بغداد اليوم – بغداد
شهدت الأيام الأخيرة تصاعداً في الجدل حول طبيعة الخطاب الموجّه إلى الموظفين والموظفات في مؤسّسات الدولة، بعد خروج أحد رجال الدين للمطالبة صراحةً بأن تقوم الحكومة والبرلمان بسنّ قانون يُلزم الموظفات في الدوائر الرسمية بارتداء الحجاب، مستنداً إلى توصيف عام لمظهر بعض الموظفات باعتباره "خادشاً للحياء" وغير منسجم مع ما يراه المتحدّث صورة مناسبة للوظيفة العامة.
هذا النوع من الخطاب لا يتوقّف عند حدود الرأي الديني الشخصي، بل يأخذ طابعاً سياسياً وقانونياً واضحاً عندما تتحوّل الدعوة إلى مطلب تشريعي موجّه إلى السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويطرح عملياً سؤالاً مباشراً عن حدود دور رجل الدين في رسم سياسات الدولة، وعن الإطار الذي يحدّد شكل العلاقة بين قناعات دينية فردية وبين قواعد العمل في مؤسّسات يفترض أن تخضع للدستور والقانون. في الوقت نفسه، يتقاطع هذا الخطاب مع موجة أوسع تستهدف الموظفين وحملة الشهادات بوصفهم عبئاً على الدولة أو سبباً للأزمات، ما يجعل النقاش يدور حول صورة الموظف العام في الوعي العام، وحول الجهة التي تتحمّل مسؤولية الفشل الإداري والسياسي والمالي في البلاد.
حماية الموظف العام
الخبير القانوني المستشار سالم حوّاس يقدّم قراءة قانونية لهذا المشهد، تنطلق من مبدأ واضح هو أنّ الموظف العام يتمتّع بحماية دستورية وقانونية، وأنّ أي خطاب يصدر عن شخصيات سياسية أو دينية تجاه هذه الفئة يجب أن يراعي هذا الإطار. يقول حوّاس إن "تصاعد الخطابات الصادرة عن بعض الساسة ورجال الدين، والتي تستهدف الموظفين وحملة الشهادات بوصفهم عبئاً على الدولة أو سبباً للأزمات، يمثل انزلاقاً خطيراً في الخطاب العام، ويتعارض مع أبسط قواعد العدالة والمسؤولية. مبيناً أن الموظف العام، ولا سيما الأكاديمي، يتمتع بحماية قانونية ودستورية تفرض احترام كرامته الوظيفية وعدم تحميله إخفاقات هيكلية لا يتحمل مسؤوليتها الفردية".
هذا التوصيف يضع حدوداً فاصلة بين النقد المشروع لأداء مؤسّسة معينة أو قطاع بعينه، وبين التعميم الذي يمسّ فئة كاملة من العاملين في الدولة، ويعيد إنتاج صورة سلبية عنهم في الرأي العام. فعندما يجري الحديث عن الموظفين وحملة الشهادات بوصفهم "عبئاً" أو "سبباً للأزمات" من دون تمييز بين حالات التقصير الفردي وبين آلاف الموظفين الذين يؤدّون أعمالهم ضمن ظروف إدارية معقّدة، فإن الخطاب ينتقل من مساحة التقييم إلى مساحة التشهير الجماعي.
ويضيف حوّاس في سياق واحد " أن الإقرار بوجود تقصير أو فساد لدى بعض الموظفين لا يبرر التعميم ولا يسمح بتحويل فئة كاملة إلى شماعة للفشل الإداري أو السياسي او المالي ، مؤكداً أن القانون يميّز بين المحاسبة الفردية المشروعة وبين التشهير الجماعي الذي يمس مصير الشرفاء قبل غيرهم ، وإن الخطاب الذي يصدر من مواقع تأثير ديني أو سياسي يحمل مسؤولية مضاعفة، كونه يوجّه الرأي العام وقد يشرعن الإقصاء أو الكراهية الوظيفية". بهذه الكلمات، يربط الخبير القانوني بين مضمون الخطاب وبين آثاره المحتملة، إذ إنّ اللغة التي تُستخدم في وصف الموظفين وحملة الشهادات يمكن أن تتحوّل لاحقاً إلى مبرّر لسياسات إقصائية أو إلى ضغوط اجتماعية وإدارية تمسّ حقّهم في العمل واحترام مكانتهم الوظيفية.
ويشدّد حوّاس في خلاصة موقفه على أنّ " حماية الموظفين وحملة الشهادات لا تعني الدفاع عن الخطأ، بل صون مبدأ سيادة القانون، ومنع استخدام النفوذ السياسي أو الديني لتصفية حسابات أو كسب شعبوي على حساب الاستقرار المؤسسي." وهذا يعني أنّ التصدي للتقصير والفساد واجب، لكن عبر الآليات القانونية والرقابية المعروفة، وليس عبر حملات خطابية تُحمِّل فئةً بعينها مسؤولية اختلالات هيكلية تتعلّق بطبيعة النظام الإداري والمالي والسياسي أكثر مما تتعلّق بسلوك موظف بعينه.
دور الماكينة الإعلامية في تكريس صورة سلبية عن الموظفين والموظفات
يتزامن هذا النقاش مع حضور واضح لماكينة إعلامية حزبية ودينية كبيرة، تمتلك قنوات فضائية ومنصّات رقمية وحسابات منظّمة على مواقع التواصل الاجتماعي، وتعمل على تكثيف بعض الخطابات وتكرارها بصورة مستمرّة. في هذا الإطار، لا يُقدَّم حديث رجل الدين عن "لباس الموظفات" أو عن "عبء الموظفين" على الدولة بوصفه رأياً محدود التأثير، بل يجري تضخيمه وعرضه في برامج سياسية وحوارات تلفزيونية ومقاطع قصيرة تُعاد مشاركتها آلاف المرات. ومع كل تكرار من هذا النوع، تتكرّس في ذهن المتلقّي صورة معيّنة عن الموظف والموظفة في الدولة، وتزداد فرص تحويل هذه الصورة إلى قاعدة غير مكتوبة، ثم إلى مطلب سياسي أو تشريعي بحجة أنّه يعبّر عن "رأي عام" متشكّل.
هذا الاستخدام الكثيف للإعلام لا يمكن فصله عن حجم الإنفاق الذي تتطلّبه هذه المنظومة، وعن ارتباط جزء منها بقوى سياسية تمتلك نفوذاً في مؤسّسات الدولة، وتتحدث أحياناً باسم فصائل مسلّحة أو بمرجعية دينية أو بصفات تمسّ الأمن الوطني. وحين يجري استغلال هذه المكانة لطرح أفكار مثل إلزام الموظفات بالحجاب عبر قانون، أو تصوير موظفين وحملة شهادات على أنّهم سبب مباشر للأزمات، فإنّ الخطاب لا يبقى في حدود الرأي، بل يضغط عملياً باتّجاه تغيير طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، ويؤثّر في شعور الموظف بالأمان القانوني والمهني. وفي هذه الحالة، تصبح مسؤولية أصحاب الخطاب والجهات التي تموّل وتروّج له مسؤولية مباشرة عن ما قد ينشأ عنه من استهداف وظيفي أو اجتماعي لفئة بعينها، سواء تمثّل ذلك في تقييد حرية المظهر الشخصي أو في فقدان فرص عمل أو في تضييق داخل المؤسّسات العامة.
بلد متنوّع الأطياف والمكوّنات والقوميات
في المقابل يقدّم عضو الحزب الشيوعي العراقي صالح رشيد قراءة مختلفة تنطلق من النص القانوني نفسه، وتعمل على فصل ما يقوله رجال الدين على المنابر عمّا يمكن أن يترتّب من آثار داخل مؤسّسات الدولة، إذ يوضح في حديثه لـ"بغداد اليوم" أنّه لا يوجد أي قانون في الدولة العراقية يُلزم الموظفات بارتداء الحجاب أثناء أدائهنّ لواجباتهنّ في الوزارات والمؤسّسات والهيئات الحكومية، ويشير إلى أنّ دعوات بعض رجال الدين لا تعدو كونها اجتهادات شخصية تنطلق من رؤى يؤمنون بها، لكنها لا تمثّل واقع الحال ولا تشكّل إطاراً قانونياً ملزِماً للدولة، وهو ما يعني عملياً أنّ الإطار القانوني القائم في العراق لا يفرض على الموظفات نمطاً محدّداً من اللباس الديني بوصفه شرطاً للعمل في الوظيفة العامة، وأنّ أي محاولة لإظهار هذه الدعوات وكأنّها تعبّر عن "روح القانون" أو "واجب الدولة" إنّما تتجاهل حدود العلاقة بين الرأي الشخصي والنص التشريعي النافذ.
ومن هذه الزاوية يواصل رشيد شرحه مؤكّداً أنّ العراق بلد متنوّع الأطياف والمكوّنات والقوميات، وأنّه دولة ذات طابع مدني تضمن الحريات الشخصية لمواطنيها، ويرى أنّ الدعوات إلى سنّ قانون يُلزم الموظفات بالحجاب داخل الدوائر لا تخرج عن كونها آراء خاصة وأجندات فكرية لأصحابها، ولا يوجد حراك رسمي حقيقي لتحويلها إلى نصوص قانونية تُفرض على الموظفات داخل مؤسّسات الدولة، وبذلك يعيد التذكير بصورة الدولة العراقية كما يقدّمها الدستور، دولة متعدّدة تَقبل اختلاف القناعات وأنماط الحياة ولا تتبنّى نموذجاً واحداً تُقاس عليه المظاهر الشخصية أو مستوى التدين، ويضع أي حديث عن تشريع إلزامي للحجاب الوظيفي في خانة "الرأي الخاص" الذي لا يكتسب قيمة قانونية ما لم يُنقل إلى قبة البرلمان عبر مسار تشريعي واضح وعلني، يخضع للنقاش المجتمعي والاعتراض والقبول، ولا يُفرض من بوابة المنبر الديني أو ضغط الشارع المصنّع إعلامياً.
ويستكمل رشيد موقفه بإعادة ترتيب أولويات النقاش العام، فيشير إلى أنّ الأولى بالاهتمام هو تحسين مستوى الخدمات، ومكافحة الفساد، وضمان أن يأخذ أصحاب الخبرة والكفاءة دورهم الحقيقي في صنع القرار داخل المؤسّسات الحكومية بعيداً عن المحاصصة، موضحاً أنّ تأمين حياة كريمة للمواطن، ومعالجة ملفات الفقر والبطالة والأزمات المالية والاقتصادية التي يمرّ بها البلد، تمثّل أولويات أكثر إلحاحاً من الانشغال بمظهر الموظفات أو نوع الملابس التي يرتدينها، وبذلك يضع مسألة الحجاب الوظيفي في حجمها الطبيعي كقضية ثانوية إذا ما قيست بما يواجهه المجتمع من تحدّيات معيشية وخدمية واقتصادية، ويُظهِر أنّ توجيه الجهد السياسي والديني والإعلامي نحو شكل اللباس بدلاً من جوهر أداء الدولة ووظائفها يمثل انحرافاً عن مهمة السلطة في إدارة شؤون المواطنين وترتيب مصالحهم وفق منطق العدالة والكرامة والحقوق الأساسية.
موقع القانون في حياة الدولة ومواطنها
بهذا المشهد يتبدّى أنّ جوهر الصراع لا يتعلّق بقطعة قماش فوق رأس موظّفة ولا بتوصيف عابر يطلقه خطيب عن "اللباس الخادش للحياء"، بل يتعلّق بموقع القانون في بنية الدولة وبصورة الموظّف والموظّفة في الوعي العام، وبالحدّ الفاصل بين وظيفةٍ عامةٍ تُدار بمعايير الكفاءة وسيادة القانون واحترام الكرامة وبين وظيفةٍ تُحاصَر بخطاب ديني وسياسي يمتلك المنبر والمال وأدوات صناعة رأي عام مصطنع، بحيث يُختزل فيها الموظّفون وحملة الشهادات إلى "عبء" و"مشكلة" و"تهديد أخلاقي" تُبنى عليه سياسات إقصائية وتشريعات محتملة تقيّد الحرية الشخصية باسم حماية المجتمع، في الوقت الذي تحاول فيه أصوات قانونية وسياسية مثل سالم حوّاس وصالح رشيد إعادة ضبط البوصلة نحو الدستور وطابع الدولة المدني وترتيب الأولويات حول الخدمات والعدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد وصون مكانة الموظّف بوصفه عماد الدولة لا مادّة جاهزة للوم، لتتحوّل مواجهة هذا الخطاب الشعبوي والديني إلى جزء من معركة أوسع على شكل الدولة نفسها، بين نموذجٍ يميل إلى توظيف الدين أداة ضغط وتعبئة، ونموذجٍ يصرّ على أن تبقى المؤسّسات فضاءً محكوماً بالقانون وحقوق المواطنين وحرّياتهم الأساسية.
تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات