير السياسة المالية بشكل واضح.
هذا يعني أن قدرة الحكومة المقبلة على استخدام الاقتراض كأداة سهلة لسدّ أي عجز جديد ستكون مقيدة بمخاطر تضخّم خدمة الدين، وبحساسية الشارع العراقي الذي ما زال يتذكّر أزمات الرواتب والدولار، وبحذر المؤسسات الدولية والمستثمرين من أي قفزات غير مدروسة في مستويات الدين. وفي الوقت نفسه، ما تزال بنية الإنفاق مائلة بقوة لصالح الجانب التشغيلي؛ رواتب ومخصصات وشبكات حماية اجتماعية والتزامات ثابتة، مقابل حصة أقل للمشاريع الاستثمارية التي يمكن أن تحرك الاقتصاد وتخلق فرص عمل.
موازنة بعجز متراكم لا تحتمل "تفاؤلًا مجّانيًا"
ضمن هذه الصورة العامة، يحذر الخبير في الشؤون الاقتصادية أحمد التميمي من أن موازنة عام 2026 "ستواجه تحديات جوهرية ومعقدة، في مقدمتها اتساع العجز المالي والمخاوف المتزايدة من انخفاض أسعار النفط عالميًا، ما يضع المالية العامة أمام اختبار حقيقي في ظل الاعتماد شبه الكلي على الإيرادات النفطية"، مشيرًا إلى أن "المؤشرات الأولية للأسواق العالمية تشير إلى حالة من عدم الاستقرار في أسعار الطاقة، نتيجة تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، وتغير أنماط الطلب، إضافة إلى التوترات الجيوسياسية وسياسات الإنتاج، وهو ما قد ينعكس مباشرة على حجم الإيرادات المتوقعة في موازنة 2026".
ويبيّن التميمي أن "استمرار ارتفاع النفقات التشغيلية، ولا سيما الرواتب والدعم والالتزامات الثابتة، يقابله ضعف واضح في الإيرادات غير النفطية، الأمر الذي قد يؤدي إلى اتساع فجوة العجز، ويحد من قدرة الحكومة على تمويل المشاريع الاستثمارية أو إطلاق برامج تنموية جديدة"، لافتًا إلى أن "من أبرز الصعوبات المتوقعة هي محدودية المرونة المالية في حال تراجع أسعار النفط عن مستوياتها المعتمدة في الموازنة، ازدياد الضغوط على الاحتياطي المالي واللجوء المحتمل إلى الاقتراض، تأثر الإنفاق الاستثماري، ما قد ينعكس سلبًا على فرص النمو وتوفير فرص العمل، صعوبة الاستمرار بالسياسات التوسعية في ظل بيئة مالية غير مستقرة".
ويضيف أن "معالجة هذه التحديات تتطلب إجراءات استباقية، أبرزها إعادة النظر في هيكل الإنفاق العام، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، وتوسيع القاعدة الضريبية بشكل عادل، إلى جانب دعم القطاعات الإنتاجية القادرة على تخفيف الاعتماد على النفط"، مؤكدًا أن "موازنة 2026 يجب أن تبنى على سيناريوهات واقعية وحذرة لأسعار النفط، مع اعتماد سياسات مالية رشيدة توازن بين متطلبات الاستقرار الاقتصادي والحفاظ على الالتزامات الاجتماعية، كما يجب الحذر من أن تجاهل هذه المعطيات قد يؤدي إلى تحديات أكبر في الأعوام اللاحقة".
بهذا الخطاب، يتحول رأي التميمي إلى جزء من مزاج اقتصادي أوسع؛ تحذيرات مماثلة تصدر عن خبراء آخرين ومؤسسات مالية دولية تؤكد أن الموازنات المبنية على أسعار نفط متفائلة دائمًا ما تُنتج عجزًا هيكليًا عند أول هزة في السوق، وأن التعويل على "عودة قريبة" لأسعار الثمانينات أو التسعينات قد لا يكون رهانًا واقعيًا في ظل تباطؤ النمو العالمي وتحوّل العالم تدريجيًا نحو الطاقة النظيفة.
خيارات الحكومة المقبلة.. بين الاقتراض وشدّ الحزام وإصلاح متأخّر
أمام هذه المعادلة، تبدو خيارات أي حكومة جديدة محدودة لكنها حاسمة. الاتجاه الأول هو الاستمرار في النموذج التقليدي؛ أي سدّ العجز عبر الاقتراض الداخلي من المصارف الحكومية والخاصة وسندات الخزينة، وربما قروض محدودة من الخارج، مع تأجيل الإصلاح الحقيقي في بنية الإنفاق والإيرادات. هذا المسار يمنح الحكومة "وقتًا مستقطعًا" لكنه يراكم دينًا داخليًا أعلى ويزيد كلفة خدمته في الأعوام اللاحقة.
الاتجاه الثاني يقوم على شدّ الحزام عبر ترشيق حقيقي للنفقات التشغيلية غير الضرورية، وضبط الهدر في الإيفادات والعقود والمشتريات، وإعادة ترتيب أولويات الصرف لصالح المشاريع التي تخلق دخلاً وفرص عمل، مع حماية الحد الأدنى من الالتزامات الاجتماعية الأساسية مثل الرواتب وشبكات الحماية للفئات الأشد هشاشة.
أما الاتجاه الثالث، فهو مزيج من الاثنين، لكنه مشروط بإرادة سياسية تقبل بتكلفة الإصلاح؛ أي أن تتحمل الحكومة كلفة قرارات غير شعبية على المدى القصير مقابل تجنب صدمات أكبر في الأعوام التالية، وأن تلتزم أمام البرلمان والرأي العام بموازنة مبنية على سيناريو نفطي حذر، لا على توقعات متفائلة تُكتب في الجداول ثم تصطدم بسوق يتحرك باتجاه آخر.
في كل الأحوال، تبدو موازنة 2026، كما يلمح أكثر من خبير، اختبارًا حقيقيًا لمدى استعداد الطبقة السياسية للانتقال من عقلية "الإنفاق حين يكون النفط مرتفعًا ثم اللجوء إلى القروض عند أول هبوط"، إلى عقلية إدارة مخاطر تستبق السوق ولا تكتفي برد الفعل عليه. وإذا كانت الأسعار في الخمسينات اليوم، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح مبكرًا هو: ماذا لو اقتربت من الأربعينات خلال 2026؟ عندها لن يكون النقاش عن عجز في ورقة الموازنة فقط، بل عن عجز في نموذج كامل لإدارة الاقتصاد، تأخر إصلاحه أكثر مما يحتمل الواقع العراقي.
تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات