بغداد اليوم – بغداد
منذ أن خرج وزير الخارجية العراقي ليقول بوضوح إنّ خطر إسرائيل على العراق "ما زال قائماً"، وإنّ ما جرى خلال الأشهر الماضية كان تأجيلاً لمسار الضربات المحتملة لا إلغاءً لها، عاد سؤال ثقيل إلى واجهة النقاش في بغداد: لماذا يبقى العراق جزءاً من معادلة الصراع الإسرائيلي – الإيراني – الأمريكي، رغم أنّه لا يعلن حرباً ولا يوقّع سلاماً؟ وإلى متى يمكن أن يظلّ الخطر "مؤجَّلاً" فوق سمائه وحدوده من دون أن يتبدّد فعلاً؟ هذا السؤال لا يتحرّك في الفراغ، بل يتغذّى من سياق إقليمي متشابك، حيث تتصرّف تل أبيب بثقة زائدة مدعومة بسقف أمريكي مرتفع، وحيث تتقدّم دبلوماسية "تُطبِّعون أو تُعاقَبون" التي رافقت موجة اتفاقات أبراهام في الخليج والمغرب والسودان، لتصوغ واقعاً جديداً يقول للدول: إمّا أن تدخلوا في شبكة تطبيع مع إسرائيل، أو تتعايشوا مع ضغوط اقتصادية وسياسية وأمنية متصاعدة. في هذا المناخ، يجد العراق نفسه خارج قطار التطبيع رسمياً، لكنه ليس خارج حسابات الحرب ولا خارج خرائط الردع، فيما تزدحم فوقه إشارات متضاربة: اتفاقية إطار إستراتيجي مع واشنطن من جهة، وفصائل مسلّحة مرتبطة بمحور طهران من جهة أخرى، وحديث داخلي صريح، كما قال عضو الإطار التنسيقي عدي عبد الهادي، عن "حرب لا نهاية لها في الشرق الأوسط في ظلّ الدعم غير المسبوق الذي يقدّمه البيت الأبيض للكيان المحتل"، وتحذير واضح من أنّ "العراق ليس بمنأى عن أيّ عدوان محتمل"، وأنّ "الحديث عن انتهاء صوت الرصاص وهم، فالحرب قد تعود في أي لحظة".
خطر مؤجَّل لا مُلغى.. العراق بين تحذير الخارجية وإيقاع الحروب من حوله
حين يؤكّد وزير الخارجية أنّ التهديدات الإسرائيلية التي وصلت إلى بغداد "لم تُسحَب من الطاولة بل جرى تأجيلها"، فإنّه يضع العراق في خانة دقيقة: بلد لا يُستهدَف اليوم، لكنّه لم يخرج من قائمة الأهداف. هذه الصيغة، "الخطر المؤجَّل"، تعكس واقعاً مركّباً أكثر من كونها جملة دبلوماسية مطمئنة؛ فهي تعني أنّ إسرائيل كانت تدرس فعلاً ضرب أهداف داخل الأراضي العراقية في ذروة الاشتباك مع إيران، وأنّ اتصالات مكثّفة مع واشنطن وعواصم أوروبية نجحت في إقناعها بأنّ توسيع الحرب إلى العراق سيُربك حسابات الحلفاء ويضعف حكومة يُفترض أنها شريك للغرب في ملفات الطاقة ومحاربة الإرهاب، لكنها لا تعني أبداً أنّ العراق أصبح خارج المعادلة. ما دام المشهد الإقليمي كما هو عليه الآن، بوجود فصائل مسلّحة تعدّ نفسها جزءاً من "محور واحد" يمتدّ من طهران إلى غزة، وبوجود قوات أمريكية تعتبرها هذه الفصائل خصماً مباشراً، فإنّ أيّ جولة جديدة من التصعيد ستعيد فتح ملف العراق على طاولة المخططين في تل أبيب، بوصفه مساحة تلتقي فيها مصالح الخصوم وتتصادم فيها أدواتهم.
هذا الإدراك هو ما ينعكس في لهجة عدي عبد الهادي حين يربط بين حرب لا تنتهي في الشرق الأوسط وبين دعم أمريكي "غير مسبوق" لإسرائيل، ومعها القدرة على التحرّك في الإقليم "من دون رادع"، كما يقول. فالعراق، في هذه القراءة، ليس المستهدف الأول بالضرورة، لكنه واحد من الأماكن القليلة التي تتجاور فيها أذرع واشنطن وطهران، ويتقاطع فوقها مسار الفصائل مع مسار القواعد، ويصبح فيها أيّ خطأ أو هجوم أو ردّ جزءاً من سلسلة أكبر لا تتحكّم بغداد في بدايتها ولا نهاية حلقاتها.
من طوفان الأقصى إلى ضرب طهران.. كيف يتشكّل ممر النار الذي يمرّ بجوار العراق؟
لفهم "لماذا" يبقى الخطر قائماً، يمكن النظر إلى الخارطة التي يرسمها عبد الهادي حين يتحدّث عن "مرحلة حسّاسة ومفصلية" أعقبت أحداث طوفان الأقصى، وما تبعها من تصعيد طال فلسطين ولبنان وسوريا واليمن وصولاً إلى طهران بعد حرب الـ 12 يوماً في حزيران الماضي. طوفان الأقصى لم يكن مجرّد هجوم غير مسبوق على مستوطنات ومواقع عسكرية داخل فلسطين المحتلّة؛ لقد كان شرارة كشفت عمق هشاشة الترتيبات الأمنية التي تأسّست بعد اتفاقات أوسلو وموجات التطبيع، وأخرجت إلى السطح خطوط تماس كانت تُدار في الظلّ. فجأة تحوّلت حدود لبنان الجنوبية إلى جبهة استنزاف مفتوحة، وصارت الغارات على سوريا شبه يوميّة، وارتبطت الساحة اليمنية بالممرّات البحرية الحيويّة عبر هجمات استهدفت السفن، ثم جاءت الضربة الإسرائيلية داخل إيران نفسها لتقول إنّ "حرب الظلّ" لم تعد كافية، وإنّ الرسائل تُكتَب الآن على جدران العواصم.
العراق قد لا يكون طرفاً مباشراً في هذه الجبهات، لكنه جزء من الجغرافيا التي تجعلها مترابطة. فكلما ارتفع منسوب الاشتباك بين إسرائيل وإيران، يعود الحديث في غرف مغلقة عن الممرّ البري الذي تشكّله الأراضي العراقية بين طهران وسوريا ولبنان؛ وكلّما اندلع توتر جديد بين الفصائل العراقية والقوات الأمريكية، يعود النقاش في واشنطن وتل أبيب عن "بيئة التهديد" التي توفّرها هذه الفصائل ضد المصالح الأمريكية والإسرائيلية. في هذا السياق، يصبح من المنطقي – في نظر صانعي القرار هناك – أن يبقى العراق ضمن "بنك الأهداف المحتملة" إذا ما قرّرت إسرائيل الانتقال إلى مرحلة شاملة في صراعها مع إيران وحلفائها. الخطر إذن لا يُختزَل في نوايا اللحظة الراهنة، بل في بنية متحرّكة من الجبهات المتصلة التي تجعل من العراق، شاء أم أبى، جزءاً من خريطة أوسع للنار.
زمن "تُطبِّعون أو تُعاقَبون" واتفاقات أبراهام.. أين يُوضَع العراق في شبكة الأمن الجديدة؟
إحدى الزوايا التي تزيد من حساسية موقع العراق اليوم هي التحوّل الذي أحدثته اتفاقات أبراهام في معادلة الأمن الإقليمي. تلك الاتفاقات، التي ربطت إسرائيل رسمياً بجملة من الدول العربية على مستوى العلاقات الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي والأمني، لم تكن مجرّد "سلام ثنائي" بين تل أبيب وهذه العواصم، بل جزءاً من إعادة هندسة أوسع لشبكة التحالفات التي تقودها واشنطن في المنطقة. الرسالة غير المعلنة التي رافقت الموجة الأولى والثانية من هذه الاتفاقات يمكن تلخيصها بمنطق "تُطبِّعون أو تُعاقَبون": إمّا أن تدخلوا في منظومة تطبيع تدمج إسرائيل في النظام الإقليمي، وتضمن لكم مظلّة أمريكية أوسع، أو تجدوا أنفسكم في موقع الدول "المشكوك فيها"، تحت ضغط العقوبات أو العزل أو التهديد الأمني المباشر وغير المباشر.
العراق اختار، حتى الآن، البقاء خارج هذا القطار. لا اتفاق أبراهيمياً يربطه بإسرائيل، ولا حتى مسار علني نحو التطبيع، بل خطاب رسمي يؤكّد مراراً رفض أي خطوة من هذا النوع. لكنّ البقاء خارج دائرة "المُطبِّعين" لا يضعه تلقائياً في خانة "المحمِيّين". على العكس، قد يجد نفسه – في قراءة كثير من النخب – في منطقة رمادية خطرة: ليس جزءاً من شبكات التنسيق الأمني التي تُبنى بين إسرائيل وبعض دول الخليج، وليس في الوقت نفسه قادراً على إعلان انحياز كامل لمحور طهران الذي يرفع شعار مواجهة التطبيع بالقوّة. هذه المنطقة الرمادية هي ما يجعل معادلة "تُطبِّعون أو تُعاقَبون" تلقي بظلالها غير المباشرة على بغداد: هي لا تواجه ضغطاً مباشراً للتوقيع على اتفاق، لكنها تواجه ضغوطاً مستمرّة لتقييد نفوذ الفصائل، وضبط العلاقة مع إيران، وتكييف سياستها الطاقوية والاقتصادية بما ينسجم مع هندسة إقليمية جديدة تكون فيها إسرائيل جزءاً من ترتيبات الأمن البحري والجوي والاقتصادي في الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط.
في هذا الإطار، يصبح خطر إسرائيل على العراق ليس فقط احتمال ضربة عسكرية، بل أيضاً احتمال أن يُستخدم التهديد بها كأداة ضغط ضمن هذه المعادلة: كلّما تردّد العراق في قطع مسارات معيّنة مع إيران أو في إعادة هيكلة وجود الفصائل المسلحة، يمكن أن يُذكَّر، في الكواليس، بأنّ هناك "سقفاً" إسرائيلياً جاهزاً للتهديد، وأنّ الخيار ليس فقط بين حرب وسلام، بل بين أن يكون جزءاً من شبكة أمنية تشارك فيها إسرائيل أو يتحمّل كلفة البقاء خارجها مع ما يعنيه ذلك من هشاشة أمام أيّ تصعيد.
اتفاقية واشنطن والسلاح خارج الدولة.. حدود ما تستطيع بغداد فعله أمام هذه الشبكة
وسط هذه البنية، تحاول بغداد أن ترفع خطاب السيادة وتؤكد أنّ "حماية العراق يجب أن تكون مسؤولية العراقيين أنفسهم"، كما يقول عدي عبد الهادي، بالاستناد إلى تعزيز القدرات الدفاعية، وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، والتفاوض على تنظيم وجود القوات الأجنبية. لكنّ الواقع يضع أمامها ثلاثة قيود كبرى: أوّلها أنّ الاتفاقية الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، رغم أنّها توفر إطاراً للتعاون، تبقي إلى اليوم حضوراً عسكرياً أمريكياً يجعل من العراق جزءاً من حسابات أيّ صراع أوسع بين واشنطن وطهران أو بين واشنطن وحلفاء طهران، بما في ذلك إسرائيل. وثانيها أنّ وجود فصائل مسلحة ذات ارتباطات إقليمية، وتاريخ من الاشتباك مع القوات الأمريكية، يضعف قدرة الدولة على تقديم نفسها كجهة وحيدة تحتكر قرار السلم والحرب على أراضيها. وثالثها أنّ الانقسام السياسي الداخلي حول تعريف "المصلحة الوطنية" يجعل كل خطوة باتجاه حصر السلاح بيد الدولة أو إعادة ضبط العلاقة مع إيران محلّ نزاع وتخوين، لا محلّ توافق.
في ظلّ هذه القيود، يصبح الجواب عن سؤال "إلى متى يبقى الخطر قائماً؟" مرتبطاً بما هو أبعد من مجرد رغبة الحكومة أو خطابها. تستطيع بغداد أن تقلّل من احتمال استهدافها عبر تحسين إدارة علاقتها مع واشنطن، وفتح قنوات تهدئة مع طهران، وضبط خطاب الفصائل بحيث لا يقدّم ذرائع سهلة لمَن يبحث عنها، لكنّها لا تستطيع أن تقدّم ضمانة حقيقية بأنّ اسماً عراقياً لن يرد في بنك أهداف إسرائيلي أو أمريكي إذا ما انفلتت الأمور على جبهة أخرى. ما دام السلاح خارج الدولة واقعاً، وما دامت اتفاقات أبراهام تعيد صياغة شبكة أمنية جديدة في الجوار لا يكون العراق جزءاً منظماً منها، وما دامت واشنطن ترى في إسرائيل ركناً ثابتاً في هذه الشبكة، فإنّ قدرتها على تحييد العراق لن تكون كاملة، بل ظرفية ومتغيّرة بتغيّر اللحظة والملف.
من يخرج العراق من المعادلة؟ شروط تفكيك الخطر بدل انتظار موعد لانتهائه
إذاً، لا يملك أحد اليوم تاريخاً محدّداً يُقال عنده إنّ خطر إسرائيل على العراق سينتهي، لكن يمكن رسم ملامح الطريق الذي قد يُخرِج العراق تدريجياً من هذه المعادلة. الطريق يبدأ من الداخل قبل الخارج: من اللحظة التي يُحسَم فيها أنّ قرار الحرب والسلم لا يمكن أن يكون موزعاً بين عواصم عدّة وفصائل متعدّدة، بل في مركز واحد هو الدولة، وأنّ أيّ سلاح خارج هذا الإطار لا يعرّض خصوم العراق للخطر بقدر ما يعرّضه هو نفسه لخطر التحوّل إلى ساحة مستباحة. ويتطلب أن تُعاد صياغة العلاقة مع إيران على أساس أنّها علاقة دولتين جارتين، لا محور أمني عابر للحدود، وأن تُدار العلاقة مع واشنطن على أساس شراكة متوازنة، لا ارتهان ولا قطيعة، بحيث لا يشعر أيّ طرف خارجي بأنّ العراق مجرّد امتداد جغرافي لخصومه.
في الوقت نفسه، يحتاج العراق إلى أن ينظر إلى اتفاقات أبراهام، ومنطق "تُطبِّعون أو تُعاقَبون" الذي يحيط بها، بعين باردة: لا هو قادر – ولا راغب غالباً – في الانضمام إلى قطار التطبيع الذي يجعل إسرائيل شريكاً مباشراً في أمن الخليج والبحر الأحمر، ولا هو مستفيد من أن يتحوّل رفضه لهذا المسار إلى ذريعة لتركه مكشوفاً أمام ضغوط أمنية واقتصادية وسياسية. الخروج الحقيقي من المعادلة لا يعني أن يستبدل بغداد تطبيعاً معلناً مع إسرائيل بتطبيع مقنّع مع حرب الآخرين على أرضه، بل أن يصوغ خياراً ثالثاً: دولة تحمي نفسها أولاً، وتتعامل مع كلّ الملفات، من فلسطين إلى إيران إلى أمريكا، بوصفها ملفات مصلحة وطنية لا أوراقاً في لعبة محاور.
في نهاية المطاف، يبقى ما قاله عبد الهادي عن أنّ "من يعتقد أنّ القضية الفلسطينية يمكن إنهاؤها بالقوّة والنار فهو واهم" تذكيراً بأنّ جزءاً كبيراً من معادلة الخطر على العراق لا يتعلّق به وحده. ما دامت جذور القضية الفلسطينية معلّقة، وما دام السلاح يُستخدَم أداة إدارة دائمة للصراع، وما دام الدعم الأمريكي لإسرائيل يوفّر غطاءً لحروب تتجدد كل عقد أو أقل، فإنّ خرائط التهديد ستبقى ممتدّة من غزة إلى طهران مروراً ببغداد. السؤال بالنسبة للعراق لن يكون إذن: متى تنتهي الحرب في الشرق الأوسط؟ فهذا سؤال لا يملك جواباً قريباً. بل سيكون: كيف يقلّل، بأقصى ما يستطيع، من حصّته في هذه الحرب، ويمنع أن يكون، مرّة أخرى، الجغرافيا التي تُدفع إليها أثمان لم يقرّر هو أسبابها ولا توقيت انفجارها؟
تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية والسياسية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - بغداد أوضح الخبير في شؤون الطاقة أحمد عسكر، اليوم الخميس ( 2 نيسان 2026 )، أهمية قرار وزارة النفط العراقية الخاص بعمليات تصدير مادة النفط الأسود عبر الحوضيات (الصهاريج البرية) باتجاه الأراضي السورية. تحرك عملي لتقليل المخاطر ويقول عسكر،