بغداد اليوم – بغداد
تواجه فروع مصرف الرافدين الحكومي في عدد من الدول العربية والأجنبية مرحلة حساسة تتقاطع فيها ملاحظات رقابية مسجّلة على جزء من تعاملاتها مع ضغوط سياسية ومالية مصدرها الكونغرس والإدارة الأمريكية، في وقت يجد فيه البنك المركزي العراقي نفسه في مأزق حقيقي منذ اللحظة التي نُشرت فيها قائمة تجميد أموال الإرهابيين متضمنة حزب الله اللبناني وحركة أنصار الله الحوثية إلى جانب كيانات مرتبطة بتنظيمي داعش والقاعدة، ثم جرى التراجع عن إدراج الجماعتين وسحب أسمائهما من القائمة بعد الجدل الداخلي، الأمر الذي خلق حالة من الشك لدى الشركاء الدوليين بشأن استقرار منظومة الامتثال العراقية وقدرتها على الفصل بين الحسابات السياسية الداخلية ومتطلبات الالتزام بمعايير مكافحة تمويل الإرهاب بما ينسجم مع قرارات مجلس الأمن والمعايير المعمول بها في النظام المالي العالمي.
الخبير في الشأن المالي والمصرفي حيدر الشيخ، يؤكد في حديثه لـ"بغداد اليوم"، ان "بعض الدول سجلت ملاحظات على عمل فروع مصرف الرافدين نتيجة شبهات في التعاملات المصرف والتحويلات المالية التي اجرت في السنوات الأخيرة، وهذه الدول أبلغت العراق بمتابعة التحويلات والحسابات المالية في فروع مصرف الرافدين في الخارج من ضمنها الإمارات".
ويوضح الشيخ ان "قرار الحكومة اليمنية بأغلاق فرع مصرف الرافدين في صنعاء دفع دول الخليجية والعربية إلى تسجيل ملاحظات على عمل مصرف الرافدين ومتابعة تحويلاته المالية"، كاشفاً ان "هناك محاولات من بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي بتوجيه عقوبات اقتصادية على مصرف الرافدين، لكن إدارة البنك المركزي يحاول منذ فترة اجراء إصلاحات مالية في المصرف لمعالجة الأخطاء السابقة وتجنباً للعقوبات الأمريكية".
ويمثّل مصرف الرافدين في بنية الدولة العراقية أكثر من مجرّد مؤسسة مالية حكومية تؤدي دوراً تقنياً في إدارة المدفوعات، فهو أقدم وأكبر المصارف المملوكة للدولة ومحور رئيسي في شبكة دفع الرواتب والمعاشات والمخصّصات لملايين الموظفين والمتقاعدين والعقود والأجراء داخل العراق وخارجه، كما يشكّل إحدى الواجهات الأساسية التي تمر عبرها مدفوعات الوزارات والهيئات والمؤسسات العامة، بما في ذلك عقود التجهيز والمقاولات والتحويلات المرتبطة بالموازنات الاستثمارية والتشغيلية، الأمر الذي يجعل أي إشارة سلبية تصدر بحقه لا تمس سمعة مصرف بعينه فقط بل تنعكس مباشرة على صورة الدولة العراقية أمام المصارف المراسلة والجهات الرقابية الدولية، وتثير أسئلة حول سلامة القنوات التي تعتمدها الحكومة في إدارة المال العام.
وقد كشفت التجربة التي شهدتها السوق المحلية قبل فترة وجيزة، حين اضطر مصرف الرافدين تحت ضغط ملاحظات امتثال وتدقيق خارجي إلى إيقاف صرف رواتب منتسبي هيئة الحشد الشعبي عبر قنواته الخاصة بالبطاقات الإلكترونية وتحويل ملف رواتبهم إلى مصرف حكومي آخر، عن مستوى الحساسية الذي باتت تحيط به أي علاقة بين المصرف والجهات المثيرة للجدل دولياً، إذ قُرئت تلك الخطوة على نطاق واسع بوصفها محاولة استباقية لعزل المصرف عن أي شبهات محتملة تتصل بتمويل كيانات مُصنّفة أو ملاحقة في تقارير دولية، لكنها في الوقت نفسه عرّت هشاشة الهامش الذي يتحرك ضمنه البنك المركزي وهو يحاول الموازنة بين استيعاب الضغوط السياسية الداخلية المتعلقة بملف الحشد من جهة، وحماية قنوات الدفع الحكومية من أي ارتدادات تصدر عن واشنطن أو عن العواصم الخليجية والعربية التي باتت تراقب سلوك فروع الرافدين في الخارج بدقة أكبر.
المأزق الذي يواجهه البنك المركزي العراقي اليوم لا يرتبط بسلوك مصرف واحد أو فرع محدد في عاصمة عربية بعينها، بل يتصل بالطريقة التي يُقرأ بها مجمل مسار القرارات والإشارات الصادرة عن بغداد في السنوات الأخيرة؛ فعندما تنشر جريدة الوقائع العراقية قراراً يتضمن أسماء حزب الله اللبناني وحركة أنصار الله الحوثية إلى جانب كيانات مرتبطة بتنظيمي داعش والقاعدة ضمن قائمة لجنة تجميد أموال الإرهابيين استناداً إلى طلب خارجي، ثم يصدر بيان توضيحي لاحق يؤكد أنّ الموافقة العراقية اقتصرت على الكيانات والأفراد المرتبطين بالتنظيمين الأخيرين وأن إدراج حزب الله والحوثيين جاء نتيجة لصيغة الطلب الأوسع، ثم يُسحب أثر هذا الإدراج عملياً تحت ضغط اعتراضات سياسية داخلية، فإن الصورة التي تستقر في أذهان الجهات الرقابية في الولايات المتحدة والعواصم الأخرى هي أنّ العراق لم ينجح بعد في بناء خط ثابت وواضح تجاه شبكات تمويل الكيانات المسلحة المصنّفة إرهابية، وأن قراراته الفنية في هذا المجال قابلة للتعديل السريع تبعاً لموازين القوى داخل البيت السياسي، وهو ما يجعل أي نقاش لاحق حول فروع مصرف الرافدين في صنعاء أو أبو ظبي أو غيرهما أكثر حساسية مما كان عليه قبل نشر تلك القوائم.
على الجانب الآخر، يقرأ جزء من أعضاء الكونغرس هذه التطورات ضمن سردية أوسع تعتبر أنّ النظام المالي العراقي يمكن أن يتحوّل، إذا لم يُضبط بدقة، إلى واحدة من القنوات التي تمر من خلالها موارد مالية باتجاه أطراف حليفة لإيران في المنطقة، وأنّ التردّد في تثبيت إدراج حزب الله والحوثيين أو الإبقاء على مسافة رمزية منهما يعكس تأثيراً سياسياً لمحور المقاومة على قرارات الدولة في بغداد، ولذلك يصبح أي اعتراض أو ملاحظة تُسجَّل على فروع الرافدين خارج البلاد فرصة ذهبية لمن يدفع باتجاه توسيع دائرة العقوبات لتشمل مؤسسات مالية حكومية وليس مصارف خاصة فقط.
ومن زاوية مصرفية وفنية، تحاول إدارة البنك المركزي وإدارة مصرف الرافدين التعامل مع هذا الخلل في الصورة المتكوّنة خارجياً من خلال تسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية والرقابية داخل المصرف، إذ يجري العمل على مراجعة أنماط التحويلات الخارجية التي نفذتها الفروع موضع الملاحظات خلال السنوات الماضية، وإعادة تقييم بعض العلاقات والتعاقدات التي يمكن أن تُفسَّر لدى الجهات الدولية على أنها ذات صلة بكيانات خاضعة للعقوبات، إلى جانب تحديث أنظمة الامتثال الداخلي لمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بما يتوافق مع المعايير المعتمدة لدى المصارف المراسلة والشركات العالمية المتخصصة في هذا المجال، وهي خطوات يُراد لها أن تشكل رسالة واضحة مفادها أن الإشكال ناشئ عن ثغرات في التطبيق وقصور في الرقابة يمكن تصحيحه عبر إجراءات تقنية، لا عن قرار سياسي مقصود لفتح قنوات مالية موازية خارج الأطر المقبولة دولياً.
غير أنّ هذه الرسالة تصطدم في كثير من الأحيان بإصرار الشركاء الدوليين على ربط أي حديث عن إصلاحات داخل الرافدين بسجل القرارات المثيرة للجدل، وفي مقدمتها قضية إدراج حزب الله والحوثيين ثم سحب إدراجهما، إذ يعيد مسؤولو المؤسسات المالية والرقابية في الخارج التذكير بهذه الحادثة كلما حاولت بغداد التأكيد على جديّة التزامها بقرارات مجلس الأمن، باعتبارها دليلاً على أنّ المسافة بين القرار الفني الصرف وبين حسابات القوى السياسية ما تزال قصيرة وقابلة للاختراق، وأنّ أي بناء للثقة مع النظام المصرفي العراقي لن يكون ممكناً إذا بقيت القرارات المرتبطة بملف الإرهاب وتمويله عرضة للتعديل تحت ضغط التوازنات الداخلية.
وفي المحصلة، يبدو أنّ مصير فروع مصرف الرافدين في اليمن والإمارات ودول أخرى لن يُحسم داخل غرف إدارة المصرف وحدها أو عبر مكاتبات البنك المركزي فقط، بل سيتحدّد في نقطة تقاطع ثلاث دوائر متداخلة؛ الأولى دائرة الدول المضيفة التي تراقب حركة التحويلات والحسابات في تلك الفروع وتبني تقييماتها الخاصة لمدى التزامها بالقواعد الوطنية والدولية وتتصرف تبعاً لذلك عبر إجراءات قد تبدأ بملاحظات وتحذيرات وتنتهي بالإغلاق أو تقييد النشاط، والثانية دائرة القرار المالي في بغداد ممثَّلة بالبنك المركزي ووزارة المالية التي تحاول أن تتفادى إدراج مؤسساتها على قوائم العقوبات من خلال إصلاحات متسارعة ومكلفة من دون أن تدخل في صدام مباشر مع القوى السياسية المرتبطة بمحور المقاومة، والثالثة دائرة المزاج السياسي في واشنطن التي تنظر إلى العراق بعيون منقسمة بين مَن يرى فيه شريكاً يمكن تعزيزه إذا أثبت التزاماً صارماً بمعايير مكافحة تمويل الإرهاب، وبين من يتعامل معه بوصفه ساحة نفوذ إيراني ينبغي الضغط عليها عبر أدوات مالية وتجارية ما دام ملف حزب الله والحوثيين وأمثالهما لم يُحسم بصورة لا تحتمل التأويل.
وفي ظل هذا التشابك بين السياسة والمال، وبين حسابات الداخل وضغوط الخارج، تبدو فروع الرافدين في الخارج نقطة ضعف مكشوفة على خط التماس بين العراق والنظام المالي العالمي، فكل خطأ إجرائي أو ثغرة في الامتثال أو تراجع غير محسوب عن قرار سابق يمكن أن يتحوّل إلى منصة جديدة لمن يطالب بفرض عقوبات على أقدم وأكبر بنك حكومي في البلاد، بما ينعكس مباشرة على قدرة الدولة على إدارة رواتبها وتحويلاتها وتجارتها الخارجية، ويجعل مهمة البنك المركزي في حماية واجهة العراق المصرفية أكثر تعقيداً مما كانت عليه في أي وقت مضى منذ عام 2003.
تقرير: محرر الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - متابعة كشف تقرير نشرته ميدل إيست نيوز، اليوم الاربعاء ( 25 آذار 2026 )، أن التوقف المفاجئ للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تنفيذ ضربات عسكرية واسعة ضد إيران جاء بعد تحذيرات مباشرة من دول الخليج، التي أكدت أن الحرب تتجه نحو مرحلة أشد خطورة،