بغداد اليوم - بغداد
تتجه المشاورات السياسية داخل الإطار التنسيقي نحو مرحلة معقدة وحساسة في سباق تسمية رئيس الوزراء المقبل، فيما يظهر على السطح حراك جديد يتجاوز الأسماء والكتل ليصل إلى جوهر المنصب نفسه: محاولة تجريد رئيس الحكومة المقبل من أي طموح سياسي أو مشروع انتخابي مستقبلي. الفكرة التي تبدو للوهلة الأولى غريبة داخل نظام يقوم في جزء كبير منه على إعادة إنتاج الزعامات من داخل السلطة التنفيذية، تحولت—وفق ما يؤكد النائب السابق فوزي أكرم ترزي—إلى محور نقاش فعلي داخل غرف القرار.
ترزي أوضح في حديثه لـ"بغداد اليوم" أن “مشاورات تشكيل الحكومة ما تزال مستمرة، وخاصة فيما يتعلق بحسم هوية رئيس الوزراء المقبل من قبل قوى الإطار التنسيقي، مع وجود مجموعة من الأسماء المطروحة في الوقت الحالي”. هذا التوصيف يعكس مستوى السيولة داخل الإطار وعدم اقتراب الكتل من نقطة الحسم النهائي، لكنه يكشف أيضاً عن نقاش آخر يجري بالتوازي، وهو محاولة صياغة “تعهد سياسي” يلزم رئيس الوزراء المقبل بعدم تأسيس حزب أو خوض أي انتخابات مقبلة.
ويقول ترزي بوضوح إن “هناك حراكاً آخر يدفع باتجاه اعتماد مبدأ تعهد رئيس الحكومة المقبلة بعدم تشكيل أي حزب أو تحالف سياسي، أو عدم خوض أي انتخابات مستقبلية، وأن يكرس جهده لإدارة الكابينة الوزارية وتنفيذ البرنامج الحكومي”، قبل أن يضيف جملة شديدة الأهمية: “هذا التعهد سياسي فقط، ولا يحمل أي صفة قانونية أو دستورية، وبالتالي فإن نقضه يبقى ممكناً”. هذه الإشارة تختصر جوهر الأزمة؛ فالأمر ليس قانونياً، بل نوع من محاولات ضبط الطموح داخل بيئة سياسية تتجه تلقائياً نحو تحويل المنصب التنفيذي إلى منصة انتخابية.
ترزي يؤكد أيضاً أن “البوصلة حتى الآن تتجه نحو مرشح التسوية، لكن الأمر لم يحسم بصورة نهائية بانتظار توافق قوى الإطار، والتي قد تدفع بمرشح أو أكثر خلال الفترة المقبلة”. هذا التوصيف يعكس إدراكاً داخلياً بأن الأسماء المطروحة اليوم لا تمتلك القدرة الكاملة على جمع أصوات الإطار خلفها، وأن “مرشح التسوية” قد يكون الحل الوحيد لتجنب صراع داخلي قد يعطل تشكيل الحكومة لأشهر.
لكن خلف هذا الحديث المباشر، تكمن معضلة سياسية باتت جزءاً ثابتاً من بنية الحكم في العراق: كل رئيس وزراء يتحول، بين لحظة وأخرى، إلى زعيم كتلة. الأمر لم يعد نمطاً عابراً، بل أصبح قاعدة سياسية تكاد تتكرر تلقائياً منذ 2005. نوري المالكي خرج من موقعه ليؤسس كتلة “دولة القانون”. حيدر العبادي شكل “النصر” وهو في الحكم. محمد شياع السوداني خاض انتخابات 2025 بائتلاف واسع مستنداً إلى رصيد حكومته. حتى رؤساء البرلمان والمحافظون اتجهوا للمسار ذاته—محمد الحلبوسي قدم “تقدم” كلاعب أساسي، ومحافظو البصرة والأنبار وكركوك شكلوا قوائم محلية مدعومة بقرار الدولة.
الاستثناء الوحيد كان مصطفى الكاظمي، لكنه استثناء ظرفي أكثر مما هو مبدأ؛ فغياب مشروع حزبي لحكومته لم يكن خياراً مؤسساً، بل نتيجة وضع سياسي انتقالي وحكومة مؤقتة لا تمتلك أدوات النفوذ المعتادة. ومع ذلك، عادت الأوساط السياسية لاحقاً لتتحدث عن إمكانية دخوله الحياة السياسية الحزبية في أي لحظة، ما يؤكد أن المنصب التنفيذي في العراق يحمل في داخله قوة جذب نحو بناء كتلة انتخابية.
هذا السياق يجعل فكرة “رئيس بلا طموح سياسي” أقرب إلى محاولة احتواء خوف داخل القوى نفسها، أكثر من كونها محاولة لإنتاج نموذج جديد للحكم. فالقوى التي ترشح رئيس الوزراء هي نفسها التي تخشى أن يتحول لاحقاً إلى منافس يقتطع جمهورها. ولهذا يظهر التعهد كحل سياسي قصير المدى، لا كأداة إصلاح حقيقية. فلا الدستور يجيز إلزام الرئيس بعدم خوض الانتخابات، ولا البيئة السياسية تقبل بوجود رئيس وزراء بلا سندٍ انتخابي يحميه في لحظة الصراع.
المفارقة أن محاولة نزع الطموح السياسي من رئاسة الوزراء، قد تؤدي عملياً إلى رئيس ضعيف، معلق بين القوى التي جاءت به وبين قيود سياسية لا تستند إلى قانون، ما يجعله معرضاً للاهتزاز عند أول أزمة. والأخطر أن هذه المعادلة قد تفتح الباب أمام مراكز القوى داخل الوزارات والمحافظات لتشكيل قوائم موازية، فيعيد النظام إنتاج الظاهرة نفسها عبر واجهات مختلفة.
إن تعهد عدم تأسيس حزب، مهما بدا جذاباً، لا يعالج أصل المشكلة؛ فالنظام الانتخابي نفسه—بتشظيه وتعقيداته وضعف الرقابة على تمويل الحملات—ينتج مشهداً يجعل كل سلطة تنفيذية مرشحة للتحول إلى قوة انتخابية. ولذلك يبدو أن النقاش الدائر اليوم بين قوى الإطار التنسيقي هو في جوهره محاولة لتسكين أزمة بنيوية لا يمكن حلها بدون إصلاحات عميقة في النظام السياسي والانتخابي، وبخاصة ما يتعلق بدمج السلطة التنفيذية مع النفوذ الانتخابي.
ومع بقاء المشاورات في بدايتها، كما يقول ترزي، فإن المؤشرات الحالية لا تسمح بالحديث عن مرشح نهائي. لكن ما يبدو مؤكداً أن فكرة “الرئيس منزوع الطموح” ستبقى مطروحة حتى لحظة الحسم، لا لأنها قابلة للتطبيق، بل لأنها محاولة لاحتواء قلق القوى من أن رئيس الوزراء المقبل قد يصبح زعيماً يصعب التحكم به… كما حدث مراراً في تاريخ ما بعد 2003.
تقرير: محرر الشؤون السياسية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - بيان ••••• رغم كل الجهود العراقية السياسية والعملية لإبقاء العراق بعيداً عن الصراع الدائر في المنطقة، وتزامناً مع كل ما تبذله الحكومة من تواصل دبلوماسي من أجل وقف إطلاق النار واستعادة الأمن والإستقرار وحرية التجارة والتنقل والتبادل