بغداد اليوم – بغداد
تقرأ مجموعة "إيكاروس الدولية للاستشارات" استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة انطلاقاً من فرضية واضحة: يمكن للبيت الأبيض أن يغيّر اللغة ويعيد ترتيب الأولويات على الورق، لكنّه لا يستطيع الإفلات من الشرق الأوسط، ولا من العراق تحديداً، بوصفه نقطة تقاطع نادرة بين أمن الطاقة العالمي، والتنافس بين القوى الكبرى، وشبكات الردع الإقليمي، والتهديدات العابرة للحدود. وبحسب إحاطاتها التحليلية، فإن الوثيقة التي تبدو وكأنها تُخفّض مكانة المنطقة، لا تلغي موقع العراق، بل تعيد وضعه في خانة "مركز المخاطر المركبة" بدلاً من "ملف بناء الدول".
في أحد تقاريرها، المعنون "لماذا لا تستطيع عقيدة نصف الكرة الأرضية الغربي أولاً الإفلات من الشرق الأوسط – ولا من العراق"، تؤكد "إيكاروس" أن الاستراتيجية الجديدة تُصاغ نظرياً وكأن الولايات المتحدة باتت قادرة على "التخرج" من الشرق الأوسط وإعادة تموضع القوة والاهتمام نحو نصف الكرة الغربي والمنافسة الاقتصادية مع الصين والأولويات الداخلية. لكن عملياً، ما تزال القوات الأمريكية والدبلوماسية والأدوات السرية متشابكة بعمق من غزة إلى الخليج، فيما يقع العراق في النقطة التي تتلاقى عندها هذه التناقضات: ساحة نفوذ إيراني، ومسرح طيران أمريكي، وخلفية عمليات إسرائيلية، وبيئة داخلية هشة اقتصادياً وديموغرافياً.
استراتيجية على الورق: خفض معلن للشرق الأوسط… وانخراط فعلي مستمر
توضح قراءة "إيكاروس" أن الاستراتيجية الجديدة تقوم بثلاث خطوات كبرى تمس الشرق الأوسط مباشرة: تعيد تعريف هرم التهديدات عبر تقديم الاقتصاد عنواناً أعلى في العلاقة مع الصين وتخفيف اللغة تجاه روسيا، وترفع نصف الكرة الغربي إلى صدارة الأولويات الإقليمية بدعوة إلى نقل قوات من الشرق الأوسط، وتُخفف رسمياً من شأن إيران والمنطقة عموماً بوصفهما مشكلتين أمنيتين يمكن "احتواؤهما" بعد عملية "مطرقة منتصف الليل" التي استهدفت البنية النووية الإيرانية.
على السطح، يبدو ذلك استمراراً لرغبة أمريكية ممتدة منذ سنوات في الخروج من عصر الحروب المفتوحة في الشرق الأوسط. لكن عند الانتقال من النص إلى السلوك الفعلي، تشير "إيكاروس" إلى مفارقة واضحة: واشنطن ما تزال تقود مسارات تفاوضية حول غزة، وتحاول صياغة ترتيبات لنزع سلاح حزب الله وتطبيع العلاقات بين إسرائيل ولبنان، وتبدي اهتماماً بإعادة إعمار سوريا ومسارها الانتقالي. الوثيقة تقول "شرق أوسط أقل"، بينما الممارسة على الأرض تكشف "إدارة عدة جبهات شرق أوسطية عالية الانكشاف".
في هذا السياق، تحاجج المجموعة بأن أخطر ما تسقطه الاستراتيجية على الورق ليس الشرق الأوسط ككل، بل العراق تحديداً. فالتعامل مع المنطقة بوصفها مجرد مسألة "وضع قوات" يتجاهل الطبيعة البنيوية للعراق كعقدة توازن بين إيران والخليج، وبين تركيا والعالم العربي، وبين القوات الأمريكية والفاعلين المسلحين المناهضين لها. من منظور "إيكاروس"، هذا ليس مجرد إغفال سياسي، بل خلل في توصيف النظام الاستراتيجي على مستوى أعمق.
العراق.. عقدة تقاطع المخاطر لا ملفاً ثانوياً
ترى "إيكاروس" أن الافتراض القائل بإمكانية تقليص الحضور العسكري في المنطقة لتحرير طاقة للأولويات في نصف الكرة الغربي يصطدم مباشرة بالواقع العراقي. فمستويات القوات الأمريكية في العراق لا ترتبط فقط بقرار واشنطن، بل أيضاً بسلوك الفصائل المسلحة، وبصمات فيلق القدس، وبقايا تنظيم داعش، وحملات الردع الإسرائيلية. تخفيف البصمة الميدانية قد يقلل من الاحتكاك اليومي، لكنه يجعل أي أزمة لاحقة أكثر كلفة وأصعب إدارة.
كما تلفت المجموعة إلى أن التهديد الإيراني، كما يُقدّم في الاستراتيجية، يجري التعامل معه وكأنه تراجع بعد "مطرقة منتصف الليل"، بينما نفوذ طهران في العراق ليس نووياً في المقام الأول، بل سياسي وشبه عسكري واقتصادي واجتماعي، متجذر في بنية الأجهزة الأمنية واللوجستية والطبقة السياسية. هذه الشبكات هي التي تُدخل الأراضي العراقية في خريطة الردع العملياتي الإسرائيلية، وتحدد سقف حركة الحكومة العراقية، بصرف النظر عما تقوله وثائق الأمن القومي.
وتضيف "إيكاروس" أن الاستراتيجية تضع التنافس الاقتصادي في قلب الرؤية، لكنها لا تدمج هشاشة العراق البنيوية في هذه المعادلة: نمو سكاني سريع، اعتماد شبه كامل على عائدات نفط متقلبة، وجيل شاب محبط يواجه مسارات محدودة إلى عمل ذي معنى. هذه ليست "مشكلات حوكمة" هامشية، بل عناصر في معادلة مخاطر تحدد كيف سيتفاعل العراق مع الصدمات الخارجية عندما تتقاطع الضغوط العسكرية والديموغرافية والمالية والاجتماعية في طور واحد.
من هنا، تعيد المجموعة التذكير بإطار "التقارب" الذي اعتمدته في إحاطاتها السابقة: تقارب الضغط العسكري الخارجي، والانفجار الديموغرافي، والانضغاط المالي، والإحباط الاجتماعي في زمن واحد. وعندما تتعاضد هذه الضغوط بدلاً من أن تتوازن، فإن الأنظمة لا "تترنح" بل قد تنقلب دفعة واحدة. وقيام الاستراتيجية الجديدة عملياً بإخراج العراق من السردية المركزية للأمن القومي يرفع، بحسب هذه القراءة، من احتمال ألا تراه واشنطن مجدداً إلا عند لحظة الانقلاب، عندما تكون الخيارات أقل والتكلفة أعلى ومساحة الدبلوماسية أضيق.
الملف العراقي يُدار عبر ممثل الرئيس لا عبر النصوص
من هذه الأرضية، يقدّم أستاذ العلوم السياسية خليفة التميمي، في حديثه لـ"بغداد اليوم"، زاوية مكملة تربط بين الوثيقة والسلوك التنفيذي. التميمي يؤكد أن تفاصيل استراتيجية الأمن القومي لعام 2026 تشير بوضوح إلى أن واشنطن "زادت من مستوى اندفاعها في مواجهة الصين عبر عدة ملفات، ونقلت جزءاً من ثقلها باتجاه ساحات أخرى"، مبيناً أن "الملف العراقي سيُدار بالكامل من قبل ممثل الرئيس الأمريكي، مارك، المتوقع وصوله إلى بغداد خلال أسابيع، حيث ستعتمد الإدارة الجديدة على ما يقدمه من تقارير لتحديد اتجاه القرارات، والتي يرجح أن تكون ذات طابع اقتصادي بالدرجة الأولى".
ويضيف أن هذا الترتيب "لا يعني تراجع أهمية العراق لدى واشنطن، بل إن الأمر يتعلق بإعادة توزيع المهام"، إذ يجري نقل مسؤولية الملف إلى ممثل ترامب بوصفه إشارة إلى تخصيص اهتمام أكبر لملفات أخرى، خصوصاً ما يتصل بالصين. لكن التميمي يلفت في الوقت ذاته إلى أن "الإشارات المتعلقة بآلية احتواء إيران داخل الاستراتيجية توضح أن واشنطن تدرك حجم تأثير طهران بوصفها شريكاً محورياً للمحور الصيني – الروسي"، ما يجعل من أي إدارة للملف العراقي جزءاً من معادلة أوسع، لا مجرد قرار منفصل حول وجود قوات أو انسحابها.
وبحسب التميمي، فإن "المرحلة المقبلة ستشهد ضغوطاً سياسية واقتصادية متزايدة لمنع قادة الفصائل المسلحة من الوصول إلى مواقع تنفيذية داخل الكابينة الوزارية، دون اللجوء إلى خيارات عسكرية مباشرة"، مؤكداً أن "الشرق الأوسط أمام مرحلة انتقالية حساسة، خاصة بعد أحداث طوفان الأقصى والتغييرات الكبيرة التي طالت غزة ولبنان وسوريا، وصولاً إلى الهجمات التي تعرضت لها إيران في حزيران الماضي". في هذه القراءة، يتحرك الضغط الأمريكي في العراق ضمن خط أوسع لإعادة ضبط موازين القوى في المنطقة من دون إطلاق حروب جديدة، لكن مع استخدام أدوات مالية وسياسية أكثر صرامة.
أربع روايات أمريكية متوازية… هدف واحد لا يتغير
ما تضعه "إيكاروس" والتميمي على الطاولة لا يلغي وجود طبقات أخرى من الخطاب الأمريكي حول العراق. فهناك، أولاً، نص استراتيجية الأمن القومي الذي يُخفض مكانة الشرق الأوسط على الورق. وهناك، ثانياً، تصريح الموفد الرئاسي توم براك الذي قال صراحة إن "ما حدث في العراق هو أننا استسلمنا"، في إشارة إلى نهاية مرحلة "مشروع إعادة البناء". وهناك، ثالثاً، قراءة السياسي العراقي المقرب من واشنطن، انتفاض قنبر، الذي أكد في حديث سابق لـ"بغداد اليوم" أن الاستراتيجية الحالية تقوم على ثلاث ركائز: تقليص النفوذ الإيراني، تفكيك دور الفصائل، وترسيخ دعم استراتيجي لإقليم كردستان.
وفوق هذه الطبقات، تأتي رواية رابعة أكثر ثباتاً: رواية المؤسسة الأمنية الأمريكية التي لا تتغير كثيراً بتغير الإدارات. بالنسبة للبنتاغون والقيادة المركزية ووكالات الاستخبارات، العراق ليس ملفاً سياسياً عابراً، بل منصة عملياتية لمراقبة الحرس الثوري، وضبط الممرات نحو شرق سوريا، وضمان أمن إسرائيل، وإدارة عمليات الطوارئ. هذه المؤسسة ترى الانسحاب الكامل من العراق تهديداً مباشراً لمصالح الولايات المتحدة، وتدفع باتجاه بقاء وجود مرن منخفض الكلفة، يتراوح بين مستشارين وقدرات جوية واستخباراتية وشبكة قواعد.
عند وضع هذه الروايات الأربع فوق بعضها – نص يخفض الشرق الأوسط، واعتراف بـ"الاستسلام" لمشروع بناء الدولة، وتحليل بثلاث ركائز ضد إيران والفصائل، ورؤية أمنية تعتبر العراق منصة لا يمكن التفريط بها – تختفي ملامح التناقض وتظهر خريطة أوضح: واشنطن لا تنسحب، لكنها لا تستثمر في مشروع سياسي جديد؛ لا تواجه إيران مباشرة، لكنها لا تسمح بهيمنتها الكاملة؛ لا تبني الدولة العراقية، لكنها تضبط حدود انهيارها؛ لا تعتمد على بغداد وحدها، لكنها ترفع مكانة كردستان كنقطة ارتكاز.
إنذار للطبقة السياسية… ومساحة ضيقة أمام الأغلبية الصامتة
في ضوء هذا المشهد، تحاجج "إيكاروس" بأن على الطبقة الحاكمة في العراق أن تقرأ الاستراتيجية بوصفها إنذاراً لا تطميناً. فإذا فهمت الوثيقة على أنها انسحاب أمريكي بسيط، فسيكون الرد الافتراضي مزيداً من التحوط باتجاه طهران وموسكو وبكين، ومزيداً من الاعتماد على الفاعلين المسلحين غير الحكوميين كنوع من التأمين الداخلي، وهو مسار يرفع مع الوقت مستوى تعرض العراق للضربات الإسرائيلية الاستباقية، وللتفكك الداخلي، وللعزلة الاقتصادية.
أما إذا قرأ القادة العراقيون هذه الاستراتيجية بالطريقة التي تراها الإحاطة التحليلية – أي بوصفها إشارة إلى أن واشنطن ستبقى منخرطة لكنها تتوقع من الشركاء تحمّل قدر أكبر من الكلفة والمسؤولية – فثمة مجال لمسار مختلف: تحويل العراق من ساحة صراع سلبي إلى عامل استقرار نشط بين إيران والخليج عبر مبادرات ذات مصداقية في أمن الحدود وربط الطاقة والإصلاح الاقتصادي؛ استثمار الانخفاض المتوقع في الوجود العسكري الأمريكي لتسريع احتراف مؤسسات الأمن، وتشديد السيطرة على الجماعات المسلحة المرخصة، ووضع خطوط حمراء أوضح على النشاط المدعوم من خارج الحدود؛ وتوظيف الجغرافيا والموارد العراقية ضمن منطق الاستراتيجية نفسها كعقدة حرجة لأمن الطاقة ومرونة سلاسل الإمداد بدلاً من الاكتفاء بدور "الساحة".
بالنسبة للأغلبية الصامتة من العراقيين، لا تقدم الاستراتيجية ولا إحاطات الخبراء عزاءً مباشراً. لكنها تحمل رسالة ضمنية صريحة: عصر "بناء الدول" بقيادة أمريكية قد انتهى، والتحركات الحاسمة باتت مطلوبة من داخل المنظومة السياسية والاقتصادية العراقية نفسها.
العراق خط اختبار أمامي لعقيدة أمريكية جديدة
في النهاية، تعيد قراءة "إيكاروس" وتحليلات خليفة التميمي رسم السؤال التقليدي. فبدلاً من الاكتفاء بسؤال "ما الذي تريده واشنطن في العراق؟"، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يتعامل العراق مع استراتيجية أمريكية تريد خفض الكلفة دون التخلي عن النفوذ، وتخفف من شأن المنطقة على الورق بينما تبقيه في قلب خرائط المخاطر؟ وهل يملك العراقيون – في بغداد وأربيل والنجف والبصرة – استراتيجية مقابلة تمنع تحوّل بلادهم إلى هامش في عقيدة "نصف الكرة الغربي أولاً"، أم أن القرار سيظل رهينة شبكة ضغوط تتشكل فوق الأرض بينما تتبدل العبارات الواردة في وثائق الأمن القومي دون أن يتبدل الاتجاه الفعلي للسياسة؟
تقرير: محرر الشؤون السياسية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - الانبار أفاد مصدر امني، اليوم الاربعاء ( 25 آذار 2026 )، بقصف مقر للحشد الشعبي في قاعدة الحبانية بمحافظة الانبار. وقال المصدر لـ"بغداد اليوم"، إن "غارات جوية الصهيوأمريكية أستهدفت بنايات الخوات الخمسة التي أتخذها الحــشد