بغداد اليوم - بغداد
"ستواجهون مصير بشار الأسد". بهذه العبارة التي قالت كل شيء من دون حاجة إلى شرح إضافي، اختار المحلل السياسي أمير الموسوي أن يضع القوى السياسية الشيعية في العراق أمام سؤال لم يعد من الممكن تأجيله: ماذا يعني أن يغيّر بلد بموقع العراق اتجاه تحالفاته في لحظة إقليمية مضطربة؟ ولماذا ترى طهران أن ما يجري في بغداد اليوم يشبه، بطريقة ما، اللحظة التي بدأ فيها النظام السوري يفك عقدته القديمة تجاه العالم العربي قبل أن يجد نفسه في مساحة ضيقة لا يستطيع فيها الاعتماد على الدعم الإيراني كما كان يفعل قبل سنوات قليلة؟
فالكلمة التي يستخدمها الموسوي ليست توصيفًا للمستقبل بقدر ما هي محاولة لربط اللحظة العراقية بتجارب دول دفعت ثمن التحولات السريعة. فدمشق لم تتجه نحو الرياض وأبوظبي والقاهرة حبًا بالاصطفاف العربي، بل لأنها وصلت إلى مرحلة شعرت فيها أن الاعتماد المطلق على محور واحد لم يعد قادرًا على حمايتها من التدهور الاقتصادي والعزلة الدولية، ولأن السنوات الأخيرة حملت معها رسائل إيرانية غير معلنة مفادها أن الدعم الذي كان بلا سقف لم يعد كما كان، وأن على سوريا أن تبحث عن بدائل تُبقي الدولة واقفة. وحين بدأت تلك البدائل تُختبر، اكتشفت دمشق أن طريق العودة مكلف، وأن طهران لم تعد مستعدة لتقديم ما كانت تقدمه من نفوذ ومال وسلاح كما في السنوات الأولى للحرب.
هذا المثال هو ما يريد الموسوي تثبيته في ذهنية القوى العراقية: أن التحالفات ليست حركة مزاجية، وأن تغيير البوصلة يحتاج إلى استعدادات داخلية وقدرة على امتصاص ردود الفعل الخارجية. وما يعزز وقع هذه الرسالة أن بغداد تشهد منذ أسابيع نقاشات مفتوحة بين قوى شيعية بدأت تراجع علاقتها بالمحيط العربي وتفكر بآليات مختلفة للتعامل مع واشنطن، في ظل متغير أمريكي لم يعد يشبه مرحلة أوباما أو بايدن، بل أقرب إلى مقاربة ترامب التي تقوم على مبدأ الضغط الواضح وربط التعاون السياسي والأمني بمستوى تحجيم النفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة العراقية.
لكن الصورة لا تكتمل دون التجربة اللبنانية، التي لم تغيّر تحالفاتها لكنها دفعت ثمن البقاء في محور واحد دون توازنات داخلية أو تفاهمات إقليمية. فسنوات القصف الإسرائيلي، من تدمير البنية التحتية إلى استهداف قادة محاور سياسية وعسكرية، ترافقت مع عزلة اقتصادية وعقوبات طالت مؤسسات وشخصيات وقطاعات كاملة، قبل أن ينتهي البلد إلى انهيار مالي دفع اللبنانيين إلى واحدة من أقسى الأزمات في تاريخهم الحديث. هذا النموذج يعكس الوجه الآخر للمقارنة: فليس الخروج من محور ما هو وحده الذي يجلب المتاعب، بل البقاء فيه بلا هوامش مناورة قد يكون أشد كلفة.
وفي هذه الجزئية تحديدًا يستعيد الخبير العراقي عباس الجبوري المشهد من زاوية مختلفة تمامًا، إذ يرى أن المشكلة ليست في الاتجاه ذاته، بل في سرعة التحول وغياب البنية الداخلية القادرة على تحمل نتائجه. فالعراق، كما يقول، ليس دولة يمكن أن تغيّر موقعها الخارجي بضغطة واحدة، ولا بيئة سياسية تستطيع الانتقال من محور إلى آخر بسرعة دون أن تخلق فراغات أمنية وسياسية تشجع أطرافًا داخلية على محاولة إعادة توزيع النفوذ بالقوة. ويضيف أن أي انزياح حاد نحو محور جديد، سواء كان عربيًا أو أمريكيًا، سيُقرأ في طهران بوصفه تهديدًا لا يتعلق بالنفوذ فقط، بل بالأمن القومي، وهذا يفتح الباب أمام ردود أفعال قد تكون غير قابلة للضبط.
ويشير الجبوري إلى أن بعض الدول حين انتقلت فجأة من شراكات تقليدية إلى شراكات جديدة وجدت نفسها أمام ضغوط دولية أطاحت بحكومات، وأخرى دخلت في حروب استنزاف، وثالثة حوصرت اقتصاديًا، ورابعة سُحبت من حسابات القوة لأنها تحركت بسرعة أكبر من قدرتها على حماية الداخل. وهذا هو جوهر التحذير: المشكلة ليست في الخليج ولا في إيران ولا في واشنطن، بل في كيفية الانتقال، وفي وجود خطة حقيقية تمنع البلاد من الانزلاق إلى سيناريوهات سورية أو لبنانية أو يمنية.
ووسط هذا المشهد، تواجه القوى الشيعية اختبارًا مزدوجًا: فمن جهة تريد الحفاظ على علاقاتها التاريخية مع إيران، ومن جهة أخرى تدرك أن العراق لا يمكنه إدارة اقتصاده من دون العلاقة مع الولايات المتحدة والخليج. ومن جهة ثالثة ترى أمامها إدارة أمريكية لا تخفي شروطها، وتشير بوضوح إلى أن بقاء قوى مرتبطة بطهران في مواقع حساسة سيجعل أي تعاون مالي أو أمني مهددًا أو محدودًا. وهذا كله يحدث بينما لا تزال مفاوضات تشكيل الحكومة في بداياتها، وفي وقت قد يؤدي أي خطأ تقدير إلى تحويل العراق من لاعب محتمل إلى ساحة جديدة للصراع الإقليمي.
وفي النهاية، يبدو أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان العراق سيبقى مع إيران أو يذهب نحو العرب أو يتقارب مع الأميركيين، بل كيف سيدير هذه المرحلة دون أن يكرر تجارب دول تجاهلت المتغير الإقليمي حتى فُرض عليها المسار بالقوة. فالخطر ليس في المحور، بل في العمى السياسي الذي يجعل الدولة تتحرك متأخرة عن لحظة العالم من حولها، وعندها يكون الثمن دائمًا أعلى بكثير مما تتوقعه القوى التي اعتقدت أنها تتحكم بالإيقاع.
تقرير: محرر الشؤون السياسية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - متابعة كشف تقرير نشرته ميدل إيست نيوز، اليوم الاربعاء ( 25 آذار 2026 )، أن التوقف المفاجئ للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تنفيذ ضربات عسكرية واسعة ضد إيران جاء بعد تحذيرات مباشرة من دول الخليج، التي أكدت أن الحرب تتجه نحو مرحلة أشد خطورة،