سياسة / أمن / ملفات خاصة 9-12-2025, 21:30 | --
+A -A


بالذكرى الثامنة للانتصار على داعش.. ظريف: كلفة "الوكلاء" أثقل من مكاسبهم

بغداد اليوم – بغداد

"وكلاءنا في المنطقة لم نستفد منهم سوى الملامة التي وقعت علينا"، هذه الجملة لمحمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني الأسبق، والتي لا تبدو مجرّد نفثة غضب من دبلوماسي متقاعد يراجع تجربة بلاده الإقليمية، بقدر ما تبدو مدخلاً مناسباً لإعادة النظر في صورة كاملة تتجاوز طهران وحدها، وتمتد إلى بغداد، حيث تشكل الفصائل العراقية واحداً من أبرز تجليات تلك "الوكالة" التي تصفها العبارة؛ فهذه القوى التي تقدّم نفسها، منذ عقدين على الأقل، بوصفها جزءاً أصيلاً من "محور المقاومة"، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى إعادة ترتيب قاموسها السياسي، في لحظة تتقاطع فيها ذكرى النصر على تنظيم داعش مع ارتدادات "طوفان الأقصى" وما حمله من مواجهات محسوبة بين الفصائل والوجود الأمريكي، ومن نقاشات داخلية حول جدوى استمرار لغة "الشيطان الأكبر" في بلد يعيش تحت وطأة أزمات اقتصادية ومالية خانقة.

على هذا الخلفية، يغدو السؤال عن الفصائل العراقية في الذكرى الثامنة لإعلان النصر على داعش في 10 كانون الأول 2017 أبعد من كونه استعادة لقصة القتال في الموصل وصلاح الدين والأنبار، أو تعداداً لمعارك ساهمت فيها هذه التشكيلات دفاعاً عن المدن والمراقد، إذ يتحول السؤال تدريجياً إلى بحث في المسار الكامل لبنية نشأت خارج الحدود قبل أن تعود مع الغزو الأمريكي، ثم تمددت في جسد الدولة بعد 2003، وصولاً إلى لحظة باتت فيها مضطرة للموازنة بين ثلاثة حسابات متعارضة ظاهرياً: الحفاظ على صورتها كقوى "مقاومة" ذات امتداد إقليمي، تثبيت مكتسباتها السياسية والاقتصادية داخل المنظومة العراقية، وتجنّب دفع ثمن مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة في لحظة تملك فيها واشنطن أدوات ضغط قادرة على خنق اقتصاد دولة كاملة وليس فصيلاً واحداً.

جذور أقدم من الحشد.. المعارضة الشيعية المسلحة خارج الحدود

هذا المسار لا يبدأ من الحشد الشعبي ولا من فتوى "الجهاد الكفائي"، بل قبل ذلك بسنوات طويلة، عندما تحوّل جزء من المعارضة الشيعية العراقية إلى أذرع مسلّحة تعمل من طهران وساحات أخرى، وتتورط باسم "مقاومة النظام" في ضرب سفارات ومصالح تابعة للدولة العراقية في الخارج، مثل تفجير السفارة العراقية في بيروت في 15 كانون الأول 1981، الذي قُدّم بوصفه هجوماً على نظام صدام، لكنه أسّس عملياً لمرحلة أصبح فيها استهداف التمثيل الدبلوماسي لبغداد جزءاً من أدوات الصراع بين طهران والنظام العراقي، وتكرّر المشهد في الكويت خلال ثمانينيات القرن الماضي عبر سلسلة عمليات أدّت إلى ملاحقات قضائية ضد شخصيات سيعاد تدويرها لاحقاً في المشهد العراقي الجديد بوصفها "قادة مقاومة".

في الوقت نفسه، كان فيلق بدر يتكوّن في إيران كجناح عسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، يضم أسرى حرب عراقيين ومنشقين ولاجئين، ويتلقى تدريبه وتمويله من الحرس الثوري، ويخوض مواجهات مباشرة ضد وحدات من الجيش العراقي خلال الحرب، قبل أن يشارك في انتفاضة 1991 ثم يعود إلى إيران بعد فشلها؛ هذا التراكم صنع سردية داخلية لدى هذه القوى مفادها أنها "دفعت الدم خارج الحدود" من أجل إسقاط النظام، وأن لها بالتالي حقاً مضاعفاً في رسم شكل السلطة بعد سقوطه، وهي سردية ستظهر بقوة بعد 2003 في خطاب من تسلم مواقع متقدمة داخل الدولة.

من الغزو إلى الدولة.. صعود الفصائل شريكاً في السلطة

مع دخول الدبابات الأمريكية إلى بغداد، لم تعد هذه التشكيلات إلى العراق كتنظيمات سياسية منزّهة عن السلاح، بل عادت بكل شبكاتها السابقة، محمولة برصيد من العلاقات مع طهران وخبرة تنظيمية ممتدة، فتمكّنت سريعاً من حجز مواقع في مجلس الحكم والحكومات المتعاقبة، بالتوازي مع إعادة ترتيب أجنحتها العسكرية داخل البلاد، وربط نفسها بخط أوسع حمل لاحقاً عنوان "محور المقاومة"، يمتد من الضاحية الجنوبية في بيروت إلى غزة ودمشق وبغداد وصنعاء، ويمنح هذه الفصائل هوية عابرة للحدود، من دون أن ينزع عنها صفة الفاعل المحلي الذي يملك مكاتب انتخابية ونواباً ووزراء وموارد اقتصادية.

عندما انهارت الموصل في حزيران 2014، ودخل تنظيم داعش إلى مساحات واسعة من الأراضي العراقية، استعاد هذا التاريخ الطويل معنى جديداً. فتوى "الجهاد الكفائي" التي أصدرها المرجع الأعلى السيد علي السيستاني لم تكن مجرد دعوة عابرة للتطوع، بل تحوّلت عملياً إلى بوابة رسمية لتشكيل هيئة الحشد الشعبي، ذلك الإطار الذي استوعب فصائل كانت مرتبطة سابقاً بإيران أو تعمل تحت عناوين حزبية، إلى جانب آلاف المتطوعين من المحافظات، فاندمج القديم والجديد في كيان واحد يتلقى غطاءً دينياً وشرعية قانونية وتمويلاً من الموازنة، ثم جاء قانون 2016 ليمنح الحشد صفة "قوة مستقلة" ملحقة بالقائد العام للقوات المسلحة، ويجعل من وجوده جزءاً من بنية الأمن العراقي، لا مجرد تشكيل طارئ خرج من رحم أزمة.

خلال سنوات الحرب على داعش، ترسّخ خطاب يقوم على إبراز صورة المقاتل الذي يدافع عن بغداد وكربلاء والنجف وسامراء والموصل، ويردّ خطر التنظيم عن المدن والقرى والطرق الدولية، لكن هذا الخطاب لم يكن منغلقاً على الداخل، إذ سرعان ما جرى ربط المعركة ضد داعش بنظرة أوسع ترى في التنظيم امتداداً أو أداة لمشاريع "أمريكية – خليجية"، وتستحضر شعارات الثورة الإيرانية في توصيف الولايات المتحدة كـ"شيطان أكبر"، وتضع إسرائيل كهدف نهائي للصراع، وتحوّل القتال في جبال حمرين أو أطراف الفلوجة إلى حلقة ضمن سلسلة ممتدة من طهران إلى غزة، بحيث يصبح المقاتل العراقي الذي يرفع راية الحشد جزءاً من لوحة أكبر، لا مجرّد عنصر في حرب أهلية داخلية ضد تنظيم متطرّف.

اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس بضربة أمريكية قرب مطار بغداد مطلع 2020 جاء ليؤكد هذا الترابط؛ فالحدث لم يُقدَّم داخلياً بوصفه تصفية لقيادتين عسكريتين فقط، بل كاعتداء على "رمزين للمقاومة" في إيران والعراق، ووجدت فيه الفصائل العراقية فرصة لصياغة خطاب أكثر حدّة تجاه الوجود الأمريكي، فتصاعد الحديث عن "إخراج القوات الأجنبية"، وصوّت البرلمان على قرار يطالب بإنهاء هذا الوجود، وارتفعت نبرة التهديد في بيانات مجهولة الأسماء أو معلنة العناوين، في الوقت الذي كانت فيه قوى شيعية رئيسية، تشارك في الحكومة والبرلمان، تدرك أن التعاون الأمني مع القوات الأمريكية ما زال جزءاً من منظومة التوازن في مواجهة داعش، وأن الاقتصاد العراقي، بنظامه المصرفي وعلاقته بالدولار، مرتبط عملياً بالمؤسسات الأمريكية والدولية التي لا يمكن القفز فوقها بشعار واحد.

طوفان الأقصى.. أمريكا - إيران - بغداد

مع "طوفان الأقصى" في 7 تشرين الأول 2023، دخل هذا التوازن مرحلة اختبار جديدة؛ الحرب في غزة لم تُقرأ في بغداد فقط بوصفها مواجهة فلسطينية – إسرائيلية، بل قُدمت كمعركة لكل "محور المقاومة"، وسرعان ما برزت تسمية "المقاومة الإسلامية في العراق" لتعلن تبني سلسلة هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على قواعد أمريكية في العراق وسوريا، تحت عنوان "نصرة غزة"، ومن دون فصل واضح بين ما هو جزء من استراتيجية إيرانية شاملة وما هو قرار محلي للفصائل. ومع تراكم الضربات، بدأت التقديرات الدولية تتحدث عن عشرات الهجمات خلال أشهر قليلة، قبل أن يصل التصعيد إلى محطة "برج 22" في الأردن، حيث قُتل جنود أمريكيون وجُرح آخرون، لترد واشنطن بسلسلة ضربات موجعة استهدفت مواقع ومخازن داخل العراق وخارجه، وترافق ذلك مع رسائل سياسية واقتصادية قاسية للحكومة العراقية، مفادها أن استمرار هذا النمط من الهجمات سيجعل بغداد في قلب مواجهة لا تملك ترف إدارتها وحدها.

لم تكن الضربات وحدها هي أداة الضغط؛ فقد لجأت الولايات المتحدة، بالتوازي مع التصعيد العسكري، إلى استخدام أدوات المالية والنقد، عبر تشديد القيود على المصارف، وتقليص منافذ وصول الدولار إلى السوق العراقية، وربط أي تخفيف في هذه الإجراءات بمدى قدرة بغداد على ضبط "المجموعات المسلحة" التي تستهدف القواعد أو تهدد المصالح الغربية، ما جعل الفصائل تدرك أن ثمن "المقاومة المفتوحة" قد لا يُدفع الآن في خطوط التماس فحسب، بل في سعر الصرف والرواتب وميزانية الدولة، أي في المجال الذي تعيش فيه أحزابها وحكوماتها وناخبوها.

على الجانب الإيراني، كانت أسئلة ظريف وأمثاله تفتح باب مراجعة لا يمكن تجاهلها؛ فحين يتحدث وزير خارجية سابق عن أن بلاده دفعت أثماناً باهظة في ساحات الخارج وأن "الملامة" النهائية عادت إليها، فهو لا يصف فقط حالة تعب دبلوماسي من سطوة "الميدان"، بل يعلن ضمناً أن الاستثمار في "الوكلاء" لم يكن دائماً بالمردود الذي رُسم له في الخطاب الرسمي، وأن استمرار هذه السياسة بالشكل نفسه قد لا يكون متوافقاً مع مصالح دولة تعيش ضغوطاً اقتصادية وعقوبات متراكمة. هذه المراجعة الإيرانية، حتى وإن لم تُترجم إلى قرار حاسم بوقف دعم الفصائل، فإنها ترسل إشارات إلى تلك القوى بأن المجال لم يعد مفتوحاً بلا سقف، وأن هوامش الحركة تضيق، وأن المطلوب اليوم مزيد من الحسابات الدقيقة قبل إطلاق صاروخ أو تهديد جديد.

في بغداد، انعكس هذا المناخ على خطاب أطراف داخل "البيت الشيعي" نفسه؛ تصريح منسوب لعضو الإطار التنسيقي محمد جعفر، يقول فيه إن "إيران تعتقد أمريكا الشيطان الأكبر، نحن في الإطار لا نعتقد بذلك"، معنى يتجاوز مجرد اختلاف في التعبير؛ فالفصائل التي حصدت أغلب مقاعد البرلمان في دورات سابقة، وباتت تمتلك أصولاً اقتصادية واسعة من شركات ومنافذ وعقود ونفوذ إداري، تقف اليوم أمام سؤال عملي لا نظري: هل تجازف بفتح مواجهة جديدة تُعرّض مكاسبها السياسية والاقتصادية للخطر وهي جزء من بنية الحكم، أم تميل إلى تثبيت لغة أكثر هدوءاً وبراغماتية تحفظ لها دورها داخل الدولة، حتى لو عنى ذلك تليين شعارات ظلّت لعقود جزءاً من هويتها وخطابها التعبوي؟

لا يُقرأ التصريح فقط على أنه محاولة لفظية للتمايز عن قاموس الثورة الإيرانية، بل يشير أيضاً إلى رغبة جناح من القوى الشيعية في القول إن العلاقة مع واشنطن يمكن أن تُدار بمنطق المصالح لا بمنطق العقيدة، وإن خطاب "الشيطان الأكبر" الذي صيغ في سياق ثورة أخرى وزمن آخر لا يلزم بالضرورة كل من تحالف مع طهران في مرحلة معينة، خاصة إذا كان يعيش في بلد يعتمد اقتصاده على قنوات مالية تمر عبر النظام الأمريكي.

في التحليل الذي يقدمه عضو مركز التنمية عدنان محمد التميمي لـ"بغداد اليوم"، يمكن رؤية هذه المراجعة في صورة أوضح؛ فالرجل يتحدث عن ثلاثة تحولات في مقاربة الفصائل للمشهد بعد "طوفان الأقصى": أولها إدراك الحاجة إلى خفض وتيرة الخطاب المتشدد وتجنّب زج البلاد في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، وثانيها تثبيت قنوات التواصل مع الحكومة باعتبارها صمام أمان في إدارة الملفات الحساسة، وفي مقدمتها ملف السلاح، وثالثها تكريس خيار البقاء داخل العملية السياسية، عبر الانتخابات والبرلمان والحكومة، كضمانة لمواصلة التأثير من داخل الدولة بدلاً من خوض مغامرات قد تفضي إلى عزل هذه القوى داخلياً وخارجياً.

هذا التحول الثلاثي لا يلغي لغة "المقاومة" من القاموس، لكنه يعيد ترتيب أولوياتها، بحيث يتراجع شعار "الموت لأمريكا" من واجهة الخطاب إلى ما يشبه الخلفية الرمزية، ويتم التعامل معه في المهرجانات والمناسبات أكثر مما يُترجم إلى فعل ميداني مباشر؛ فالفصائل التي تشكلت في حضن "محور" عابر للحدود، وصاغت جزءاً من سرديتها على أساس العداء المعلن لواشنطن، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى حساب نتيجة كل خطوة من زاوية أخرى: تأثيرها على الحضور في السلطة، وعلى شبكة المصالح الاقتصادية التي بناها قادتها داخل الدولة، وعلى استقرار بيئة سياسية هشة يمكن أن تنهار تحت ضغط عقوبات أو قرارات أمريكية حادة.

بين إرث "المقاومة" وواقع الدولة.. سؤال السنوات المقبلة

إذا ما جمعنا خيوط هذه الرحلة، من تفجير السفارة العراقية في بيروت إلى مكاتب الفصائل في بغداد، ومن معسكرات فيلق بدر في إيران إلى معسكرات الحشد في أطراف الموصل، ومن طهران التي تراجع جدوى "الوكلاء" إلى بغداد التي تحاول تجنب ثمن مواجهاتهم، سنجد أن خطاب الفصائل العراقية يقف اليوم عند مفترق طرق حقيقي؛ فمن جهة، لا تزال هذه القوى تستند إلى ذاكرة مقاومة ترى أنها أنقذت النظام السياسي من داعش، وقدمت آلاف القتلى في تلك المعارك، ومن جهة أخرى، باتت جزءاً من بنية سلطة تخشى انهياراً اقتصادياً أو مالياً قد يهدد وجودها هي نفسها، وبين الجهتين تتشكل طبقة سياسية وفصائلية تدرك أن الصدام المباشر مع الولايات المتحدة لم يعد رفاهية رمزية، بل قراراً قد يطيح بما تراكم طوال عقدين من نفوذ ومكاسب.

في ذكرى النصر على داعش، يبدو أن السؤال الحقيقي لم يعد عن عدد الفصائل التي قاتلت التنظيم أو حجم مساهمتها في المعارك، بل عن الوجهة التي ستختارها هذه القوى في السنوات المقبلة: هل تمضي في مسار إعادة تموضع طويل يخفّف من حدة شعار "الشيطان الأكبر" لصالح لغة أكثر براغماتية، تحاول حفظ العلاقة مع واشنطن من جهة، ومع طهران من جهة أخرى، مع الإبقاء على موقعها داخل الدولة العراقية كحارس لشبكة معقدة من المصالح؟ أم أن التهدئة الحالية مجرد استراحة تكتيكية فرضتها ضغوط اللحظة، يمكن أن تنقلب مع أي انفجار جديد في المنطقة، ليعود الخطاب إلى ساحة "المعركة الكبرى"، وتعود بغداد مرة أخرى ساحة اختبار بين مشروعين متنازعين: مشروع دولة تبحث عن توازن مستحيل، ومشروع فصائل ترى أن هويتها لا تكتمل من دون عدو اسمه أمريكا، حتى لو كان ثمن ذلك يُدفع هذه المرة من لقمة العراقي لا من بيانات "المقاومة" وحدها.

تقرير: محرر الشؤون السياسية والأمنية في بغداد اليوم

أهم الاخبار