سياسة / أمن / ملفات خاصة 27-11-2025, 11:10 | --
+A -A

ملف المجندين العراقيين


تحريات "بغداد اليوم" تكشف خيوط شبكات التجنيد في روسيا وتدفع الحكومة لتشكيل لجنة عليا لملاحقتها

بغداد اليوم - بغداد

بعد أن قادت "بغداد اليوم" سلسلة تحريات موسعة امتدت لعامين وكشفت مسارات استقطاب واضحة نقلت شباباً من بغداد والبصرة والنجف إلى جبهات القتال في دونباس وخاركيف، ومع تراكم القصص الفردية عن شباب غادروا بعقود عمل مدنية ثم انقطعت أخبارهم، أصبح الملف أكبر من كونه حالات معزولة، وتحول إلى قضية سياسية وأمنية وإنسانية دفعت الدولة في النهاية إلى الاعتراف بوجود خلل يستدعي المعالجة، بعد فترة طويلة اكتفت خلالها الجهات الرسمية بالقول إن المشاركة تمت "بإرادة شخصية ولأسباب مالية". حيث كشفت مصادر مطلعة لـ"بغداد اليوم"، عن تشكيل لجنة عليا خاصة تتولى إعداد آلية متكاملة للحد من ظاهرة تجنيد الشباب العراقيين في صفوف الجيشين الروسي والأوكراني، إضافة إلى متابعة ملف العراقيين المفقودين في مناطق النزاع ومحاولة إعادتهم إلى البلاد.

في خلفية القرار كانت هناك شهادات مباشرة من عراقيين ظهروا في مقاطع مصورة من ساحات القتال، تحدثوا عن عقود غير حقيقية، ووكلاء محليين صادروا جوازاتهم، ورواتب لم تُصرف، ونقلهم إلى معسكرات لا يمكنهم مغادرتها. هذه الشهادات ترافقت مع إفادات عائلات فقدت الاتصال بأبنائها، إضافة إلى تقارير بحثية حذرت من توسع ظاهرة تجنيد المرتزقة عبر الإنترنت والوسطاء، خاصة في الدول التي تعاني من بطالة مرتفعة وضعف حماية اجتماعية. وبحسب مصادر مطلعة، فإن هذه التقارير المتراكمة كانت جزءا أساسيا من دفع الحكومة إلى اتخاذ خطوة عملية بدلاً من الاكتفاء بالتقليل من حجم الظاهرة.

التحول الأهم على المستوى القانوني جاء حين أصدرت محكمة في النجف حكماً بالسجن المؤبد على شخص أدين بتجنيد وإرسال عراقيين للقتال في روسيا. الحكم وُصف بأنه أول مؤشر قضائي واضح على أن ما يحدث ليس مجرد "سفر للعمل"، بل نشاط يرتبط بشبكات تجنيد وتمويل، بعضها يعمل من خلال شركات سياحة وتوظيف. هذا التطور دعم ما ورد في تقارير أمنية تحدثت عن وجود مسارات مالية وحلقات وساطة تستهدف الشباب تحت غطاء عقود عمل.

أما دولياً، فقد برزت معلومات عن فتح جهات أوروبية تحقيقات بشأن تحويلات مالية يُشتبه بأنها استُخدمت لدعم سفر مقاتلين أجانب، بينهم عراقيون، وهو تطور اعتبرته مصادر حكومية عاملاً ضغطاً كبيراً على بغداد، التي تخشى من أن يتحول الملف إلى عبء دبلوماسي يضر بعلاقاتها مع شركائها الغربيين ومع روسيا في الوقت نفسه.

بموجب هذه المعطيات، جاء تشكيل اللجنة العليا كخطوة تهدف إلى وضع إطار مؤسسي لمعالجة الملف. وبحسب المصادر، فإن مهمة اللجنة لن تقتصر على جمع أعداد المشاركين، بل ستشمل إنشاء قاعدة بيانات دقيقة تتضمن معلومات تفصيلية عن كل حالة، من تاريخ مغادرتها العراق إلى مكان وجودها الحالي أو ظروف فقدانها. هذه البيانات ستكون ضرورية للتواصل مع السلطات الروسية والأوكرانية والمنظمات الدولية المتخصصة بالمفقودين.

إلى جانب ذلك، تواجه اللجنة مهمة أخرى معقدة تتعلق بملاحقة شبكات التجنيد داخل العراق. فالتقارير التي وثقتها "بغداد اليوم" أظهرت أن التجنيد لا يبدأ في الخارج، بل في الداخل عبر وسطاء وسماسرة يستخدمون شبكات اجتماعية وصفحات إلكترونية لعرض فرص سفر برواتب مغرية. وترى المصادر أن نجاح اللجنة يتطلب تعاوناً بين الأجهزة الأمنية والسلطات القضائية لوضع حد لهذه الشبكات، ومنع استمرار عمليات الاستقطاب التي تستغل الظروف الاقتصادية.

الجانب الاقتصادي يمثل بعداً أساسياً في فهم الظاهرة. فغياب فرص العمل، وارتفاع نسب البطالة بين الشباب، وضعف سياسات التشغيل، جعلت عروض الرواتب بالدولار والوعود بالعمل في الخارج عوامل أساسية دفعت الكثيرين إلى المجازفة بالسفر. وتشير المصادر إلى أن اللجنة سترفع توصيات للحكومة لبحث برامج دعم تستهدف الفئات الأكثر عرضة للاستقطاب.

وتتزايد المخاوف الأمنية من إمكانية عودة بعض المجندين بخبرات قتالية عالية أو روابط خارجية قد تؤثر على الوضع الأمني الداخلي. لذلك تعمل اللجنة، بحسب المصادر، على وضع آليات واضحة للتعامل مع العائدين، بما يميز بين من وقع ضحية استغلال اقتصادي وبين من تورط في انتهاكات تستدعي إجراءات قانونية.

على المستوى السياسي الخارجي، يضع انخراط عراقيين في صفوف الجيش الروسي الحكومة أمام معادلة حساسة، لأن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يتعاملان بجدية مع ملف المقاتلين الأجانب، بينما تحاول بغداد الحفاظ على علاقة متوازنة مع موسكو. هذا الوضع يجعل معالجة الملف ضرورة سياسية بقدر ما هي أمنية وإنسانية.

ورغم تشكيل اللجنة، يبقى نجاحها مرتبطاً بالإرادة السياسية والقدرة على تنفيذ توصياتها. فالتعامل الرسمي مع الملف شهد لسنوات حالة من التردد والاكتفاء بالتصريحات العامة، وهو ما ساهم في استمرار الظاهرة. وتقول المصادر إن اللجنة ستكون مطالبة بتقديم نتائج واضحة، وفتح قنوات تواصل مع عائلات المفقودين، وعدم العودة إلى سياسة النفي غير المدعوم بالمعلومات.

في المحصلة، يمثل هذا الملف اختباراً لقدرة الدولة على حماية مواطنيها ومنع استغلالهم في صراعات خارجية. وهو اختبار لم يعد يخص حالات فردية، بل يعكس طبيعة البيئة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تسمح بتمدده. ومع استمرار التحقيقات وتوسعها، ستتضح قدرة الحكومة على تحويل القرارات إلى إجراءات فعلية، ومعالجة الأسباب التي دفعت الشباب إلى هذا المسار من الأساس.

تقرير: محرر الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

إيران تُربك حسابات ترامب وتفرض تراجعاً أمريكياً عن ضربات حاسمة

بغداد اليوم - متابعة كشف تقرير نشرته ميدل إيست نيوز، اليوم الاربعاء ( 25 آذار 2026 )، أن التوقف المفاجئ للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تنفيذ ضربات عسكرية واسعة ضد إيران جاء بعد تحذيرات مباشرة من دول الخليج، التي أكدت أن الحرب تتجه نحو مرحلة أشد خطورة،

اليوم, 11:12