بغداد اليوم - بغداد
في اللحظة التي اعتقدت فيها المؤسسات المالية العراقية أنها بدأت تخرج تدريجياً من نفق الضغوط الأمريكية الثقيلة، وأن المسار الفني للامتثال المالي قد بدأ يستقر بعد أشهر من المراجعات والقيود والتحويلات المعطّلة، وجدت نفسها أمام عاصفة جديدة تتجاوز حدود القرار الإداري وتدخل مباشرة في عمق المعادلة السياسية الداخلية.
فقد كشف التراجع السريع عن قرار تجميد أصول حزب الله والحوثيين أن الهامش الذي يتحرك فيه البنك المركزي يبقى هشاً إلى درجة تجعل أي خطوة فنية قابلة للانقلاب خلال ساعات إذا تعارضت مع الحسابات المعقّدة التي تحكم شبكة النفوذ السياسي داخل الدولة، وهو ما أعاد ملف الامتثال إلى نقطة توتر تذكّر بالمرحلة التي سبقت سلسلة العقوبات والقيود التي فرضتها الخزانة الأمريكية في العامين الماضيين.
وجاء التعليق الأمريكي هذه المرة سريعاً وصريحاً، حين عبّر متحدث الخارجية الأمريكية عن "خيبة أمل" واشنطن من تراجع العراق عن تجميد الأصول، وذهب أبعد من مجرد تسجيل اعتراض دبلوماسي عندما ربط القرار بخطر الجماعات المرتبطة بإيران وقدرتها على استخدام أراضي الدول لجمع الأموال والتدريب وشراء السلاح وتنفيذ الهجمات، وهو تصريح لا يكتفي بتوصيف اللحظة، بل يعيد ترتيب السياق كله: فالولايات المتحدة تنظر إلى العراق بوصفه نقطة تماس مركزية في مواجهة نفوذ هذه الجماعات، وأي مرونة يقدمها النظام المالي العراقي تجاهها ستُقرأ فوراً باعتبارها إخلالاً بالتعهدات التي قدمتها بغداد خلال مفاوضات الامتثال الأخيرة.
وفي الوقت نفسه، كانت تقارير أجنبية – نقلتها شبكتا "شيفا أرتوز" و"القناة السابعة" الإسرائيليتان وترجمتها "بغداد اليوم" – تضع التطور العراقي في إطار أوسع، معتبرة أن التراجع عن القرار أثار قلقاً داخل بغداد نفسها، وأن الحكومة العراقية تبدو وكأنها تحاول الحفاظ على خط توازن شديد الضيق بين واشنطن وطهران، في لحظة تتصاعد فيها الضغوط الأمريكية لدفع العراق نحو موقف أكثر صرامة تجاه الجماعات المرتبطة بإيران. ووفق تلك التقارير، فإن بغداد تخشى الدخول في "منظار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب" الذي يضغط لتشديد الخناق الاقتصادي على إيران، وترى في العراق آخر منفذ اقتصادي يمكن لطهران الاستفادة منه تحت العقوبات، في حين امتنعت جماعة الحوثيين وحزب الله عن الإدلاء بأي تعليق بشأن القرار العراقي أو التراجع عنه، ما زاد من الغموض المحيط بالمشهد.
وفي هذا المناخ المشحون، بدأ خبراء الشأن الاستراتيجي يحذرون من أن التراجع عن القرار لم يكن مجرد تصحيح إداري، بل خطوة يمكن أن تضع البنك المركزي في مسار تصادمي جديد مع وزارة الخزانة الأمريكية.
ويذهب المختص في الشؤون الاستراتيجية جاسم الغرابي في حديثه لـ"بغداد اليوم" إلى أن "هناك ورطة حقيقية وأزمة محتملة قد يدخل فيها البنك المركزي خلال الفترة المقبلة، بسبب قيود واشتراطات أمريكية شديدة تتعلق بملف الامتثال الرقابي على تحويلات الدولار، مقابل ضغوط سياسية داخلية للتراجع عن العقوبات المفروضة على كيانات مسلحة إقليمية". ويشرح الغرابي أن الخزانة الأمريكية تراقب عن كثب "محاولات لخرق منظومة الامتثال الجديدة التي فُرضت خلال الأشهر الماضية على التحويلات الخارجية، خصوصاً بعد تقييد وصول الدولار إلى مصارف وشركات ترتبط بشبكات تحويل يُشتبه باستخدامها في تمويل جماعات معاقبة".
ولا تبدو هذه التحذيرات منفصلة عن التوتر الراهن، فالأزمة التي تتشكل اليوم هي امتداد مباشر لمسار طويل من الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة حين لوّحت بتقليص نافذة التحويلات، ثم فرضت تدقيقاً صارماً على المنصات الإلكترونية، قبل أن تغلق الأبواب أمام مصارف وشركات عراقية اتُهم بعضها بتسهيل تدفقات مالية غير مشروعة.
تلك الإجراءات دفعت الحكومة إلى إرسال وفود متعاقبة إلى واشنطن لمحاولة تخفيف القيود وتقديم تعهدات رقابية صارمة، لكن هذا المسار الذي كلف الدولة ثمناً سياسياً واقتصادياً ثقيلاً بدا وكأنه يتعرض للانهيار بمجرد أن اصطدم بالاعتراض الداخلي الذي رفض إدراج فصائل مرتبطة بالمحور الإيراني ضمن قوائم الإرهاب.
ويرى الغرابي أن بعض القوى السياسية "تضغط على الحكومة والبنك المركزي لإيجاد تسويات أو التراجع عن قرارات سابقة تخص التعاملات المالية لجماعات مسلحة مدرجة على لوائح العقوبات الأمريكية، بحجة حماية الاقتصاد الوطني ومنع ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية"، وهو خطاب يجمع بين المصلحة الاقتصادية والاعتبارات السياسية، لكنه يخلق – بحسب المتخصصين – تناقضاً مباشراً مع قواعد الامتثال التي تعتمدها الخزانة الأمريكية كمحدد رئيسي للموقف من النظام المالي العراقي.
ولذلك يحذر الغرابي من أن أي خطوة تُقرأ في واشنطن باعتبارها تخفيفاً أو تراجعاً عن ضوابط الامتثال "قد تقود إلى إعادة تشديد القيود على الدولار أو حتى إيقاف منصات التحويل المالي من المصدر، ما يعني عملياً الدخول في أزمة نقدية حادة وعودة الاضطراب إلى الأسواق وانهيار الثقة بالقطاع المصرفي".
هذا المزيج من الضغوط يضع البنك المركزي أمام معادلة تكاد تكون مستحيلة: فمن جهة يحتاج إلى المحافظة على المسار الفني للامتثال لضمان استمرار تدفق الدولار ومنع انهيار السوق، ومن جهة أخرى يخضع لمنظومة سياسية تنظر إلى كل قرار مالي من زاوية اصطفافه الإقليمي وتأثيره على موقع الفصائل والقوى المرتبطة بمحور إيران. وما يحدث اليوم يكشف مرة أخرى أن الدولة تعمل في مساحة ضيقة تتحكم بها معادلات النفوذ الإقليمي أكثر مما تتحكم بها الحسابات الاقتصادية البحتة، وأن كل خطوة في ملف الامتثال المالي تتحول فوراً إلى اختبار سياسي لا يمكن عزله عن صراع الموازين داخل العراق.
وإذا كانت واشنطن قد عبّرت عن اعتراضها بلهجة دبلوماسية محسوبة، فإن المؤسسات الرقابية الأمريكية تمتلك القدرة على اتخاذ إجراءات أكثر قسوة إذا رأت أن تراجع العراق يعكس ضعفاً بنيوياً في التقيد بالتزامات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. ووفق القراءة التي تقدمها مصادر اقتصادية مطلعة، فإن إعادة تشديد القيود قد تعني العودة إلى مستوى من الرقابة لم يشهده العراق منذ عام 2003، وقد يصل إلى نقطة تجميد قنوات التحويل تماماً إذا اقتنعت الخزانة بأن النظام المالي العراقي بات غير قادر على حماية نفسه من التدخلات السياسية التي تعدها واشنطن "تهديداً مباشراً للسياسة الدولية في تجفيف موارد الإرهاب".
وفي خلفية هذا المشهد، تتحرك الأسواق العراقية بحساسية مفرطة تجاه أي إشارة تصدر من الخارج. فالتجار والمصارف يتابعون التطورات وكأنهم أمام موجة جديدة من اضطرابات الدولار، والحكومة تسعى إلى تهدئة المخاوف عبر التطمينات، في حين يدرك البنك المركزي أن الخطأ الفني لم يعد خطأ، وأن التراجع الذي جاء لتسكين اعتراض سياسي قد يفتح الباب أمام أزمة مالية يصعب التحكم بتداعياتها إذا قررت واشنطن إعادة ترتيب قواعد اللعبة.
وهكذا يتضح أن المشكلة لم تعد مرتبطة بقرار نُشر ثم سُحب، بل بالسياق الكامل الذي أنتج هذا الارتباك، وبالتوازن الهش بين الداخل والخارج، وبالدور الذي باتت تلعبه الضغوط السياسية في تشكيل مصير النظام المالي العراقي. ومع استعداد واشنطن لإعادة تقييم خطواتها المقبلة، يبدو أن الأسابيع القادمة ستكون اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الدولة العراقية على حماية موقعها في النظام المالي الدولي، دون أن تخسر – في المقابل – توازناتها الداخلية التي أصبحت جزءاً من شبكة معقدة يحكمها النفوذ الإقليمي والتقاطع الدائم بين السياسة والاقتصاد والأمن.
تقرير: محرر الشؤون السياسية والاقتصادية في بغداد اليوم