سياسة / ملفات خاصة 3-12-2025, 19:15 | --
+A -A

المنعطف الأخطر


العراق في منطقة العاصفة… كل الملفات مفتوحة وكل السيناريوهات محتملة: البلاد إلى أين؟

بغداد اليوم - بغداد

لا يبدو السؤال عن وجهة العراق ترفا سياسيا او عنوانا انفعاليا لمرحلة عابرة، بل اقرب الى تشخيص لوضع بلد يعيش منذ سنوات في حالة توتر مستمرة، تتقاطع فيها ملفات الفساد والاقتصاد والعنف السياسي والاخفاق المؤسساتي، مع ضغوط خارجية مفتوحة لا تهدأ، فيما تتآكل ثقة المجتمع بكل ما يحمل اسم دولة او عملية سياسية. المدن التي اعتادت الضجيج اليومي، تعيش في عمقها هاجسا مختلفا؛ خوف مكبوت من المستقبل، وانطباع متزايد بان النهايات قد تأتي على شكل انهيار بطيء لا يحتاج الى انفجار واحد كبير، بل الى استمرار هذا النوع من الفوضى المنضبطة التي لا تسقط كل شيء لكنها لا تسمح بقيام شيء مكتمل.

في هذا المناخ، يصف السياسي المستقل نبيل العزاوي صورة البلد بلغة لا تخلو من التحذير، فهو يرى في حديثه لـ"بغداد اليوم" ان "العراق اليوم ، أمام مرحلة مهمة من تحديات أصبحت غير قابلة للتأجيل أو التأويل أو غض البصيرة ، فالأزمات متوالدة من حكومة لأخرى ، والمشكلات لازالت بحاجة لتعمق نظر ، وفلسفة حلول واقعية ، فالكل يجمع أن تحديات جمة قد رافقت كل العمليات السياسية ، لكن التشخيص لوحده لايحل عقدة ، بقدر مانحتاج لضمير سياسي حاضر ، يقرب المسافات ، ويحول التجزئة لوحدة ، والتحديات لفرص عمل واستثمارات". هذا التوصيف يضع الاصبع على جوهر المعضلة؛ فالمشكلة لم تعد في غياب المعرفة بحجم الكارثة، بل في غياب ارادة جدية لتحويل هذا الفهم الى قرارات، وفي تحويل الاعتراف بالفشل الى مقدمة لاعادة بناء المنظومة، لا الى جملة عابرة في حديث اعلامي.

ملف الفساد هنا لا يحضر كأحد عناوين الازمة فحسب، بل كبنية تحتية لشلل الدولة. عقود مفقودة، اموال مختفية، طبقات من الفضائح السياسية والادارية، تحقيقات لا تكتمل، ومتهمون لا يمثلون امام القضاء، وملفات حساسة مثل استهداف الحقول والمنشآت الحيوية في الاقليم تبقى معلقة تحت عنوان "لجان عليا" لا يخرج من غرفها شيء يرقى الى مستوى كشف الحقيقة امام الناس. يتحول الاختفاء المالي الى ظاهرة، وتغدو فكرة المحاسبة اقرب الى الخيال، وبذلك يتراكم شعور عام بان النظام القائم يحمي الفشل ولا يحمي المال العام، وان حجم ما ضاع من موارد يكفي وحده لرسم مستقبل مختلف تماما لو توافرت منظومة حكم تحترم مفهوم الدولة.

فوق هذا الركام، يزداد المشهد السياسي توترا مع كل حادثة طائرات مسيرة مجهولة الجهة، ومع كل هجوم مسلح يطال مقرا حزبيا او مؤسسة رسمية او موقعا اقتصاديا، ومع كل عملية اغتيال سياسي تمر من دون مآل قضائي واضح. هذه الوقائع لا تبدو منفصلة عن صراع عميق على شكل السلطة وطبيعة السلاح وحدود الشرعية، وهي تعكس في الوقت نفسه هشاشة المنظومة الامنية ووجود قوى قادرة على فرض ايقاعها الخاص خارج القنوات الرسمية. عندما تصبح المؤسسات عرضة لسلاح لا يخضع لقرار واحد، تتحول الدولة الى كيان هش يعيش على تفاهمات مؤقتة، وتضيع الحدود الفاصلة بين ما هو قانوني وما هو امر واقع فرضته قوة الامر الواقع.

في خلفية هذا كله، تتحرك علاقات العراق الخارجية وفق ضغوط كثيفة، حيث يشير العزاوي الى ان "العراق اليوم وجب تحديد هويته ، ومع من يكون ، وكيف يتعامل مع التوجهات الأمريكية ، والتي أصبحت واضحة جداً ، أنها تريد علاقة سياسية واقتصادية وفق منهجها ، وتصوراتها ، ودون الميل للجانب الإيراني ، وهذا الأمر يحتاج لعقلية واسعة ، ومقدرة لجملة الاخطار القادمة ، ولذلك وجب على المتصدي القادم ، أن يوازن بالعلاقة بين الولايات المتحدة ، وإيران ، وفق مبدأ العراق أولاً ، ووفق مصلحة البلاد العليا ، وبما يخدم كل العراقيين". هذا الكلام يفتح ملفا حساسا؛ فالعراق ليس في فراغ جغرافي، وليس معزولا عن الاستقطاب الحاد في الاقليم، الا ان استمرار التعامل مع الداخل كمساحة لتصفية الحسابات الخارجية يضاعف كلفة كل قرار، ويجعل هوامش الحركة المتاحة امام صانع القرار اضيق مما تبدو عليه في الخطابات العلنية. في الواقع، تصبح ادارة هذه العلاقات اشبه بمحاولة السير فوق ارض مملوءة بالالغام؛ كل خطوة غير محسوبة قد تثير ردود فعل خارجية، وكل تردد يفتح الباب لفراغ تملؤه قوى اخرى.

واذا كان السؤال الخارجي يتعلق بهوية العراق في محيط متقلب، فان السؤال الداخلي يرتبط بشكل مباشر بمصير الاموال المنهوبة، ومستقبل التحقيق في قضايا كبرى، ومصير شبكات الفساد التي تحولت الى ما يشبه دولة موازية. هنا يلفت العزاوي الى ان "كل الأمور المرحلة من إختفاء الاموال والفساد ، ومحاسبة كل المتورطين ، وكشف التحقيقات في عمليات إستهداف حقول الاقليم ، أصبحت من أهم الضرورات الملحة التي يطالب الكل بإنهائها ، وكل ذلك يمكن أن يكون حاضراً ، خصوصاً بعد إجراء إنتخابات مهمه وناجحة بكل المقاييس ، ولكن الاهم من نجاحها إستثمار وترجمة نتائجها ، التي وجب أن تؤسس لجملة حلول وتفاهمات مع الجميع". بهذا المعنى، لا يعود النقاش حول الانتخابات مرتبطا بحسن التنظيم او نسب المشاركة، بل بقدرة النظام السياسي على تحويل الصناديق الى نقطة انعطاف حقيقية في مسار الحكم، وهذا ما لم يتحقق بعد؛ فالبرلمان الجديد لم ينجح حتى الان في انتاج صيغة تعيد التوازن المفقود، بل زاد الشعور بان المعارضة اقصيت من داخل المؤسسة التشريعية، وان المساحات المتاحة للاعتراض المنظم تضيق.

الغضب الشعبي لا يغيب عن هذه اللوحة؛ في الشارع مزاج متراكم، تيار صدري يراقب التشكيل من خارج البرلمان بعد المقاطعة، وقوى مدنية تشعر بان اصواتها تذوب في ضجيج تحالفات لا تعكس مطالبها. يختصر العزاوي هذا المزاج بقوله ان "التيار الصدري الذي قاطع الانتخابات لكن مراقب مهم لما ستؤول نتائج التشكيل، وعليه الان أن تبدأ كل الكتل السياسية بمراجعة سلوكها، ثم ايجاد مساحات التقريب الغائبة ، وبعدها يمكن أن نقول أن العراق قد عبر مرحلة المتاهات والأزمات ، لمرحلة البناء وإستثمار كل الإمكانات". الفكرة هنا تتجاوز وصف وضع تيار بعينه، لتضع يدها على معضلة اوسع؛ فالنظام الذي لا يجد طريقة لدمج المعارضة، الدينية والمدنية، داخل عملية سياسية واضحة ومقننة، يفتح الباب امام اشكال احتجاج اخرى قد لا تبقى تحت سقف المؤسسات.

كل هذه الطبقات تتراكم فوق اقتصاد لم يغادر بعد دائرة الخطر؛ التذبذب في السياسات، غياب رؤية متماسكة للاستثمار، هشاشة البنى التحتية، اعتماد مفرط على مورد واحد، وقلق دائم من تأثير اي هزة مالية او سياسية على حياة الناس اليومية. في بلد شهد اكبر موجات الهجرة الداخلية والخارجية بسبب الحروب والبطالة وانعدام الخدمات، يصبح كل يوم يمر من دون اصلاح جدي بمثابة استنزاف جديد لرأس المال البشري، واهدار لفرص يمكن ان تتحول الى مشاريع منتجة لو وجدت بيئة قانونية وسياسية مستقرة.

هكذا يتشكل السؤال من جديد: العراق الى اين؟ ليس بوصفه عنوانا، بل كخلاصة لمرحلة كاملة يجد فيها المجتمع نفسه عالقا داخل بنية سياسية عاجزة عن محاسبة الفاسدين، وغير قادرة على حماية المؤسسات من السلاح غير المنضبط، ولا تمتلك حتى الان الشجاعة الكاملة لتحديد موقع البلاد في معادلات الإقليم بطريقة تحصن الداخل من الصدمات. الإجابة، حتى اللحظة، لم تخرج من نطاق التحذيرات والتشخيصات، بينما يحتاج البلد الى ما هو ابعد من ذلك؛ يحتاج الى قرار سياسي يعترف بان المسار الحالي غير قابل للاستمرار، والى طبقة تقبل بان تستبدل منطق الغنيمة بمنطق الدولة، وتضع حدا لزمن الملفات المفتوحة بلا نهاية، قبل ان يفرض الشارع اجابته الخاصة، بوسائله الخاصة، وعلى طريقته التي لا يمكن توقع مداها.

تقرير: محرر الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار