سياسة 12-12-2025, 11:00 | --
+A -A

بثوب برلماني


مجلس الحكم يعود من بوابة انتخابات 2025: نسخة ثالثة من ائتلاف المكوّنات "قيد التشكيل"

بغداد اليوم – بغداد

"الأيّام القليلة المقبلة ستشهد عقد اجتماع سياسي واسع يضم جميع المكوّنات الوطنية لحسم ملفّ الرئاسات الثلاث وتشكيل الحكومة الجديدة"؛ جملة قالها عضو الإطار التنسيقي محمود الحياني في حديثه لـ"بغداد اليوم"، لكنها تبدو أبعد بكثير من كونها إعلانًا بروتوكوليًا عن لقاء جديد بين زعماء الكتل، فحديثه عن اجتماع يضم ممثّلين عن الكتل البرلمانية والأحزاب الرئيسة، لوضع "المعايير النهائية" لاختيار مرشّحي الرئاسات الثلاث و"الخطوط العامة" للبرنامج الحكومي المقبل، يفتح الباب على تساؤل أعمق حول الوجهة التي تتّجه إليها الطبقة السياسية بعد انتخابات 2025: هل نحن أمام محاولة لاستنساخ الصيغة التي تأسّس عليها مجلس الحكم عام 2003، ثم تجسّدت لاحقًا في ائتلاف "إدارة الدولة" عام 2022، لكن بثوب جديد يقوم مرة أخرى على فكرة "حكومة الجميع" وغياب المعارضة، أم أنّ القوى المتشاركة على طاولة هذا الاجتماع تدفع، من حيث تدرك أو لا تدرك، نحو لحظة يصبح فيها استمرار هذا النمط نفسه عاملًا مباشرًا في إضعاف العملية السياسية وهدم قدرتها على إصلاح بنية الدولة وفتح ملفات الفساد، بحكم أنّ كلّ اللاعبين الكبار باتوا شركاء في السلطة وشركاء في كلفة ما أفرزته من أزمات؟

من مجلس الحكم إلى دولة المكوّنات… حين تحوّل التمثيل إلى قاعدة حكم

منذ اللحظة التي تأسس فيها مجلس الحكم الانتقالي عام 2003 على أساس توزيع المقاعد وفق انتماء طائفي وقومي محدّد، جرى تثبيت معادلة غير مكتوبة تحكم تشكيل السلطات في العراق: الشيعة في موقع رئاسة الوزراء، السنّة في رئاسة البرلمان، الكرد في رئاسة الجمهورية، مع حصص موازية في الوزارات والأجهزة والهيئات. قُدّمت هذه الصيغة آنذاك بوصفها “ترتيبًا انتقاليًّا” يراعي حساسية ما بعد سقوط النظام، لكنها تحوّلت، بمرور السنوات، إلى قاعدة حكم راسخة، بل إلى ما يشبه العقد المؤسِّس لـ“دولة المكوّنات”، حيث يتقدّم انتماء الكتلة الطائفية أو القومية على انتماء الحزب أو البرنامج، وتُدار المعادلات الكبرى بمنطق “ممثلي المكوّن” أكثر مما تُدار بمنطق الأغلبية والمعارضة. في تلك اللحظة بدأ التمثيل – الذي كان يفترض أن يكون ضمانة لطمأنة الجميع – يتحوّل إلى قيد على بناء دولة المواطنة، وإلى مدخل ثابت لصياغة كل الحكومات المتعاقبة كحكومات شراكة واسعة، لا تُبقي خارجها إلا الهامش.

حكومات الشراكة الوطنية… تثبيت القاعدة وتهميش فكرة المعارضة

مع أولى حكومات ما بعد الدستور، خصوصًا حكومات 2006 و2010، ترسخت فكرة “الشراكة الوطنية” بوصفها الوصفة الجاهزة لكل أزمة تشكيل. يتم جمع القوى الشيعية الرئيسة، ومعها الكتل السنية والكردية الكبرى، حول طاولة واحدة؛ يتم الاتفاق على الرئاسات الثلاث، ثم تُفتح خريطة الوزارات والهيئات بوصفها مجالاً لتوزيع الحصص. شيئًا فشيئًا، تحوّلت الأوراق السياسية التي تُسمّى “اتفاقًا سياسيًّا” أو “وثيقة مبادئ” إلى عرف ملازم لكل حكومة جديدة: ضمانات للمكوّن السني بشأن التوازن الأمني وإدارة المحافظات، وضمانات للكرد في ملف النفط والموازنة والمناطق المتنازع عليها، وضمانات للقوى الشيعية في توزيع الوزارات السيادية والخدمية. لكنّ النتيجة الفعلية لهذه الترتيبات لم تكن تعزيز التوازن داخل البرلمان بقدر ما كانت تآكل فكرة المعارضة المنظمة؛ فكل طرف يوقّع على الاتفاق من موقع الشريك في السلطة، لا من موقع المراقب أو الخصم البرلماني، ما أنتج برلمانات مكتظّة بالأحزاب المشاركة، وفقيرة في قوى المعارضة القادرة على محاسبة هذه الأحزاب.

من انتفاضة تشرين إلى تحالف إدارة الدولة… ذروة “حكومة الجميع”

حين انفجرت انتفاضة تشرين 2019 ودفعت حكومة عادل عبد المهدي إلى الاستقالة، بدا أنّ الشارع يعلن صراحة رفضه لصيغة “الجميع في الحكومة ولا أحد في المعارضة”. غير أنّ الطبقة السياسية، وهي تعيد ترتيب أوراقها تحت الضغط الشعبي والدولي، عادت إلى الوصفة نفسها مع تعديل في الأسماء؛ فجاءت حكومة مصطفى الكاظمي بوصفها تسوية جديدة بين القوى ذاتها تقريبًا، مع توزيع مختلف للباقات الوزارية، لكن ضمن إطار “الشراكة الوطنية” ذاته. ثم جاءت انتخابات 2021 لتفتح الباب لأول مرة أمام شعار “الأغلبية الوطنية” الذي طرحه التيار الصدري، في محاولة لتشكيل حكومة تقوم على تحالف واضح بين الصدريين وقوى كردية وسنية، مقابل بقاء الإطار التنسيقي في المعارضة. كان ذلك أخطر تحدٍّ لنمط المحاصصة التوافقية منذ 2003، لكنّه انتهى بانسحاب الصدر من البرلمان، وعودة الكتل الخاسرة نسبيًّا إلى قلب المعادلة عبر إعادة بناء تحالف عريض حمل اسم “ائتلاف إدارة الدولة”، ضمّ قوى شيعية وسنية وكردية رئيسة، وحاز أغلبية مريحة مكّنته من اختيار رئيس جمهورية ورئيس وزراء وحكومة مدعومة من معظم الطبقة السياسية. مع “إدارة الدولة” بلغت معادلة “حكومة الجميع” ذروتها: تحالف واحد يضم أكثر من ثلثي البرلمان، وكتلة معارضة شبه رمزية، ما جعل الرقابة البرلمانية أقرب إلى هامش إجرائي منها إلى وظيفة سياسية حقيقية، وجعل الشارع هو مساحة الاحتجاج الوحيدة خارج سقف التوافق.

من صناديق 2025 إلى اجتماع الحياني… ولادة نسخة ثالثة؟

انتخابات تشرين 2025 لم تخرج، في جوهرها، عن هذا السياق، لكنها أعادت توزيع الوزن الداخلي للقوى الشيعية خصوصًا، مع صعود ائتلافات جديدة أبرزها ائتلاف الإعمار والتنمية، وصعود لوائح مقربة من الفصائل المسلحة، وتحافظ في المقابل على حضور الأحزاب الكردية والسنية التقليدية بصيغ جديدة. في هذا المناخ، يعلن محمود الحياني أنّ “الأيام القليلة المقبلة ستشهد عقد اجتماع سياسي واسع يضم جميع المكوّنات الوطنية، ممثلين عن الكتل البرلمانية والأحزاب الرئيسية، في إطار الجهود الرامية إلى حسم ملف الرئاسات الثلاث وتشكيل الحكومة الجديدة”، ويضيف أنّ جدول الاجتماع “سيتضمن مناقشة المعايير النهائية لاختيار مرشحي الرئاسات الثلاثة، بالإضافة إلى وضع الخطوط العامة للبرنامج الحكومي المقبل، والتركيز على ملفات الإصلاح الاقتصادي وتحسين الخدمات وضمان الاستقرار الأمني”، مع تأكيده أنّ “القرار النهائي بشأن توزيع المناصب السيادية وتشكيل الحكومة بات قريبًا جدًّا بعد إحراز تقدم واضح في الحوارات”. بهذا المعنى، يبدو الاجتماع المرتقب أقرب إلى محاولة مبكرة لتأسيس تحالف عريض جديد، يستوعب الفائزين والمتضررين معًا داخل إطار واحد، ويفتح الطريق أمام “تفاهم شامل” يعيد إنتاج منطق مجلس الحكم وإدارة الدولة في آن واحد: كل مكوّن ممثَّل، وكل كتلة كبيرة حاضرة، وكل طرف يمتلك حصته من السلطة التنفيذية أو البرلمانية أو المناصب السيادية، مقابل التخلي – مرة أخرى – عن فكرة وجود معارضة برلمانية منظمة تراقب وتحاسب.

غياب المعارضة وملفات الفساد… حين يصبح الجميع شركاء في العبء

الخطر الحقيقي في استنساخ تجربة مجلس الحكم وإدارة الدولة في دورة جديدة، لا يكمن فقط في الشكل السياسي للتحالفات، بل في النتائج العملية على بنية الدولة ومصير الإصلاح. حين تجلس جميع الكتل الكبرى على طاولة واحدة لتقسيم الوزارات والهيئات، ثم تخرج للإعلان عن “برنامج إصلاح اقتصادي” و“خطة لتحسين الخدمات” و“إرادة موحدة لمكافحة الفساد”، فإنّ السؤال الذي سيتقدّم بالضرورة هو: من سيتولى محاسبة من؟ وكيف يمكن لبرلمانٍ تمثّل فيه القوى المشاركة في الحكومة أكثرية كاسحة أن يفتح بجدية ملفًّا كبيرًا للفساد في وزارة أو هيئة يعلم الجميع أنّها نتاج صفقة سياسية بين الأطراف نفسها؟ في كل مرة يحاول فيها القضاء أو هيئة رقابية الاقتراب من ملف حساس، ستصطدم بحقائق هذه الشراكة: هذا العقد مرّ عبر كتلة فلان، وتلك اللجنة تشكلت بتوازنات تضم الحزب الفلاني والحزب العلاني، وتلك الشركة أشرفت عليها جهة محسوبة على هذا الطرف أو ذاك. وحين تكون جميع هذه الأطراف مجتمعة داخل “تحالف إدارة جديد” أو “ائتلاف وطني موسع” فإنّ فتح الملف حتى نهايته يعني الدخول في صدام مع كامل المنظومة، لا مع طرف واحد؛ لذلك يغلب منطق التسوية والإغلاق، أو الإحالة إلى “تحقيقات داخلية” لا تنتهي، على منطق المحاسبة الحقيقية. عند هذه النقطة، يصبح غياب المعارضة البنيوية ليس مشكلة تجميلية في ديكور البرلمان، بل عاملًا مباشرًا في تقويض إمكانية الإصلاح، ومن ثم في تهديد العملية السياسية ذاتها بالاهتراء من الداخل، لأنّ المواطنين يرون كل الأطراف شريكة في الحكم وشريكة في الفشل، فلا يعود هناك فرق بين أن تسقط حكومة أو تتغيّر وجوه، طالما أنّ العطب في صيغة “حكومة الجميع” لم يُمسّ.

في ضوء ذلك، يبدو السؤال الذي تطرحه هذه الدورة أبعد من مجرد “من سيحصل على رئاسة الوزراء أو رئاسة البرلمان أو رئاسة الجمهورية؟”. السؤال الأعمق هو: هل ستسمح الطبقة السياسية – أخيرًا – بولادة معارضة حقيقية داخل البرلمان، تقف خارج صفقة الرئاسات الثلاث والبرنامج الحكومي، أم أنّ الاجتماع المرتقب سيُكتب له أن يكون حلقة جديدة في سلسلة استنساخ تجربة مجلس الحكم وإدارة الدولة، مع تغيير الأسماء والعناوين فقط، فيما تبقى القاعدة واحدة: الجميع في السلطة، ولا أحد مستعد لدفع كلفة الجلوس في مقاعد المعارضة، حتى لو كان ثمن ذلك هو تهديد العملية السياسية برمتها بالانهيار تحت ثقلها هي؟

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

هيئة الحشد الشعبي تدين قصف الجيش في الحبانية: اعتداء على السيادة

بغداد اليوم - بغداد أدانت هيئة الحشد الشعبي، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، القصف الذي استهدف قطعات الجيش العراقي في منطقة الحبانية بمحافظة الأنبار، واصفة إياه بـ"الاعتداء على السيادة الوطنية". وذكرت الهيئة في بيان تلقته "بغداد

اليوم, 15:35