بغداد اليوم – بغداد
في كل مرة يعلو فيها خطاب طائفي على منبر أو عبر منصة رقمية، ويذهب مباشرة إلى سُبّ معتقدات شريحة واسعة من العراقيين عربا وكردا وتركمانا، لا يبقى الأمر رأيا صادما يمكن تطويقه بالنقاش، بل يتحول إلى شرارة تهدد السلم الأهلي من قلبه، لأن الطائفية ليست شتيمة عابرة بل لغة تعبئة، ولأن الانتقاص من عقيدة الآخر هو الوقود الأسهل لإشعال العنف عندما تتكدس الأزمات وتضعف الثقة بالقانون. المفارقة التي فجرت الضجة أخيرا ليست فقط في فداحة الإساءة، بل في أن ردود الأفعال الرسمية تبدو في حالات كثيرة باهتة أو مؤجلة أو محصورة بإجراءات شكلية، بينما تُظهر الدولة حزما أسرع وأقسى تجاه تيكتوكر أو مؤثر بسبب محتوى مُخلّ بالحياء والآداب العامة، مع إحالات واضحة وأحكام تُعلن للعلن، في وقت لا يخرج فيه خطاب سُبّ المعتقدات من دائرة الضجة إلى دائرة الردع الفعلي.
السياسي غالب الجبوري، وفي حديثه لـ"بغداد اليوم"، إن محاولة البعض إثارة النعرات الطائفية والإساءة إلى الرموز الدينية أمر بالغ الخطورة، لاسيما في ظل ظروف حساسة تتطلب تعزيز التماسك المجتمعي، مؤكدا أن بروز مثل هذه الرسائل يمثل ما يمكن تسميته بالمحتوى الأسود الذي يسعى إلى تعكير صفو حالة الطمأنينة والانسجام القومي والمذهبي بين مكونات المجتمع العراقي. ودعا الجبوري إلى التحرك العاجل والحازم بحق كل من يحاول الإساءة إلى الرموز الدينية، مطالبا برفع أي غطاء أو دعم سياسي عنهم ومحاسبتهم وفق القانون، ليواجهوا عدالة القضاء العراقي.
لماذا تُعد الطائفية أخطر من “خدش الحياء”؟
لأن المحتوى المُخلّ غالبا ما يطعن الذوق العام ويُحدث ضررا أخلاقيا أو اجتماعيا محدود المدى، أما خطاب الطائفية فهو خطاب يشتغل على تفكيك الهوية الوطنية، ويُعيد تعريف المجتمع على أساس نحن وهم، ثم يفتح الباب لتطبيع الكراهية بوصفها رأيا، والتحريض بوصفه وعظا، والتمييز بوصفه غيرة دينية، وهي الحلقة التي تعرفها الدول الخارجة من حروب أهلية أو القريبة منها: يبدأ الأمر بكلمات، ثم تُصبح الكلمات إذن عبور للعنف، ثم يتحول العنف إلى تبرير متبادل لا ينتهي.
والأخطر أن الانتقائية، حين تُرى في الشارع، تُنتج قناعة أن القانون لا يُطبق على الفعل بل على الفاعل، وعلى من لا غطاء له تحديدا، فتتراجع هيبة الدولة ويصبح التطرف استثمارا رخيصا لأن كلفته القانونية غير مؤكدة.
المواد القانونية التي تُفترض أن تُحرّك الملف
القانون العراقي لا يفتقر إلى مواد صريحة يمكن تفعيلها ضد التحريض الطائفي والإساءة للمعتقدات، لكن المشكلة غالبا في مسار الشكوى والأدلة وتوازنات الغطاء وغياب معيار موحد للتوصيف:
أولا: الدستور العراقي
يحظر الدستور النهج الذي يتبنى التكفير أو التطهير الطائفي أو يحرض أو يمجد أو يروج له، وهو نص واضح يجعل الطائفية مسارا محظورا لا رأيا قابلا للتسامح عند تحوله إلى تهديد للمجتمع.
ثانيا: قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969
المادة 200: تُعد من أهم المواد التي تتعلق بإثارة النعرات المذهبية أو الطائفية والتحريض على النزاع بين الطوائف.
المادة 372: تعاقب على الاعتداء العلني على معتقد طائفة أو التشويش على شعائرها أو إهانة رمز أو شخص موضع تقديس لدى طائفة دينية.
المادة 202: تتعلق بإهانة فئة من سكان العراق أو مجموعة من العراقيين علنا، ويمكن الاستناد إليها ضد خطاب التحقير الجماعي والانتقاص من مكون بعينه.
المادة 195: تُلامس مستوى أخطر عندما يتحول التحريض إلى محاولة إشعال اقتتال أو حرب أهلية عبر الحث أو الدفع نحو الاقتتال.
ثالثا: قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005
يُتعامل مع إثارة الفتنة الطائفية بوصفها تهديدا أمنيا قد يرقى إلى مستوى الجريمة الإرهابية عندما يتحول التحريض إلى مسار يهدد الوحدة الوطنية ويغذي العنف.
لماذا تتسع فجوة المحاسبة؟
تتشكل الفجوة عادة حين يغيب معيار علني موحد يفرق بين حرية التعبير وخطاب الكراهية، وحين تُصبح قضايا الآداب العامة أسهل في التوصيف والإثبات من قضايا التحريض الطائفي، وحين يرتبط المنبر أو المنصة بشبكات حماية أو حساسية توازنات تجعل الاستجابة الرسمية تميل إلى التهدئة بدل الردع. ومع كل حالة تمر بلا محاسبة حقيقية، تتعزز الرسالة الأخطر: يمكنك أن تُهين معتقدات الناس وتنجو.
المعالجة الدولية الرصينة: اختبار “خطة الرباط” بدل المنع الواسع
لا تنطلق المقاربة الدولية الرصينة من المنع الواسع الذي قد يتحول إلى رقابة سياسية، ولا من التساهل الذي يترك التحريض يتضخم، بل من اختبار دقيق يحدد متى يصبح الكلام تحريضا محظورا وليس مجرد تعبير. وتطرح خطة الرباط، المرتبطة بالمفوضية السامية لحقوق الإنسان، اختبارا من ستة عناصر لتحديد عتبة التحريض: السياق، المتحدث، النية، المحتوى والشكل، مدى الانتشار، واحتمالية الضرر.
هذا الاختبار مهم للعراق تحديدا، لأنه يُغلق باب المزاجية ويقلل مساحة الانتقائية، ويجعل القرار مرتبطا بخطر واقعي قابل للتفسير والمراجعة، لا بانتماء المتحدث أو لون المنبر أو قوة الجهة التي تقف خلفه.
تفصيل عناصر الاختبار يكشف كيف يمكن تحويله إلى معيار وطني عملي:
السياق: هل البلد يعيش احتقانا أو أزمة أو موسم تعبئة يجعل الشرارة أقرب للاشتعال؟
المتحدث: هل يمتلك سلطة رمزية أو جماهيرية تجعل خطابه قابلا للتحول إلى تعبئة؟
النية: هل قصد التحريض ضد جماعة أم قدم نقدا لا يدفع إلى كراهية أو أذى؟
المحتوى والشكل: هل يتضمن سُبا مباشرا وتجريدا من الإنسانية وتعميمات تحقيرية وتحريضا صريحا أو ضمنيا؟
مدى الانتشار: هل وصل إلى جمهور واسع عبر منبر أو منصة كبيرة وأُعيد تداوله؟
احتمالية الضرر: هل توجد قابلية واقعية أن يقود الخطاب إلى تمييز أو عنف أو اضطراب أمني قريب؟
حلول قابلة للتنفيذ: من الضجة إلى الردع العادل
اعتماد دليل إجرائي موحد يربط مواد قانون العقوبات الخاصة بالتحريض والإساءة للمعتقدات بمعيار واضح، ويجعل توصيف الحالات متساويا بين منبر ومنصة.
تفعيل دور الادعاء العام للتحرك تلقائيا في حالات السُبّ العلني للمعتقدات عندما تكون الأدلة منشورة وواضحة، بدل ترك الملف لمواجهة فردية غير متكافئة.
نشر بيانات دورية عن قضايا التحريض الطائفي: عدد الشكاوى، الإحالات، الأحكام، حتى لا يبقى الملف في الظل وتُصنع حوله روايات الانتقائية.
مساواة المنبر بالمنصة: إذا كانت الدولة قادرة على ملاحقة محتوى الآداب بسرعة، فمن باب أولى أن يكون التحريض الطائفي أولوية الردع لأنه يمس السلم الأهلي مباشرة.
تحصين حرية التعبير عبر الفصل الصارم بين النقد وبين التحريض، حتى لا تتحول مكافحة الطائفية إلى رقابة على الرأي.
والخلاصة، لا يحتاج العراق قوانين جديدة بقدر ما يحتاج ميزانا واحدا يُطبق على الجميع، لأن الطائفية ليست مخالفة كلامية بل تهديد للسلم الأهلي، وحين يرى الناس أن الدولة تُسرع في معاقبة خدش الحياء وتتردد أمام سُبّ المعتقدات، فإن الرسالة التي تصل للشارع ليست حماية القيم بل اختلال العدالة، واختلال العدالة هو الباب الذي تدخل منه الكراهية لتتحول من ضجة إلى واقع.
تقرير: محرر الشؤون السياسية والأمنية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات