سياسة / أمن / ملفات خاصة 7-12-2025, 17:58 | --
+A -A

خللٌ أمني يتعمّق


الخطر على بغداد يتضاعف بعد استبعاد العراق من "القبة الصاروخية الخليجية".. فمن يُساءل؟

بغداد اليوم – بغداد

في اللحظة التي أعلنت فيها دول الخليج تسريع العمل على “القبة الصاروخية المشتركة”، بدا واضحاً أن مشروعاً يتجاوز وصفه بالتعاون العسكري قد بدأ يتشكّل في الإقليم، وأن المنطقة مقبلة على هندسة أمنية جديدة لا تتعلق بمنظومات اعتراض أو قدرات تقنية فحسب، بل بإعادة ترتيب ميزان القوى السياسي والاستراتيجي، ورسم خطوط اصطفاف لا تقبل الالتباس بين الأطراف المختلفة، فيما يقف العراق—الذي كان ذات يوم محورياً في فكرة الأمن الخليجي ومشاركاً في المداولات المبكرة التي سبقت ولادة مجلس التعاون نفسه قبل أن يُستبعد لاحقاً بفعل اصطفافاته الإقليمية المتغيرة—خارج هذه الدائرة تماماً، وكأن معمار الأمن الإقليمي يعاد بناؤه على مسافة من الدولة التي كانت سماؤها أول سماء في المنطقة تُختبر بالهجمات الجوية والاختراقات المتقدمة.

والمفارقة هنا ليست تفصيلاً؛ فالعراق، الذي شهد خلال السنوات الماضية اختراقات متكررة لأجوائه وضربات منسوبة إلى إسرائيل استهدفت مخازن ومواقع حساسة داخل عمقه الجغرافي، يجد نفسه اليوم بعيداً عن مظلة دفاعية يبدو أنها صُمِّمت، أو هكذا تُقدَّم، لردع النوع ذاته من التهديدات. لكن اختزال هذه المفارقة بالقول إن العراق لم يُدعَ أو أنه غير جاهز تقنياً لا يلتقط سوى قشرة المشهد؛ فالحقيقة أن القبة الخليجية لم تُبنَ لتكون مشروعاً عسكرياً مفتوحاً، بل صُممت منذ عقود لتكون الامتداد الطبيعي لنظام أمن جماعي خاص بدول مجلس التعاون الخليجي، وهو نظام أخذ شكله المؤسسي منذ الثمانينيات، بعد أن كانت بغداد نفسها—قبل انزلاقها اللاحق في الاصطفافات مع طهران—طرفاً فاعلاً في النقاشات العربية التي سبقت تأسيس المجلس، قبل أن يُغلق الباب أمامها سياسياً بسبب مسارها الإقليمي الذي اصطدم بصلابة الهوية الأمنية الخليجية.

وخلال أكثر من أربعة عقود، طوّرت دول الخليج منظومة دفاعية تتدرج من “درع الجزيرة” إلى مشاريع دمج الرادارات وشبكات القيادة والسيطرة، وراكمت قدراً كبيراً من الثقة المتبادلة التي جعلت من فكرة القبة الصاروخية امتداداً طبيعياً لمسار طويل من العمل الأمني المشترك. وفي تلك الفترة نفسها، كان العراق يتنقل بين صراعات إقليمية، تبعات حصار دولي، حروب داخلية، وانقسامات سياسية حالت جميعها دون أن يكون جزءاً من أي معمار أمني مشترك، ليس بسبب غياب الرغبة وحدها، بل بسبب غياب الأرضية السياسية والمؤسسية التي تسمح باندماج كهذا.

ومع أن القبة الخليجية موجّهة تقنياً ضد الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، فإن السؤال الجوهري المتحكم بمسارها يبقى: من هو العدو؟ دول الخليج تتبنى رؤية موحدة لمصادر التهديد، وتتحرك ضمن إطار استراتيجي متجانس، بينما يعيش العراق داخل لوحة شديدة التعقيد، تتداخل فيها توازنات النفوذ الإيراني، والحضور الأمريكي، ودور الفصائل المسلحة التي تمتلك امتدادات إقليمية واضحة، وتتحرك وفق حسابات لا تنفصل عن سياقات الخطاب الأمني لطهران. هذا الواقع يجعل من الصعب على بغداد تبني تعريف صريح لـ“العدو المشترك” الذي يُعد شرطاً أولياً للاندماج داخل أي منظومة دفاع جماعي.

هذا ما يوضحه الخبير في الشأن الاستراتيجي علي ناصر في حديثه لـ"بغداد اليوم"، حين يشير إلى أن “العراق يبدو بعيداً عن التعاون العسكري مع بعض دول الخليج العربي، إضافة إلى محدودية إمكانية تزويده بمنظومات دفاع جوي متقدمة من الخارج”، موضحاً أن “السياسة الإقليمية للعراق ووضعه الجيوسياسي المختلف يجعلان من الصعب الالتحاق باتفاقيات إقليمية قد تفرض التزامات لا يستطيع العراق تحملها مالياً أو سياسياً، في ظل اقتصاد متذبذب ورؤية اقتصادية غير مستقرة على المدى المتوسط والبعيد”. هذه الإشارة تختزل جوهر المعضلة؛ فالعراق لا يواجه فقط نقصاً في القدرات الدفاعية، بل أزمة موقع في خريطة الإقليم، نتيجة تموضعه الطويل داخل محور إيران وما ترتب على ذلك من ابتعاد تلقائي عن منظومة مجلس التعاون.

وفي خلفية المشهد، يبقى السؤال الأكثر حساسية: لماذا يبقى العراق خارج مشروع دفاعي إقليمي، رغم أن الهجمات التي تستعد دول الخليج لردعها مستقبلاً، قد وقعت فعلياً فوق سماء بغداد أولاً؟ ولماذا يُعاد بناء معمار أمني جديد لا يكون البلد الذي تلقى الضربات المبكرة جزءاً منه؟ الإجابة تكمن في أن القبة الخليجية ليست خطة طوارئ عسكرية، بل مشروع استراتيجي طويل الأمد، يحتاج دولاً قادرة على امتلاك جيش موحد العقيدة، ومؤسسات ثابتة القرار، ورؤية سياسية واضحة حول طبيعة الاصطفاف الإقليمي. وهذه شروط لا يمتلك العراق مقوماتها اليوم، إذ ما زالت بنية الدفاع الجوي الوطنية في طور التكوين، والرادارات غير موحّدة، والقرار الأمني موزع بين مؤسسات متعددة لا تتفق بالضرورة على تعريف واحد للتهديد.

ويضيف علي ناصر في حديثه لـ"بغداد اليوم" أن “العراق يحتاج إلى ترتيب وضعه الداخلي أولاً، قبل التفكير بالذهاب إلى أي اتفاقات دولية أو إقليمية”، مؤكداً أن الدولة العراقية لا تزال في مرحلة إعادة بناء مؤسساتها الأمنية، ومعالجة الانقسامات السياسية التي تجعل اتخاذ قرار استراتيجي كبير، مثل الانضمام إلى منظومة صاروخية مشتركة، خطوة شبه مستحيلة في الظرف الحالي. ويشير إلى أن “الصورة قد تتضح أكثر في السنوات المقبلة حين تستكمل الدولة إصلاحاتها المؤسسية والسياسية والاقتصادية”، بما يوحي أن المشكلة ليست رفضاً للعراق، بل غياباً لشروط الاندماج.

وبينما تتقدم القبة الخليجية بسرعة نحو تكوين منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات، يعيش العراق في منطقة رمادية بين الحاجة الملحة لحماية سمائه، وعدم القدرة على اتخاذ القرار السياسي الذي يضعه داخل أي اصطفاف دفاعي. وبين هذين الحدّين تتوسع الفجوة بمرور الوقت؛ فالدول الخليجية تعزز راداراتها، وتدمج مراكز القيادة والسيطرة، وتنسّق مع القوى الكبرى، بينما لا يزال العراق يعيد تعريف حدود الدولة نفسها، ويتحرك داخل مساحة سياسية لا تسمح له باعتماد موقف واحد من التهديدات الخارجية.

ولذلك، فإن السؤال ليس لماذا لم ينضم العراق إلى القبة الخليجية، بل ما إذا كان يمتلك أصلاً الرؤية والأدوات والمؤسسات التي تسمح له بالانضمام إلى أي قبة دفاعية. فالدفاع الجوي يبدأ من السياسة قبل أن يبدأ من الصواريخ، ومن تحديد العدو قبل شراء منظومات الاعتراض، ومن بناء الدولة قبل بناء المظلة.

وما دام العراق لم يحسم موقعه بين محاور الإقليم، ولم يستعد بنيته الدفاعية، ولم يتحرر من إرث الاصطفاف الذي أخرجَه عملياً من المنظومة الخليجية التي ساهم في تشكيل فكرتها يوماً، فإنه سيبقى خارج القباب جميعها، مهما اتسعت، ومهما ارتفعت فوق سماء المنطقة.

تقرير: محرر الشؤون السياسية والأمنية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

مهاجم عربي يقترب من ارتداء قميص برشلونة

بغداد اليوم - متابعة ذكرت تقارير صحفية عالمية، اليوم الجمعة ( 3 نسيان 2026 )، أن برشلونة أصبح مهتما باستعادة خدمات أحد لاعبيه السابقين خلال سوق الانتقالات الصيفية المقبلة. ووفقا للتقارير، فإن برشلونة مهتم بالتعاقد مع الجناح المغربي الدولي عبد الصمد

اليوم, 14:48