سياسة / ملفات خاصة 15-12-2025, 17:46 | --
+A -A

من يفرض شروطه؟


بغداد بين “حسابات الأرقام” وخطوط واشنطن وإشارات طهران.. خارطة التحديات أمام تشكيل الحكومة

بغداد اليوم - بغداد

بعد مصادقة المحكمة الاتحادية العليا على نتائج الانتخابات في 14 كانون الأول 2025، دخلت عملية تشكيل الحكومة عمليا مرحلة “حسابات الأرقام” لا مرحلة “إعلان النتائج”، لأن لا كتلة تمتلك أغلبية 165 مقعدا تضمن لها تمرير رئيس وزراء وكابينة من دون شراكات واسعة. وفي هذا النظام، لا يكفي أن تتصدر قائمة بعدد مقاعد، بل الأهم من يجمع “الكتلة الأكبر” داخل البرلمان، ثم كيف توزع الرئاسات الثلاث وما يتبعها من حصص الوزارات والهيئات.

وهنا يضع الباحث في الشأن السياسي أحمد الأنصاري، الصورة في سياقها الداخلي المباشر، مؤكدا في حديثه لـ"بغداد اليوم" أن ولادة الحكومة العراقية الجديدة “لن تكون سهلة”، في ظل اشتداد الصراع بين الكتل والأحزاب السياسية على المناصب السيادية والمهمة في الدولة، لافتا إلى أن هذه الخلافات مرشحة لإطالة أمد المفاوضات وتعقيد المشهد السياسي.

خريطة المقاعد.. كثرة اللاعبين تعني كثرة “حق النقض”

نتائج 2025 أظهرت تقدما لائتلاف رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بعدد 46 مقعدا، فيما توزعت بقية المقاعد على كتل شيعية وسنية وكردية متعددة، ما يعني أن الحكومة المقبلة ستولد من “توافق مركب” لا من فوز بسيط. هذا التشظي يرفع ثمن كل مقعد، ويحوّل المفاوضات إلى سلسلة شروط: من رئاسة الوزراء إلى رئاسة البرلمان إلى رئاسة الجمهورية، ثم الوزارات السيادية والخدمية، ثم المناصب العليا والهيئات المستقلة.

ويقول الأنصاري إن التنافس الحالي “لا يقتصر على اختيار الرئاسات الثلاثة فحسب”، بل يمتد ليشمل توزيع الحقائب الوزارية والمناصب العليا في المؤسسات المستقلة والهيئات المهمة، وهو ما يعكس حجم المصالح المتشابكة وحالة عدم الثقة بين القوى السياسية، رغم الاستحقاق الدستوري الذي يفرض الإسراع بتشكيل الحكومة.

العقدة الداخلية الأولى: من يرأس الحكومة؟ وهل يعود السوداني؟

السوداني يتقدم رقميا، لكنه لا يملك وحده ضمان “ولاية ثانية”، لأن القوى التي دعمته سابقا ليست كتلة واحدة، وبعضها ينافسه اليوم أو يريد ثمنا أعلى لتجديد العقد السياسي. لذلك يصبح السؤال: هل يتوافق الشركاء الشيعة على تجديده، أم يذهبون إلى مرشح تسوية جديد، أم يفتحون الباب لسيناريو “حكومة توافق معقدة” برئيس وزراء أقل صدامية مع الداخل والخارج؟

وبحسب الأنصاري، فإن كل كتلة تسعى لضمان أكبر قدر ممكن من النفوذ السياسي والإداري، مستندة إلى نتائج الانتخابات والتحالفات المرحلية، ما يجعل التوافق أمرا بالغ الصعوبة، خاصة في ظل غياب رؤية موحدة لإدارة المرحلة المقبلة وتقديم أولويات الإصلاح والخدمات على حساب المكاسب الحزبية.

العقدة الكردية: النفط والميزانية و”حقوق الإقليم”

الملف الكردي عادة لا يقتصر على منصب الرئيس، بل يرتبط بحزمة تفاهمات معقدة تتداخل فيها السياسة بالمال والطاقة، وتبدأ من رواتب الإقليم وحصته من الموازنة، ولا تنتهي عند إدارة المنافذ والملفات السيادية المتعلقة بالنفط والغاز. وفي كل دورة تفاوض، يتحول شعار “حقوق الإقليم” إلى قائمة شروط تفصيلية: آلية تحويل الرواتب، تسوية الديون الداخلية، ضمانات تخص الاستحقاقات المالية، ثم العقدة الأشد حساسية المرتبطة باستئناف تصدير النفط عبر جيهان، وما يتطلبه ذلك من تفاهمات عراقية داخلية، وتقاطعات إقليمية مع تركيا، وحسابات داخلية بين بغداد وأربيل حول الإدارة والتسعير والرقابة. ولهذا، فإن الورقة الكردية لا تُطرح بوصفها “مشاركة في حكومة” فقط، بل بوصفها “اتفاق شراكة” يحدد شكل العلاقة بين المركز والإقليم في السنوات المقبلة، وهو ما يفسر لماذا تزداد تعقيدا عندما تُربط بملفات حساسة مثل الطاقة والتمويل والاستقرار.

العقدة السنية: رئاسة البرلمان وتوازنات المحافظات

البيت السني يدخل مفاوضات تشكيل الحكومة وهو يراقب توزيع المقاعد بين أكثر من لاعب، ما يجعل رئاسة البرلمان عنوانا ظاهريا لمعركة أعمق تتعلق بالتمثيل السياسي وإدارة المحافظات وتوازن النفوذ داخل الدولة. فالتفاوض السني لا يدور حول المنصب وحده، بل حول “حزمة التزامات” تتصل بالإعمار والتعويضات وعودة النازحين وإطلاق مشاريع الخدمات، إضافة إلى ملفات الصلاحيات الإدارية للمحافظات، وحصتها من الموازنة، وتثبيت مواقعها في مفاصل الدولة المدنية والأمنية. ومع غياب كتلة سنية واحدة قادرة على فرض اختيارها بسهولة، يتحول المنصب إلى نقطة شد وجذب بين تحالفات مرحلية، ويصبح كل طرف مطالبا بتقديم أوراق “ضمان” للآخرين داخل البيت السني، بالتوازي مع حساب موقعه بين المعسكرين الشيعيين المتنافسين، وهو ما يضاعف من تعقيد التفاوض ويجعل الاتفاق النهائي عرضة للاهتزاز عند أول خلاف على حقيبة أو منصب.

العامل الحاسم الجديد: واشنطن ترفع سقفها علنا

هنا تدخل طبقة ضغط إضافية على المشهد. القائم بأعمال السفارة الأمريكية في بغداد قال بوضوح إن “تشكيل الحكومة الجديدة قرار عراقي لكن استجابة واشنطن تجاه الحكومة هو قرار أمريكي”، مضيفا أن القادة العراقيين يدركون أن إشراك الفصائل في الحكومة أمر لا يتوافق مع الشراكة بين بغداد وواشنطن. وفي سياق متصل، نقلت تقارير أن القائم بالأعمال الأمريكي جوشوا هاريس دعا إلى “اتخاذ إجراءات عراقية عاجلة” لبدء تفكيك الجماعات المسلحة المدعومة من الخارج، مؤكدا أن الوقت حان لهذا المسار.

هذه ليست مجرد “رسالة دبلوماسية”، بل إعادة تعريف للخطوط الحمراء الأمريكية: ليس فقط من يرأس الحكومة، بل من يدخل الوزارات والهيئات، ومن يمسك مفاصل الأمن والاقتصاد داخل الدولة، وما إذا كانت الحكومة المقبلة ستولد بصيغة “شراكة كاملة” أم بصيغة “استبعاد محسوب” لتجنب التصادم مع واشنطن. لكن السؤال: لماذا الآن؟ 

واشنطن تربط تصعيدها بملفين متداخلين: أمن المصالح والبنى التحتية والطاقة، ثم أثر ذلك على الاستقرار والاستثمار وتدفق المال. وحين يصبح ملف “الفصائل” جزءا من هندسة الحكومة المقبلة، فهو لا يعود ملفا سياسيا منفصلا، بل يتحول إلى عقدة تفاوض على شكل الدولة نفسها: دولة بقرار واحد، أم دولة بقرارات متعددة.

رد الفعل العراقي.. حساسية السيادة وحدود الاعتراض

في المقابل، فإن لهجة واشنطن تضع بغداد أمام معادلة دقيقة: امتصاص الضغط دون أن تبدو “متنازلة”، وتهدئة الداخل دون أن تبدو “متمردة” على الشراكة الدولية. فسياسيا، أي حكومة مقبلة ستكون مطالبة بتقديم خطاب “سيادة” للداخل كي لا تُتهم بأنها نتاج إملاءات خارجية، وفي الوقت نفسه مطالبة بإبقاء خطوط التفاهم مع واشنطن مفتوحة، لأن أدوات تأثير الأخيرة لا تتوقف عند السياسة، بل تمتد إلى الاقتصاد والتمويل والامتثال المصرفي ومسارات الاستثمار. ولهذا، فإن رد الفعل العراقي غالبا ما يتحرك ضمن حدود محسوبة: رفض أي وصاية في العلن، مع محاولة تدوير الزوايا في الكواليس عبر صيغ “تطمين” لا تُفجر التحالفات الداخلية ولا تُغلق أبواب الشراكة الخارجية.

عوامل مؤثرة “خلف الكواليس” تزيد التعقيد

بالإضافة إلى منطق “المحاصصة الوزارية” وملف السلاح خارج الدولة الذي صار شرطا معلنا من واشنطن، فإن الاقتصاد حاضر كعامل ضغط لا يقل عن السياسة: أي حكومة ستواجه اختبار الدولار والتمويل والطاقة والاستثمار، وهي ملفات تمنح واشنطن أدوات تأثير غير سياسية فقط، وتدفع القوى الداخلية إلى التفكير في “كلفة الصدام” قبل اختيار شكل الحكومة ومكوناتها، خصوصا حين يتعلق الأمر بالوزارات التي تمس المال والاقتصاد والتجارة والمصارف.

الإقليم حاضر أيضا: العراق محاصر بتوازنات إيران وتركيا والخليج وسوريا، وكل طرف يقرأ “شكل الحكومة” كإشارة اتجاه. وفي هذا المناخ، يصبح تشكيل الحكومة ليس استحقاقا دستوريا فقط، بل عملية “طمأنة” متبادلة: طمأنة الداخل بأن الدولة لن تُختطف، وطمأنة الخارج بأن العراق لن يتحول إلى منصة صدام مفتوح.

ويحذر الأنصاري من أن الشارع العراقي يراقب هذه التطورات بقلق، مع تصاعد المخاوف من تكرار سيناريوهات التعطيل السابقة، مشيرا إلى أن استمرار الخلافات قد ينعكس سلبا على الاستقرار السياسي والاقتصادي ويؤخر تنفيذ البرامج الحكومية المطلوبة لمعالجة الأزمات المتراكمة.

غياب إيراني لافت.. وحضور عبر “إشارات” الفصائل

ومن اللافت في هذه المعادلة ان الايرانيين، على خلاف دورهم التقليدي في محطات تشكيل الحكومات، يبدون غائبين تماما على مستوى الخطاب العلني والتدخل المباشر، على الاقل حتى الآن، وكأنهم يفضلون مراقبة المشهد من الظل او ترك القوى المحلية تتصارع داخل قواعد اللعبة من دون بصمة واضحة يمكن التقاطها بسهولة.

ومع ذلك، لا يعني هذا الغياب ان تأثير طهران قد انطفأ بالكامل، اذ ان بعض الإشارات الصادرة عن فصائل مرتبطة بها عقائديا وسياسيا قد تُقرأ في دوائر القرار بوصفها “ضغطا غير مباشر”. ويبرز هنا ما صدر أخيرا عن أبو علي العسكري من هجوم على مبعوث ترامب سافايا وتهديد لكل من يتعامل معه، وهي رسالة قد تُفهم باعتبارها محاولة لرفع كلفة التواصل مع القناة الامريكية، او تذكير بان خطوط النفوذ الإيرانية ما تزال تملك قدرة التعطيل او التشويش عند لحظات حساسة، حتى لو لم تتقدم طهران بنفسها الى واجهة المشهد.

ووفق هذا المنطق، تصبح الحكومة الجديدة عالقة بين ضغط امريكي معلن يرسم “الخطوط الحمراء” بشروط واضحة، وبين ضغط آخر غير معلن قد يظهر عبر رسائل الفصائل حين تشعر ان ميزان التشكيل يتجه الى صيغة تُقصيها او تُقلص حضورها، وهو ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد امام اي تسوية تحاول ان تمر من دون خسائر داخلية او صدامات خارجية.

هل نحن على أبواب تغيير فعلا؟

نعم، لكن ليس بمعنى انقلاب في النظام، بل بمعنى أن “قواعد تشكيل الحكومة” تتغير: لأول مرة منذ فترة، تصبح مشاركة الفصائل في السلطة التنفيذية موضوعا أمريكيا معلنا بهذا الوضوح، ومعه تتغير حسابات القوى داخل البيت الشيعي نفسه: من يذهب للتسوية، ومن يرفع السقف، ومن يبحث عن مخرج يضمن بقاء النفوذ بلا كلفة دولية مباشرة.

3 سيناريوهات واقعية للمرحلة المقبلة

-تجديد ولاية السوداني بتسوية مشروطة: دعم سياسي مقابل ضبط تمثيل بعض القوى في وزارات حساسة، وتقديم تعهدات سياسية وأمنية تقلل الاحتكاك مع واشنطن.

-مرشح تسوية جديد: لتخفيف الاحتكاك الخارجي وتهدئة تنافس الداخل، مقابل توزيع أثقل للوزارات على الشركاء لضمان تمرير الحكومة.

-تعثر طويل وحكومة تصريف أعمال أطول: إذا اصطدمت شروط واشنطن مع خطوط حمراء داخلية، أو تفجرت عقدة كردية أو سنية بالتوازي.

وفي ختام حديثه، شدد الأنصاري على أن نجاح عملية تشكيل الحكومة مرهون بقدرة القوى السياسية على تقديم التنازلات المتبادلة وتغليب المصلحة الوطنية بعيدا عن منطق المحاصصة والصراع على المناصب، محذرا من أن أي حكومة لا تنطلق من توافق حقيقي ستكون معرضة للفشل منذ بدايتها.

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

"بغداد اليوم " تتحرى تفاصيل الانفجار الذي استهدف مقرًا للحشد الشعبي جنوب الموصل

بغداد اليوم - نينوى كشف مصدر أمني، اليوم الخميس ( 2 نيسان 2026 )، عن طبيعة الإنفجار الذي وقع في محيط إحدى قرى ناحية القيارة جنوب الموصل بمحافظة نينوى. وقال المصدر في حديث لـ"بغداد اليوم"، إن "الأنفجار الذي وقع ظهر اليوم، في محيط قرية

اليوم, 13:27