سياسة / ملفات خاصة 19-12-2025, 15:30 | --
+A -A

خرائط جديدة


من يمنع ومن يدفع؟ الأقاليم بين الكرد والشيعة والسنة وحسابات إسرائيل وإيران وتركيا والخليج - عاجل

بغداد اليوم – بغداد

عندما فتحت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات استمارة طلبات تشكيل إقليم البصرة، بدا وكأن بندا منسيّا في الدستور عاد إلى الحياة، حاملا معه أسئلة أكبر من البصرة نفسها ومن حدود المحافظة الإدارية. تحوّل إلى نقطةِ التقاءٍ بين ثلاثةِ مستوياتٍ متداخلة: نصٍّ دستوريٍّ أُقِرَّ قبل نحو عشرين عامًا ولم يُفعَّل إلّا جزئيًا، وصراعٍ داخليٍّ على السّلطةِ والثّروة يبحث عن صيغٍ جديدة لإعادة توزيع النّفوذ، وبيئةٍ إقليميّةٍ ودوليّةٍ تُراقب شكلَ الدّولةِ العراقية وتتساءل: هل يتّجه العراقُ إلى فيدراليةٍ تُدار داخل إطار الوحدة، أم إلى واقعٍ عمليٍّ تتجزّأ فيه مراكزُ القرار على هيئةِ أقاليم متنافسة؟ في هذا السّياق يصبح السّؤال الأهم: لماذا فُتِح مسارُ إقليمِ البصرة الآن تحديدًا، ومَن المستفيدُ من عودةِ ملفِّ الأقاليم، داخل العراق وخارجه؟

من المادة 119 إلى قانون 13: كيف صُمِّمت بوّابةُ الأقاليم؟

خطوةُ البصرة انطلقت من نصٍّ واضحٍ في الدّستور. المادّة (119) تمنحُ محافظةً واحدةً أو أكثر حقَّ التحوّل إلى إقليمٍ اتحاديٍّ عبر استفتاءٍ عام، إمّا بناءً على طلبٍ من ثُلثِ أعضاءِ مجلسِ المحافظة، أو من عُشرِ النّاخبين، مع مرحلةٍ تمهيدية تبدأ بالتماسٍ يوقّعه (2%) من النّاخبين قبل فتحِ بابِ جمعِ تواقيع الـ(10%) ثمّ الذهاب إلى صناديق الاقتراع. هذا الإطار فُصِّل في قانون رقم (13) لسنة 2008 الخاصّ بالإجراءاتِ التنفيذية لتكوين الأقاليم، الذي حدّد بدقّةٍ مسارَ الطلب، ودورَ المفوّضيةِ العُليا المستقلّة للانتخابات، وحدودَ دورِ مجلسِ الوزراء الذي تقتصر مهمّته على تحديدِ موعدِ الاستفتاءِ بعد استكمالِ الشروط القانونية.

في هذا الإطار القانوني قرأ الخبيرُ القانوني المستشار سالم حوّاس ما جرى في البصرة على أنّه ممارسةٌ طبيعيةٌ لحقٍّ دستوري، وليس مبادرةً سياسيةً طارئة. قال حواس إنّ إطلاقَ المفوّضية استمارةَ طلباتِ تشكيلِ إقليمِ البصرة يُجسّد التطبيقَ العمليَّ للمادّة (119) من الدستور العراقي، التي منحت المحافظاتِ غيرَ المنتظمةِ في إقليمٍ حقَّ التحوّلِ إلى أقاليم اتحاديةٍ بإرادةٍ داخلية، دون الحاجةِ إلى تشريعٍ جديدٍ أو قرارٍ سياسيٍّ مركزي، موضّحًا أنّ هذا الحقَّ يُعدّ من ركائزِ النظامِ الاتحادي الذي أُقِرَّ منذ عام 2005. وأوضح أنّ المُشرِّع وضع ضماناتٍ تمنعُ العبثَ بهذا المسار، عبر اشتراطِ طلبٍ رسمي إمّا من ثُلثِ أعضاء مجلس المحافظة أو من عُشرِ النّاخبين، واعتمادِ نسبة (2%) كمرحلةٍ تمهيديةٍ لقياسِ الجديةِ الشعبيّة، وأنّ المفوّضية هي الجهةُ الوحيدةُ المخوّلةُ بإدارةِ الملفّ من التدقيقِ وحتى الاستفتاء، وأنّ إحالةَ الطلبِ إلى مجلسِ الوزراء لاحقًا لا تنطوي على سلطةٍ تقديريةٍ بالرفضِ أو القبول، بل تدخل في إطارِ تحديدِ موعدِ الاستفتاءِ ليُحسَم الأمرُ في النهايةِ بإرادةِ النّاخبين وحدهم. بهذه القراءة، أيُّ تعطيلٍ رسميٍّ لمسارٍ استوفى شروطَه سيكون عمليًا تعطيلًا لنصٍّ دستوريٍّ أكثرَ منه قرارًا سياسيًا عاديًا.

بين القانون والسياسة: من البصرة إلى مشروع "الإقليم العربي"

ثائرُ البياتي، الأمينُ العامُّ لجبهةِ الخلاصِ العراقيِّ للحريةِ والسّلام، يضعُ الأقاليمَ في خانةِ الحقِّ الدستوري أيضًا، لكنّه يذهب أبعد في استنتاجاته. يُشير إلى قانون رقم (13) لسنة 2008 بوصفه الإطارَ التنفيذيَّ الواضح الذي يمنحُ أيَّ محافظةٍ أو مجموعةِ محافظاتٍ حقَّ طلبِ تكوينِ إقليم، ويتحدّث عن نسبتي (2%) و(10%) بوصفهما جزءًا من هندسةٍ مقصودةٍ لضبط الإيقاع بين التعبيرِ الشعبيّ والاستقرارِ الإداري. يذكّر البياتي بأنّ محاولاتِ تشكيلِ إقليمي صلاح الدين وديالى عامي 2011 و2013 أوقِفَت بقرارٍ من مجلسِ الوزراء آنذاك برئاسة نوري المالكي، ويرى في ذلك تعطيلًا مباشرًا للدستور أسهم في إنتاج ما يسمّيه "حكمًا هجينًا"، لا هو مركزيٌّ واضح ولا هو اتحاديٌّ مُطبَّق فعليًا. ثمّ يذهب إلى القول إنّ العراق يتّجه حتمًا نحو نظامِ الأقاليم، وأنّ البلاد قد تشهدُ قيامَ ثلاثةِ أقاليمَ أو أكثر، مستعيدًا مشروعَ إقليمِ البصرة الذي طُرِح منذ 2008 ثمّ عُطِّل، ومتحدّثًا عن مشروع "الإقليم العربي" الذي يُفترض أن يضمّ محافظاتِ صلاح الدين والأنبار ونينوى وديالى وصولًا إلى حزامِ بغداد وجرفِ الصخر، بوصفه إقليمًا إداريًا يهدف، في خطابِ أصحابه، إلى حمايةِ المجتمعِ والأرض، وإنهاءِ الفوضى وسيطرةِ المليشياتِ والإرهاب في تلك المناطق.

من صَمَّم فكرةَ الأقاليم قبل اليوم؟ بين الفيدراليةِ الكردية و"الإقليم الشيعي" والمحاولاتِ السُّنية

خلف هذه التصريحات تقف تجربةٌ عراقيةٌ تمتدُّ لنحوِ عقدين مع فيدراليةٍ غيرِ متوازنة. دراساتٌ متخصّصة تشيرُ إلى أنّ تحويلَ الدّولةِ العراقية من نموذجٍ مركزيٍّ صارم إلى دولةٍ اتحاديةٍ كان أحدَ الأهدافِ الرئيسة لمهندسي ما بعد 2003، سواء داخلَ جزءٍ من الطّبقةِ السياسيةِ العراقية، أو لدى دوائرَ أمريكيةٍ وغربيةٍ رأت في الفيدراليةِ وسيلةً لإدارةِ التعدّدِ القوميِّ والطائفيِّ ومنعِ عودةِ نظامٍ شموليٍّ قوي. الدستورُ أقرَّ بشكلٍ صريح حقَّ تكوينِ الأقاليم، واعترف بإقليمِ كوردستان ككيانٍ اتحاديٍّ قائم، وترك البابَ مفتوحًا أمام محافظاتٍ أخرى لتلتحقَ بالمشروع عبر آليةٍ واضحة، لكنّ التطبيق ظلَّ منقوصًا؛ إقليمٌ واحدٌ فعليٌّ في الشمال، ومحافظاتٌ في الوسطِ والجنوبِ والغرب تُدارُ بقانونِ المحافظاتِ غيرِ المنتظمةِ في إقليم، مع خلافاتٍ مستمرةٍ على الصلاحياتِ والموارد.

في كردستان، اشتغل المشروعُ مبكرًا. الحركةُ الكردية سعت إلى تثبيتِ إقليمِ كردستان بوصفه كيانًا اتحاديًا واسعَ الصلاحيات، مستندةً إلى تجربةِ ما قبل 2003، ثمّ إلى النصِّ الدستوريّ بعد ذلك، مطالِبةً بتنفيذِ ما ورد في بابِ الأقاليم، بما في ذلك آليةِ ضمِّ محافظاتٍ أخرى إلى الإقليم عبرَ استفتاء. نجاحُ هذا النموذج، رغم مشكلاته مع بغداد، جعل الإقليمَ الكرديَّ مرجعًا لكلِّ نقاشٍ لاحقٍ عن الفيدرالية داخل العراق.

في الجنوب، كان مشروعُ "الإقليمِ الشيعي" الذي طرحه عبدُ العزيز الحكيم عام 2005 أحدَ أكثرِ المشاريعِ إثارةً للجدل. المشروعُ دعا إلى إقليمٍ واسعٍ يضمُّ عددًا كبيرًا من المحافظاتِ ذاتِ الأغلبيّة الشيعية في الجنوبِ والفراتِ الأوسط. داخليًا، انقسمَ البيتُ الشيعيُّ نفسُه؛ قوى مثل حزبِ الدّعوة وتياراتٍ أخرى رأت في هذه الفكرة تفكيكًا لوحدةِ العراق ومصدرًا لصراعٍ داخليٍّ على الثروةِ والقرار، فيما تبنّتْها أطرافٌ أخرى بوصفِها وسيلةً لحمايةِ الأغلبيّةِ الشيعية من عودةِ الاستبداد وضمانِ إدارةٍ محليةٍ للثروات. على الضفّة المقابلة، قرأ جزءٌ كبيرٌ من المكوّنِ السُّنيِّ المشروعَ باعتبارِه محاولةً لاحتكارِ النفطِ الجنوبي ضمنَ إقليمٍ واحد، وتعميقَ الفاصلِ الطائفيّ بين "جنوبٍ شيعيٍّ" و"غربٍ وشمالٍ سنّي". ومع أنّ مشروع "الإقليمِ الشيعي" بصيغته تلك لم يتحوّل إلى واقعٍ على الأرض، إلّا أنّ آثاره بقيت حاضرةً في الخطاب؛ وعادت في السنواتِ الأخيرة، بين حينٍ وآخر، دعواتٌ من أطرافٍ شيعيةٍ مختلفةٍ لإحياءِ فكرةِ إقليمٍ جنوبيٍّ بصيغٍ مُعدَّلة، تربطُ بين ثروةِ النفط في البصرةِ والمحافظاتِ المجاورة، وبين شعورٍ عميقٍ بالغبنِ من طريقةِ إدارةِ بغداد للمركزِ الاقتصاديِّ للبلاد.

في المحافظاتِ السُّنية، جاءت محاولاتُ صلاح الدين وديالى بعد 2010 في لحظةِ احتقانٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ، وبعد سنواتٍ من صراعٍ مع تنظيماتٍ متطرّفةٍ وسياساتٍ أمنيةٍ مركزية. قادةٌ محلّيون استخدموا المادّة (119) للمطالبةِ بإقامةِ أقاليم، بحثًا عن هامشٍ أوسع من الإدارةِ المحليّة وحمايةِ المكوّنِ السُّني من التهميش، لكنّ قوى سياسيةً في بغداد رأت في هذه الخطوة محاولةً لإضعافِ الحكومةِ الاتحادية وفتحِ الباب أمام ترسيمِ حدودٍ طائفيةٍ داخل الدولة، فرفضت المضيّ في الاستفتاءاتِ المطلوبة. تلك اللحظةُ خلقت صورةً ذهنيةً لدى كثيرٍ من السُّنة بأنّ حقّهم في الفيدرالية "معلّق"، بينما يُسمَح في المقابل بتوسّعِ صلاحياتِ كوردستان، وتبقى فكرةُ "الإقليمِ الشيعي" حاضرةً، ولو بشكلٍ غيرِ معلن، في الخطابِ السياسيِّ الجنوبي.

أمّا البصرة، فقد حمل مشروعُها لونًا مختلفًا. المحافظةُ ذاتُ الأغلبيّةِ الشيعية، لكنّ دوافعَها للفيدرالية بدت أقربَ إلى دوافعَ اقتصاديةٍ وخدميةٍ منها إلى دوافعِ هويةٍ طائفية. في عام 2008 تقدّم وائلُ عبد اللطيف بعريضةٍ موقَّعةٍ من نحو 34 ألف ناخبٍ تقريبًا للمطالبةِ باستفتاءٍ على تحويلِ المحافظةِ إلى إقليمٍ منفرد. المبادرةُ تجاوزت عتبة الـ(2%) المطلوبة قانونًا، ما دفع المفوّضية إلى الإعلانِ عن الطلب وفتحِ الباب أمام بلوغ نسبةِ (10%) من النّاخبين، لكنّ الحملةَ فشلت في الوصولِ إلى هذه العتبة، وسطَ معارضةٍ من قوى رئيسةٍ في بغداد، لينتهي المسارُ إلى الفشل. لاحقًا، ومع احتجاجاتِ البصرة على الفسادِ وسوءِ الخدمات وتلوّثِ المياه وانقطاعِ الكهرباء، تجدد الحديثُ عن الإقليمِ بوصفه وسيلةً لإعادةِ توزيعِ الثروةِ وتقويةِ موقعِ البصرة في مواجهةِ المركز، وربطت دراساتٌ صحفيةٌ وبحثيةٌ بين ثقلِ المحافظةِ النفطيِّ والمينائيِّ من جهة، والفقرِ والبطالةِ والبُنى التحتيةِ المتردّيةِ من جهةٍ أخرى، ما جعل شعارَ "إقليمِ البصرة" يعودُ إلى الشارعِ مرةً بعد أخرى كأداةِ ضغطٍ وكخيارٍ دستوريٍّ مُؤجَّل.

البعد الخارجي: من خطة بايدن إلى حسابات إسرائيل وتركيا وإيران والخليج وسوريا

السؤالُ عن "مَن خطّط للأقاليم" قبل البصرة لا ينفصلُ عن السّياقِ الدولي. في عام 2006 طرح جو بايدن وليزلي غيلب خطةً معروفةً للفيدراليةِ في العراق، تقومُ على منحِ المكوّنات الرئيسة ثلاثَ مناطقَ واسعةَ الحكمِ الذّاتي (كرديةٍ وشيعيةٍ وسُنّية) ضمنَ دولةٍ موحّدةٍ شكليًا، مع حكومةٍ اتحاديةٍ تتولّى الأمنَ القوميَّ والمواردَ السيادية. الخطةُ حظيت بدعمٍ واسعٍ في مجلسِ الشيوخ الأمريكي بقرارٍ غيرِ مُلزِم، وقدّمها أصحابُها باعتبارِها الطريقَ الأمثلَ للحفاظِ على التعايشِ بين المكوّنات وإنهاءِ الحربِ الداخلية من خلال تقليلِ الاحتكاكِ المباشر. ورغم أنّ هذه الخطة لم تتحوّل إلى خارطةٍ رسميةٍ تُفرَض على العراق، إلّا أنّها رسّخت في الوعيِ العراقي فكرةَ أنّ جزءًا من النخبةِ الأمريكية كان يرى مستقبلَ العراق في إطارِ أقاليمَ واسعة، وأنّ الفيدرالية لم تكن فقط فكرةً داخلية، بل أيضًا جزءًا من نقاشٍ دوليٍّ حول إعادةِ تنظيمِ الدّولة.

في المقابل، لعبت قوى عراقيةٌ أدوارًا مختلفةً داخل هذا الاتجاه وحوله. الحركةُ الكردية عملت على تثبيت إقليمِ كردستان كحالةٍ اتحاديةٍ مكتملةٍ قدرَ الإمكان. قوى شيعيةٌ دفعت، في أوقاتٍ معيّنة، نحو فكرةِ الإقليمِ الجنوبي، أو على الأقلِّ نحو لامركزيةٍ واسعةٍ تمنحُ محافظاتِ الجنوب نفوذًا أكبر على النفطِ والموانئ. نُخبٌ سُنّيةٌ رأت في الأقاليم وسيلةً لحمايةِ مناطقِها بعد موجاتِ العنفِ والإقصاء. وبين هذه المشاريع كلِّها، بقي الدستورُ هو الإطارَ الذي يُتيح ذلك، وبقي التنفيذُ رهنًا بالتوازناتِ المتغيّرة في بغداد والعواصمِ الإقليميّة.

خارجَ الحدود، لكلّ دولةٍ مجاورةٍ حساباتُها. إسرائيل، مثلًا، استفادت من كلِّ مسارٍ يُضعِفُ مركزيةَ خصومِها في المنطقة. الدعمُ الذي أبدتْه لاستفتاءِ استقلالِ كردستان عام 2017 كان واضحًا؛ دولةٌ كرديةٌ محتملةٌ في شمالِ العراق تُرى في قراءاتٍ إسرائيليةٍ عدّة كفرصةٍ استراتيجيةٍ لوجودِ حليفٍ في خاصرةِ العراق وإيران وسوريا، ولإقامةِ علاقاتٍ نفطيةٍ وأمنيةٍ واقتصاديةٍ مباشرة، ولكسرٍ متتالٍ في الحزامِ العربي المتّصل. من هذه الزاوية، عراقُ الأقاليم، إذا انتهى إلى واقعٍ تتعدّدُ فيه مراكزُ القرار، قد يبدو أكثرَ قابليةً للاستثمار من عراقٍ مركزيٍّ قوي، لكنّ ذلك يظلُّ مشروطًا بهويةِ القوى المهيمنةِ في كلِّ إقليم؛ إذ لا معنى لمكسبٍ لإسرائيل من إقليمٍ جنوبيٍّ قويٍّ إذا كان مكرّسًا ضمنَ محورٍ قريبٍ من طهران.

تركيا تنظرُ بحذرٍ إلى أيِّ توسّعٍ في نموذجِ الأقاليم، لأنّ تجربةَ كوردستان العراق انعكست مباشرةً على ملفِّها الكرديِّ الداخلي، ولأنّ أنقرة تخشى الفراغاتِ الأمنية والحدودَ غيرَ المنضبطة جنوبًا. لكنها، في الوقتِ نفسه، بنت مع أربيل علاقةً اقتصاديةً وثيقةً في ملفِّ النفطِ والتجارة. بالنسبة إلى أقاليمَ سُنّيةٍ محتملةٍ في نينوى والأنبار وصلاح الدين، أو لإقليمِ البصرة النّفطي، فإنّ أنقرة ستوازن بين مصلحتِها في وجودِ شركاء محلّيين متعدّدي المراكز في العراق، وبين خشيتها من أن تتحوّلَ هذه الكيانات إلى ساحاتِ نفوذٍ لقوى منافسة، سواء كانت إيران أو قوى غربية، أو إلى ممرّاتٍ غيرِ مضبوطةٍ لأنشطةِ جماعاتٍ تعتبرها تهديدًا مباشرًا، مثل حزبِ العمالِ الكردستاني.

إيران تنظرُ إلى العراق كجزءٍ من عُمقِها الاستراتيجي. رسميًا تُعلنُ تمسّكها بوحدةِ العراق ورفضَها لأيِّ تقسيم، لكنها عمليًا بنت نفوذًا سياسيًا وأمنيًا واسعًا داخل قوى شيعيةٍ وفصائلَ مسلّحةٍ في الوسطِ والجنوب. قيامُ أقاليمَ جديدةٍ في هذه الجغرافيا قد يكون مقبولًا لطهران ما دامت القوى المهيمنةُ داخلها لا تخرجُ عن المدارِ السياسي الذي ترتاحُ له، ويمكن أن يُستخدمَ لتوزيع عبءِ إدارةِ التفاصيلِ اليوميةِ على سلطاتٍ محليةٍ دونَ المساسِ بخطوطِ القرارِ الكبرى. لكنّ سيناريو قيامِ إقليمٍ سُنّيٍ واسعٍ على طولِ الحدودِ الغربية، متفاعلٍ مع ملفّاتِ سوريا والأردن والسعودية، أو إقليمِ بصرةٍ يمتلكُ قدرةَ تفاوضٍ مستقلةٍ أكبر مع واشنطن والخليجِ والشركاتِ الدولية، يحملُ مخاطرَ محتملة، لأنّه قد يُقلّل من قدرةِ المركزِ المتحالفِ معها في بغداد على التحكّمِ بكلِّ الملفّاتِ الحسّاسةِ من نقطةٍ واحدة، ويفتحُ في المقابل مساحاتٍ لنفوذٍ منافس.

السعوديةُ ودولُ الخليج ترفعُ في خطابِها الرسمي شعارَ دعمِ وحدةِ العراق، مدفوعةً بهاجسِ منعِ انتقالِ سيناريوهاتِ التفكّك إلى دولٍ أخرى في المنطقة. في الوقتِ نفسه، تُراقب هذه الدولُ النقاشاتِ عن "الإقليمِ العربي" في المحافظاتِ السُّنية وعن الأقاليمِ في الجنوب، من زاويةِ التوازنِ مع نفوذِ إيران. إقليمٌ سُنّيٌّ واسعٌ قد يبدو لبعضِ الدوائرِ الخليجية عنصرَ توازنٍ مع أقاليمَ قريبةٍ من طهران، لكنه في الوقتِ ذاته يُثيرُ أسئلةً عن استقرارِه، وعن القوى التي ستهيمنُ عليه، وعن إمكانيّةِ تحوّله إلى ساحةِ تنافسٍ إقليميٍّ جديد. إقليمُ بصرةٍ نفطيٌّ قويٌّ بدوره يفتحُ ملفًا حسّاسًا: إلى أيِّ حدٍّ يمكن أن يميلَ هذا الإقليمُ اقتصاديًا وسياسيًا نحو الخليج، أو يبقى ضمنَ محورٍ قريبٍ من إيران، وما يعنيه ذلك لأسواقِ النفط وخطوطِ التصديرِ في الخليج؟

سوريا تقفُ أمام صورةٍ أخرى؛ فالنقاشُ عن الفيدراليةِ هناك يتقاطعُ مباشرةً مع ما يجري في العراق. في الشمالِ الشرقيّ نشأت، بدعمٍ من التحالفِ الدولي، إدارةٌ ذاتيةٌ كرديةٌ تطرحُ لنفسِها مستقبلًا في إطارٍ لامركزيٍّ أو فيدراليٍّ داخلَ سوريا ما بعد الحرب. أيُّ توسّعٍ في نموذجِ الأقاليمِ في العراق، خصوصًا في الشمالِ والغرب، سيؤثّر على تصوّراتِ القوى الفاعلةِ لمستقبلِ سوريا، والعكسُ صحيح، ما يعني أنّ الخرائطَ باتت مترابطةً عبرَ الحدود، وأنّ الأطرافَ الإقليمية تنظرُ إلى المشرقِ كوحدةٍ سياسيةٍ – أمنيّةٍ واحدة، لا كجزرٍ منفصلة.

بين الحقّ الدستوري وأداةِ التفاوض: ماذا تعني عودةُ ملفِّ الأقاليم اليوم؟

في المحصّلة، عودةُ ملفِّ الأقاليم اليوم ليست مجرّد استجابةٍ متأخّرةٍ لنصٍّ في المادّة (119)، بل تعبيرٌ عن أزمةِ ثقةٍ متراكمةٍ بين المركزِ والأطراف، وعن بحثٍ داخليٍّ وخارجيٍّ في الوقتِ نفسه عن شكلٍ جديدٍ لإدارةِ الدولةِ العراقية. المستفيدُ أو المتضرّرُ من الأقاليم لن يُحدَّد فقط عبر أسماءِ المحافظاتِ التي تتحوّلُ إلى أقاليم، بل عبر الإجابةِ عن أسئلةٍ أبعد: مَن سيمسكُ فعليًا بقرارِ هذه الأقاليم؟ كيف ستُنظَّمُ العلاقةُ بينها وبين بغداد في الدستورِ والقانونِ والممارسة؟ وكيف ستتعاملُ دولُ الجوار مع عراقٍ تتعدّدُ فيه مراكزُ القرار، من البصرة إلى نينوى، ومن أربيل إلى حدودِ الأنبار؟

بين من يرى في إقليمِ البصرة بوّابةً لتصحيحِ الخللِ التاريخي في توزيعِ الثروة، ومن يخشى أن يكونَ خطوةً أولى على طريقِ تفتيتٍ تدريجيٍّ للقرارِ الوطني، ومن يُعيدُ إحياءَ فكرةِ "الإقليمِ الشيعي" أو "الإقليمِ العربي" كوسيلةٍ لحمايةِ مكوّناتٍ كبرى من صداماتٍ مقبلة، يبقى الحسمُ رهناً بكيفيةِ إدارةِ هذا المسار: هل يُترَك لمعادلةٍ دستوريةٍ واضحةٍ تُحترَمُ نتائجُها، أم يتحوّلُ إلى ورقةِ تفاوضٍ إضافيةٍ في صراعٍ داخليٍّ وإقليميٍّ مستمرٍّ حول مستقبلِ العراق وحدودِه وأدواره؟

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14